مراسل الناقد في فرانسا / Sep 09, 2010

الباحثة في علم السياسة، والأستاذة في جامعة زوريخ السويسرية، الدكتورة إلهام مانع، برزت إعلاميا منذ إطلاقها ذلك النداء الشهير عام 2006، "إخلعي الحجاب يا أختي!".

منذ ذلك الوقت لم تتوقف هذه الجامعية ذات الأصول اليمنية، عن النضال في سبيل تحرير المرأة المسلمة، وكذلك الرجل المسلم. فزادت شهرتها ليس فقط في العالم العربي بل أيضا في الأوساط الأكاديمية السويسرية والألمانية وحتّى الدولية.

وقد جاء الآن كتابها الأخير الصادر بالإلمانية، بعنوان "لن أصمت بعد الآن"* ليشكّل ليس فقط مطالبة ملحة بإصلاح الإسلام وكتبه العقائدية وتعاليمه اللاعقلانية، بل أيضا لتطلق صرخة مريرة ونداء عاجلا إلى المثقفين المسلمين في الغرب والشرق، تدعوهم إلى استنباط نظرة جديدة للقرآن، إلى الغوص النقدي في أعماق نصوصه وتطهيرها من كل الشوائب والتناقضات، وإلى إسقاط كل الأقنعة التي تستخدم في التفاسير المضلّة والمضللة. تطالب جميع الفعاليات المسلمة من رجال دين ومثقفين إلى التعاون في سبيل إخراج هذه العقيدة من دياجير الظلام والظلامية وتحريرها بالتالي من هراء المفسّرين وتخريفهم، هؤلاء الذين لا همّ لهم سوى تبرير مضمون النصوص وتعليلها والدفاع عنها أيّا كان الثمن. فالشعوب التي آمنت بهذه العقيدة وراثيا أو بيئيا وفي غياب أية حرية في الإختيار، يحق لها أيضا أن تفهم وتتطوّر وتحاكي التقدم في هذا العالم لا أن تبقى أسيرة النصوص والتقاليد والتخلف. تحثّ المسلمين وأوليائهم على البحث عن إله الحب بدلا من التزلّف وراء إله التخويف والرعب والترهيب. لا يسعها أن تتصوّر وجود أية قوة حتّى إلهية تعمل على تقويض الطاقة الفكرية التي يتمتع بها الكائن البشري في كل مكان وزمان. فهي تؤمن بأن هذا المخلوق الحيّ من نفس وجسد يصبو بطبيعته الإنسانية وبكل جوارحه إلى السلام والحبّ كما يتطلّع بشغف إلى الخلق والإبداع.

تحثّ إلهام مانع في هذا المؤلف الرائع، الذي نأمل نشره باللغة العربية، على التجاوز الجذري للتعاليم الإسلامية والقرآنية التي لا يستطيع المنطق والعقل الإنساني القبول بها. فهي تبحث قبل كل شيء عن "إسلام مؤنسن"، لا عن دين يدعو إلى القتل وسفك الدماء واستعداء الآخرين واضطهاد المرأة باعتبارها ناقصة عقل وإيمان ودين. تعتبر هذا المطلب خطوة أساسية ذات بعد جوهري يحتاج إليها كل إنسان بقطع النظر عن انتمائه الفكري أوالديني أوالعرقي.

ما تطالب به هذه الباحثة الجريئة هو دعوة إلى ثورة فكرية وعقائدية مطهرة، رافضة الرضوخ أو القبول بنصوص يُضفى عليها طابع القدسية دون محاولة فهمها وتفنيد بواطنها وانتقاد مراميها. إنها تأبى، مثل الكثيرين من المفكرين التنويريين، البصم على روايات المفسّرين الساعية إلى إخفاء التناقضات والعورات والأوهام التي يزخر بها القرآن والحديث وكتب السنّة وغيرها.

أما ورقة العمل التي تعتمدها في سبيل التمهيد والوصول إلى مبتغاها، فتبدو نظريا أمرا بديهيا وتربط نجاحها بأربعة عناصر أساسية:

1-            إعطاء الأوليّة للإنسان قبل الدين

2-            ضمان حرية الإختيار وأصول التفكير العقلاني

3-            تشجيع حرية التعبير والأبحاث النقدية المتعلقة بالإسلام وتعاليمه

4-            تأمين المساواة بين الرجل والمرأة.

في هذا الإطار تصرّ وتشدّد على أن الحل ّالوحيد لمستقبل المسلمين، وبالتالي لمستقبل البشرية، يرتبط قبل كل شيء بالشرط الأول أي بوضع الكائن البشري في صميم الإهتمام الفكري للبشرية، وليس الدين، أي ضرورة التركيز على شرعة حقوق الإنسان المعترف بها دوليا والإنطلاق منها.

 

تكتب إلهام مانع بالألمانية وتوجّه كلامها للناطقين بهذه اللغة. من المحتمل جدا أن تلقى أفكارها صدى ممتعا وجذّابا لدى الألمان خاصة والغربيين عامة. غير أن تطلعاتها البريئة والصادقة ستواجه حتما بتمسك المسلمين بالتعاليم الواردة في القرآن المعصوم بنظرهم عن الخطأ. فما تطالب به، وإن لم تتلفّظ به علنّا، يشكل منحى راديكاليا، إذ يقضي بإلغاء وحذف كل الآيات القرآنية المتضاربة مع حقوق الإنسان ودساتير الدول الغربية الديمقراطية. فهناك أكثر من ستمائة آية في القرآن تدعو بشكل مباشر أو غير مباشر إلى العنف والقتل والثأر والعبودية والحقد والكذب والتمييز الديني والعنصري والعصيان المدني ومعاداة غير المسلمين خاصة اليهود والنصارى، الخ. فهذا الأمر يقود إلى طرح أسئلة عديدة حول مضمون القرآن وإسقاط معظم تعاليمه التي يتكوّن منها دستور المسلمين.

في الحقيقة، بالرغم من قوة المنطق والإيجابية العلمية البارزة في استراتيجية هذه الباحثة وجرأتها الرؤيوية، من المؤسف القول بأنه منذ مجيء الإسلام وحتى يومنا هذا لم تبرز أية مؤسسة أو سلطة قادرة على تبني مثل هذه الأفكار التنويرية وتطبيقها. فعقول المسؤولين الدينيين والسياسيين ما زالت متحجرة، تقف بالمرصاد لكل مصلح وترفض لا بل تلغي كل من يجرؤ على المسّ بمضمون القرآن.

 

إلهام مانع ليست أول من يطرح مثل هذه الأفكار، ولا أول من يدحض بعضا من تعاليم الإسلام والقرآن المهينة للكرامة الإنسانية. كم من مفكر قبلها نادى بمثل هذه الإصلاحات العقلانية وتمّ القضاء عليه لأنه تنكّّر للنصّ وتجرأ على انتقاد قدسيّة النصّ، فأثار بالتالي غضب رجال الدين والجماهير الإسلامية القابعة في عقم جهلها والمتمسكة بتمجيد الماضي والوقوف على أطلاله الظلامية.

 

فبالرغم من كل ذلك، لا نيأس أبدا، بل لا بدّ من الترحيبب بهذه المبادرة الشجاعة التي أطلقتها هذه الكاتبة والباحثة الآتية من أرض "اليمن السعيد" والتي قررت "كسر الصمت" والمطالبة باحترام حقوق الإنسان أيا كان الثمن ودون أي خوف من حملات الجهل والتخلّف والتعصّب. أملنا أن يتحقق حلمها وحلم الكثيرين والكثيرات من بني ملّتها. فهل سيصل صوتها إلى أصحاب القرار وينفذ سموّ تفكيرها إلى بصائرهم الهاجعة في التفكير والتضليل. كيف سيتلقّون هذه الدعوة الصادرة عن سيّدة مثقفة تؤمن بالكلمة الصادقة وبالفكر السليم، ولا تحلم إلا بإخراج بني قومها من الظلمة إلى النور وإدخالهم في عصر التنوير؟ فهل تنجح النساء حيث فشل الرجال؟ ألم يقال، إن الثورة الحقيقية داخل الإسلام لن ترى النور إلا على أيدي النساء؟

أما بحثها عن إله الحبّ الذي تحلم بعبادته والتقرّب منه، فأين ستجده إذا لم يتحقق حلمها بإصلاح الإسلام وتطهيره وتحويله من دين الرعب إلى دين الحبّ؟ هل ستجد له أثرا في الكتب الإسلامية المضللة، أم أنه إله الإنجيل الذي يبدو أنها استوحت منه الكثير من أفكارها وطموحاتها، دون الإشارة إلى ذلك. لاهمّ، من يبحث مثلها عن هذا الإله، سيعرف حتما أين يجده.

 

* عنوان الكتاب

 

Elham MANEA : ICH WILL NICHT MEHR SCHWEIGEN – Der Islam, der Westen und die Menschenrechte (I will no longer remain silent – Islam, the West and Human rights). Herder: Freiburg, Basel, Vienna 2009, 200 p.

 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط