هشام محمد / Aug 08, 2004

تاريخياً، تعرضت فئة الفقهاء أو رجال الدين المقربين من ركب السلطان إلى انتقادات عريضة من قبل طبقة المثقفين الأحرار ومن خصوم السلطة السياسية. وقد تمحورت جل مثالب رجال الدين كما يلخصها منتقدوهم في توظيف الدين واستغلاله من أجل خلق الاستقرار المنشود للنظام السياسي، وضمان طاعة (الرعية) لـ (ولي الأمر)، وتجهيل الناس بحقوقهم، وتذكيرهم بما عليهم من تكليفات، وإشغالهم بأمور الغيب وعذاب القبر وأهوال القيامة وما ينتظرهم في الجنة من حور العين وولدان كأنهم لؤلؤ منثور جزاء انقيادهم لله ورسوله وأولي الأمر منهم.
ويبدو أن المسلم عامة والعربي خاصة، رغم عمليات التدجين المتواصلة منذ بدايات تبلور المشروع الإمبراطوري للدولة على يد معاوية بن أبي سفيان، مازال يحتفظ بشيء من لقاحيته (حالة رفض السلطة والتمرد عليها سياسياً وعسكرياً وثقافياً). وربما هذا ما يفسر جزئياً احترام المؤرخين ومحاباتهم للنماذج الدينية التي أبانت عن رفضها للسلطة السياسية بالخروج عليها أو حتى مقاطعتها واعتزالها كأضعف الإيمان. أما أولئك اللذين اختاروا طواعية الاندماج في جهاز الدولة الرسمي، أو من استطاع النظام السياسي بالترغيب أو الترهيب ضمه إلى صفه فقد أهال عليها التاريخ التراب لأن العقلية اللقاحية ترفضها.
براعة رجال الدين في اللعب ببيضة الدين وحجر السياسة، ولي أعناق النصوص والتلاعب بها، وإبطال الحق وإحقاق الباطل صفات تكشف عن بشاعة تزاوج الدين بالسياسة، وعن سلوك انتهازي اعتاد ممارسته فقهاء السلطان. هذا الطابع الحربائي، رغم لا أخلاقيته، منح تلك المؤسسات الدينية الملحقة بجهاز الدولة ليونة فائقة تسمح لها بالتكيف مع المتغيرات السياسية والدينية والثقافية المحيطة بها. ولهذا فإن أكبر مؤسسة دينية كالأزهر مثلاً مازال يمارس دوره خلال ألف عام من عمره لأنه كان طرياً وناعماً مثل العشب ينحني أمام العواصف السياسية دون أن ينكسر.
لكن لماذا تنصب اللعنات على فقهاء السلطان وحدهم؟ ولماذا يوصفون دوماً بالبراغماتيه وتغليب مصالحهم ومصالح أسيادهم؟ ولماذا يعيرون بالانتهازية وتوظيف النص حسب مقتضيات الحال؟ أليس من الموضوعية أن ندقق في ما بين أيديهم من المصادر الشرعية؟ أليس من الأجدى أن نحفر في تلك النصوص ونعيد مساءلتها؟ ألا ترى أن الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله- قد كتب قبل حرب الخليج الثانية بعشر أعوام يحرم ويكفر بناءً على أدلة شرعية من استعان بغير المسلم لمحاربة الشقيق المسلم، قبل أن يغطس يديه مرة أخرى داخل صندوقه السحري ليغرف أدلة تنفي وتضرب سابقتها؟ ألا تشعر بالدوار عندما ترى وتسمع رموز "الصحوة الدينية" في السعودية وهي تنثر بذور الإرهاب الديني في عقول المتلقين السذج وعدتهم في ذلك آيات وأحاديث، حتى إذا اينع زرعهم وربا عادوا
ليتبرّأوا مما صنعوا وينددوا بأفعال تلاميذهم وعدتهم في ذلك آيات وأحاديث أخرى؟
المشكلة – كما أراها- لا تتعلق فحسب بفساد الضمائر، وغياب الرؤية الواضحة، وأخطاء الاجتهاد، ولكنها تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك أي إلى ما بين أيديهم من النصوص المقدسة. فالقرآن الذي يدعو إلى التأدب في الحوار مع الخصم
"وجادلهم بالتي هي أحسن"، "لست عليهم بمسيطر" يعود ليكسر تلك القاعدة الأخلاقية الراقية "أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون"، "بل أكثرهم لا يعقلون"، "وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم". والقرآن الذي يقرر حرية الإنسان في الاختيار "لا إكراه في الدين"، "ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" يعود ليشطب الحرية الممنوحة فارضاً الإسلام كطريق وحيد لتجنب النار الحارقة ودخول جنات النعيم: "إن الدين عند الله الإسلام"، "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله". وبدورها لم تَخلُ السنة النبوية من التناقضات المحيرة والمربكة، فالنبي محمد لم يجبر أحد الأعراب اللذين أسلموا على البقاء على الإسلام عندما ألح الأعرابي على الرسول أن يقبل إقالته أي ردته عن الإسلام. إن قبول النبي بردة الأعرابي تعكس روح الآية القرآنية "لا إكراه في الدين". لكن تسامح "النبي" محمد وليبراليته في هذا الحادثة تتناقض قولاً وفعلاً مع حديثين ذائعي الصيت "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله"، "من أرتد عن دينه فاقتلوه". كما يتناقض موقفه من الأعرابي مع توجيهه لكتيبة إعدام أرسلها وهو على فراش الموت لاغتيال الأسود العنسي اليمني الذي نقض بيعته لمحمد وأرتد عن الإسلام.
قد يشتم البعض من السطور السابقة محاولات غير بريئة لإلقاء ظلال من الشك حول مصداقية القرآن، وسلامته من التحريف والزلل، وعصمة نبي الإسلام. وقد يرى البعض أن الوقوف على ظواهر وحواف الآيات والأحاديث المتعارضة يعكس جهلاً مخيفاً بأسباب النزول وتطورات الحياة. وردي على ذلك أن الانتصار للمعرفة، واستجلاء الحقائق المطمورة، وإضاءة الزوايا المعتمة، واستنطاق الجوانب المسكوت عنها أسمى وأثمن من عبادة الأسلاف، وأسطرة الموتى، وتقديس الماضي. وأما أسباب النزول فهي حقاً أهم المفاتيح التي نحتاجها للمرور داخل أروقة النص واستكشافه، وهي الوسيلة لوضع النص القرآني والنبوي في إطار تأريخيته الطارئة بدلاً من تحويله إلى مطلق سرمدي لا يحده زمن ولا مكان.
لكن ارتباط النص بأسباب النزول، وإن كان يكشف في جزء منه عن ديناميكية الدين الإسلامي وسرعة استجابته للمستجدات اليومية من خلال اتصال السماء بالأرض بواسطة جبريل، إلا أنه يفصح عن مسألة مهمة وهي أن القرآن والسنة كانت تساير سرعة إيقاع المجتمع الإسلامي وتحولاته، فهو
يتباطأ ويخفت عندما يكون مهدداً وتحت الضغط، ويكون صاخباً وصدامياً عندما تتهيأ له أسباب القوة. فعندما فشل النبي محمد في إقناع الطبقة الأرستقراطية القرشية بالدين الجديد، أو لنقل بأدلجة الحنيفية وعسكرة العقيدة، بدأ بتوجيه الخطاب إلى مستضعفي مكة من العبيد والفقراء واستمالتهم بتقديم المغريات الدنيوية مثل وراثة قريش والاستيلاء على كنوز قيصر وكسرى والمغريات الأخروية مثل أنهار الخمر والعسل واللبن وممارسة الجنس بلا حدود مع نساء مقصورات في الخيام "ونريد أن نمن على اللذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين". وعندما صلب عود الدولة المحمدية واشتد بأسها بين قبائل العرب أخذت السور المتأخرة تبتعد تدريجياً عن هموم المستضعفين خاصة وأن كثيراً من الميسورين قد انضووا تحت لواء الدولة الصاعدة بقوة، ويذكر أن عدد من الصحابة الأغنياء قد ألحوا على النبي إلغاء آية قرآنية هاجمت وحرمت كنز الأموال مما أضطره تحت ضغوطهم وحاجة الدولة إلى أموالهم إلى نسخها. خفوت الحس الثوري في آيات القرآن صاحبه إطراء النبي محمد وامتداحه للتجارة التي تشكل مصدر رزق أثرياء قريش "إن التاجر الأمين مع الكرام البررة يوم القيامة". وقد تجلى تقدير النبي لطبقة التجار عندما قام بتقسيم غنائم حنين حيث حظي الأثرياء على نصيب يفوق الفقراء.
ونجد أن القرآن والنبي
تعاملا بادئ الأمر مع بني إسرائيل بالكثير من التوقير والإجلال وبأنه قد فضلهم على العالمين. حتى أن كثيراً من شرائع اليهود تبناها الإسلام بلا حرج كالختان، وتحريم أكل الميتة والخنزير، وقطع يد السارق، وصوم عاشوراء، وتحريم وأد البنات وغيرها. غير أن سطوع نجم الدولة الصغيرة، والحاجة إلى الاستيلاء على أموال اليهود الطائلة "اضطر النبي محمد على رهن درعه لدى يهودي مقابل طعام يسد جوعه" وأراضيهم ومزارعهم، تطلب إزاحة اليهود وإبادتهم بوحشية، استناداً إلى ذرائع غير دامغة وغير كافية لقتل كافة الذكور البالغين وسبي نسائهم. وكالعادة فقد سار القرآن في خط متوازي مع طموحات وأهداف الدولة الجديدة من خلال الآيات الصواعق التي نددت بشدة باليهود وحرضت على قتلهم بلا شفقة "من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير"، "فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين"، "واقتلوهم حيث ثقفتموهم".
هذان
المثلان ـ من وجهة نظر شخصية بحتة ـ يفصحان عن سلوك براغماتي يطبع المصادر التشريعية الأساسية القرآن والسنة في إطار مساعيها لبناء الدولة وسط حقول الشوك دون مراعاة لتقرير وتأصيل قواعد أخلاقية لا زماكية (لا زمان ولا مكان يحدها) مادامت تتعارض مع المصالح العامة لمشروع إقامة الدولة. أما براغماتية فقهاء السلطان وقدرتهم البهلوانية على توظيف النص وتوجيهه بما يخدم مصالح السلطان ومصالحهم فهو امتداد لما تشف عنه مصادرهم التشريعية من تباينات وتحولات مربكة.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط