مع كل سيجارة يدخنها
مجهول / ترجمة بسام درويش / Sep 09, 1993

لم نسمع حتى يومنا هذا خبراً أو تقريراً صادراً عن مركز أبحاث علمي أو طبي، ولم نقرأ مقالة أو كتاباً يحدثنا عن فوائد التدخين.. كلنا نعرف مضار التدخين وما له من انعكاسات سيئة على الصحة بشكل عام، ليس فقط على المدخنين أنفسهم بل أيضاً على من يشاركهم التدخين بشكل غير مباشر بمجرد الجلوس قربهم أو السكن معهم.

 

ليس هناك مدخنٌ لا يعترف أن للتدخين انعكاسات سيئة على صحة الإنسان حتى ولو حاول الكذب على نفسه ومحدثيه بقوله لهم أن جده قد مات عن عمر يزيد على التسعين عاما ولم ينقطع عن التدخين طيلة عمره منذ أن كان في السادسة عشرة.

 

الشركات المنتجة للسجائر، هي نفسها أيضاً، لا يمكنها أن تصدر نشرة تشرح فيها فوائد التدخين وإن كانت ولا زالت تحاول التقليل من قيمة التقارير التي تصدر بين الفينة والأخرى من مراكز بحوث مختلفة تحذر الناس فيها من مغبة الاستمرار في التدخين.

 

إذن فإن الحديث عن مضار التدخين ليس أمراً جديداً، إنما الجديد هو فيما أدلى به الدكتور مايكل اريكسون في الأسبوع الماضي وتحدث فيه عن آخر ما توصلت اليه البحوث المستمرة في مراكز مراقبة الأمراض والوقاية منها، قال فيه : "  لكل واحد منا شخص عزيز مدمن على التدخين نتمنى لو أنه يقلع عن هذه العادة المضرة ؛ ولكن عندما نعلم أن كل سيجارة يدخنها تأخذ معها أياماً من حياته فإن تلك الأمنية تصبح مطلباً ملحاً."

 

لقد نشر مركز مراقبة الأمراض تقريراً ذكر فيه أن الوفيات التي تعود أسبابها إلى التدخين في عام 1990 بلغت 418690 وفاة، ولا يدخل في هذه الإحصائية عدد الذين ماتوا بسبب إدمانهم على السيجار أو التبغ عديم الرائحة.

 

إن الرقم المذكور يعادل نسبة عشرين بالمئة من كل الوفيات في الولايات المتحدة في ذلك العام وهو أكبر من عدد الناس الذين ماتوا بسبب تعاطي المخدرات والكحول ومرض الإيدز وحوادث السيارات بشكل مجتمع. وبكلمة أخرى فقد سرقت السيجارة ما يعادل خمسة ملايين وأربعين ألف سنة من عمر الأميركيين في عام 1990 وحده.

 

أما مؤسسات التبغ فقد رفض ممثلوها التعليق على هذه الإحصائيات بحجة أن ليس لديهم احصائيات سكانية بديلة تتعلق بالوفيات والولادات تمكنهم من المقارنة والتعليق على تقرير.

 

لكي يوضح مركز مراقبة الأمراض احصائياته فقد قام بخطوة حسابية أخرى قارن فيها معدَّل عدد السجائر التي قد اسنشقها أولئك المدخنين الذين ماتوا بعدد السنين التي فقدوها من عمرهم فوجد أن كل دقيقة قضوها وهم يدخنون قد أخذت من عمرهم دقيقة. علماً بأن معدل الوقت الذي يقضيه المدخن مع سيجارته هو سبع دقائق>

 

وصف الدكتور الفريد منزر، رئيس الجمعية الأميركية لأمراض الرئة التقرير بالخطير جداً وقال: "إنه لأمر واضح وصورة مجسمة ظاهرة للناس تؤكد لهم أنهم يقصرون من سنوات عمرهم مع كل سيجارة يشعلونها."

 

ان معدل عمر الإنسان المتوقع للأميركي عند ولادته هو 74 سنة للرجل و78 سنة للمرأة ولكن المعدل يرتفع مع ازدياد عمر الإنسان. مثال على ذلك، أنه يمكن التوقع لإبن الستين عاما أن يبلغ الثمانين أكثر مما يمكن لمن كان عمره خمسة وأربعين عاماً. وهكذا فإن إحصائيات المركز كانت قائمة على حساب السنوات الضائعة من عمر الإنسان الذي كان يتوقع له أن يحياها لو لم يكن مدمناً على التدخين.

 

ويذكر التقرير الذي أصدره المركز أن عدد المدخنين في الولايات المتحدة يبلغ 64  مليوناً إضافة إلى 44 مليون أميركي قد أقلعوا عن التدخين. ولا يزال عدد المدخنين مستمراً بالتناقص منذ عام 1964 ؛ وتبعاً لذلك فقد بدأت نسبة الوفيات التي ترجع اسبابها إلى السيجارة في التناقص أيضاً، إذ انخفضت بمعدل 6،3 بالمئة بين عام 1988  و 1990. هذا الإنخفاض هو بشكل عام بين الوفيات بأمراض أوعية القلب الدموية كما يعود أيضاً للتقدم الذي أحرزه الطب خلال العامين المذكورين.  ولكن من الناحية الأخرى فقد زاد عدد الوفيات بسبب سرطان الرئة بنسبة 4 ، 4 بالمئة خلال الفترة نفسها والوفيات بسبب الأمراض الرئوية المزمنة بنسبة 4 ، 8  بالمئة. هذه الأمراض الرئوية تبرز بشكل غير متوقع بعد سنوات من بدء التدخين أو حتى بعد سنوات من التوقف عن التدخين. ولكن على المدخن أن لا يعتقد بأنه قد تأخر كثيراً في الإقلاع عن ادمانه فالتوقف في أي وقت من الأوقات هو أمر ضروري، وبالطبع فإن التوقف بشكل مبكر هو أفضل، كما يقول الدكتور مايكل أريكسون.

 

بالرغم مما سبق ذكره فإن مركز مراقبة الأمراض والوقاية منها يحذر بإن الإنخفاض في عدد المدخنين لن يستمر إذ أن عدد الشبان المراهقين المدخنين والذي يقدر بثلاثة ملايين، لم يتناقص منذ عام 1980. أولئك الشبان بشكل خاص معرضون للإصابة بالأمراض التي لها علاقة بالسجائر لأنهم يبدأون التدخين في مرحلة مبكرة من عمرهم، ويزداد الخطر إذا لم يقلعوا عن العادة بعد بلوغهم سن الرشد.

ترجمة بسام درويش. نشرت في بيروت تايمز العدد 367 - 9-16- ايلول 1993

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط