محمود كرم / Nov 06, 2007

بالطبع لا يمكن أن تخلو حياة أيِّ واحد منا من بعض العذابات أو الآلام أو الأوجاع، وفي المقابل لا يمكن أن تخلو أيضاً من بعض المسرّات أو الأفراح أو السعادات، فالحياة عبر فصولها ومراحلها وبكل اتجاهاتها وتلوناتها وصورها مزيج دائم من الألم ومن كل ما يأتي على النقيض منه، ولا يمكن لها إلا أن تكون هكذا، ولا أضيفُ هنا شيئاً جديداً من قولي هذا بطبيعة الحال، ولذلك دعونا نذهبُ إلى معنى آخر نجد فيه أنفسنا نُحسن ربما المثول الجميل في حضرة الألم، حينما يبسط في أعماقنا حضوره الصارخ والمتحدي والموجع والجميل أيضاً، ذلك الألم الذي يزيدنا إصراراً على مواجهته أو التداخل معه أو مماحكته أو الانتصار عليه، ويزيدنا أيضاً إصراراً على استنطاق طبيعته الأليمة والموجعة والجمالية أيضاً في أعماقنا..

 

لا أحد يستطيع أن ينكر أن الألم بشتى أنواعه ومستوياته وطرائقه عذابٌ قاسٍ ومميت، وفي الوقت نفسه لا يمكن لنا التنبؤ بمجيئه أو بمضاعفاته أو بحدوده حتى، فهل أخبرنا الألم ذات يوم أن له حدوداً معينة يتوقف عندها، وهل يخبرنا أنه سيصيب جزءاً ما في أعماقنا ويتوقف عنده تاركاً لنا فرصة لمداواتهِ قبل أن يزحف على جزء آخر أو جانب آخر في ذواتنا .؟ يقيناً أنه لا حدود للألم، بل يبقى مفتوحاً على احتمالات كثيرة ومستويات عدة، ومَن يحمل بين أعطافه ألماً ما يبقى يحمله في أعماقه ويرتحل به أينما سار به الألم، وقد يبقى يسير به إلى الرمق ما بعد المستحيل ربما، هكذا هم السائرون بآلامهم في تعرجاتها التي لا تنتهي، ما دامَ ألمهم لا يعترف بحدود معينة ولا يمكن أن يجفله شيء ما، ولذلك أعتقد أن البعض منا يدفع به الألم للهروب بعيداً من نفسه ومن ظروفه ومن ظلهِ ويدفعه للهروب حتى من كل شيء، لأنه فاضحٌ وكاشفٌ عظيم للضعف والهوان والاستسلام في داخله، فكم من الناس كشفَ الألم ما فيهم من ضعف وهوان واستسلام، وفي المقابل كم واحد منا استطاع أن يسير بألمه من دون أن يُبدي ضعفاً أو هواناً أو استسلاماً، وقد يواجهه بمزيد من الألم..

 

أليسَ التصميم على مسايرة الألم وإدارته ألماً في حد ذاته، وأليسَ البقاء على قيد الألم من دون تراجع أو استسلام ألماً آخر لا يقل وجعاً عن الألم نفسه، وأليسَ مَن يترك ألمه كجرحٍ يتفتح بالضوء ويشعّ توهجاً إنما يريد لألمهِ أن يبقى متحدياً لكل أنواع الهوان والذل، وهل هناك أقسى على الإنسان من أن يبقى ألمه مفتوحاً ومتوهجاً ونابضاً وفائراً يتضرج مصلوباً على قيد الصمود، وأليس مَن يستطيع أن يتحايل على الألم فأنه في الواقع يتألم لأنه لا يجد وسيلة أخرى للخروج من ألمه سوى أن يتحايل على ألمه بألم آخر، وسوى أن يُبدي في حضرة الألم هدوءاً ووقاراً وتماسكاً معجوناً بالتحايل، أنه في هذه الحالة يتألم بهدوئه وسكونه وتحايله، ويتألم ربما أكثر لأن ليس في حساباته الذاتية التراجع عن مواجهة الألم، وليسَ في حساباته أيضاً الافصاح عن تألماته لألمه وعن توجعاته لأوجاعه وعن عذاباته لعذابه..

 

 وهناك مَن يستطيع أن يفصح عن ألمه ووجعه وعذاباته بطريقةٍ تجعله يمتثل في حضرة الألم مصحوباً ببهائه وجماله وهدوئه وثباته وانتصاراته ربما، أنه في هذه الحالة يريد أن يقول لألمه كم أنتَ فاضح لألمي وتوجعاتي أمام نفسي، وكم أنتَ سخيٌ في عطائكَ وجودِكَ وهداياكَ، وكم أنتَ جميل في قسوتكَ ووجعكَ وعمقكَ، وكم أنتَ متفانٍ في اخلاصكَ لي وفي حبكَ لي وفي رعايتكَ لي أيضاً، أنه يريد أن يقول : أيها الألم كن كما أنتَ فاضحاً وبهياً وسخياً ومتفانياً ومخلصاً وجميلاً، ليسَ لأنه يعشق ألمه حد الخضوع والاستسلام والهوان والضعف والمهادنة، بل لأنه يستطيع أن يستشعره بجمالية صارخة، وأن يستنطقه بمزاجية مشتهاة، وأن يمتثل في حضرته قديساً يتسربل بألمه طهارةً واغتسالاً، ويستطيع أن يُعلن عنه أمام نفسه ومشاعره، وأن يعترف به أمام جنونهِ وتقلباته وحتى تناقضاته، ويستطيع أيضاً أن يتوحد معه انصهاراً وسمواً وجمالاً ووجوداً، ويستطيع أن يراه أمامه ماثلاً شاخصاً يتلمّسه عميقاً وطازجاً بفرادته في كل شيء..

 

أليسَ الشاعر يتألم ويسكبُ شعره عذاباً ووجعاً، يستعذِبُ في ألمه الطهارةَ والسمو والتعالي، ويكتبهُ متنرجساً بتلونات ذاته الأليمة المتوجعة، ويستنطقه جمالاً باعثاً على التماهي معه، ويرتقي معه في مستوياته الوجدانية الباعثة على الافصاح عنه بهاءً وتفرداً وخشوعاً وتقدساً، وحينما يصبح الشعر بالنسبة له احتياجاً وضرورة ألا يستحيل في هذه الحالة ألماً، ذلك الألم الذي يسكن في غموضه الدائم، وفي ضرورته الملحّة وفي مساراته وفي تخيلاته الذهنية والصورية، إنه الألم يكتبه شعراً، وإنه الشعر يكتبه ألماً، إنه الاحتياج يتوهج رغبةً واشتهاءً في بعث الألم من جديد أو في تجاوزه لألمٍ آخر يتلمس من خلالهِ في ذاته وجعه المترع بالتحدي والرفض، وقد لا يكون الشعر في حالةٍ أخرى استجابةً لاحتياجهِ، بقدر ما أنه تفسيرٌ لذلك الاحتياج، تفسيرٌ لطبيعتهِ ولمستوياتهِ وتفسيرٌ لدرجات الألم فيه..

 

وأليسَ الناقد الممسوس بالوعي والثقة والشجاعة هو الآخر يتألم، ويبوح بألمه نقداً وربما سخطاً واحتجاجاً، وربما يتألم أكثر حينما يفشل في بثَّ الحياة في العقول المغيّبة عن واقعها، وقد يتألم كثيراً حينما يُمنع قمعاً وتسلطاً وافتراساً من الكلام والنقد، ويتألم حينما يقصيه المجتمع وينبذه ويتعمد ايذائه نفسياً واجتماعياً، لأنه يقول رأيه بكل شجاعة ومنطقية وتفرد، ولأنه يرفض أن يمتهن ثقافة القطيع ويرفض أن يتحول إلى تعبير عن لغة السذاجة والبلادة والغباء في مجتمعه، ولأنه لم يجد في السائد والمعتاد ذاته وفكره واشتراطاته الفكرية والحياتية، ولكنه في مقابل ذلك قد يرى في هذا الألم جمالاً لذاته ولعقله ولوجوده، وقد يجد في هذا الألم خلقاً جمالياً لتفكيره الذي استطاع أن يتعافى من تشوهات الغباء والبلادة والخضوع والتبعية، ويجد فيه تحقيقاً لكينونته الذاتية في أن تكون حرةً ونقيةً ومستقلةً ورافضةً للوصاية والتبعية، إنه الألم النبيل، الألم الذي يزيده اشراقاً في نفسه وأمام نفسه، ويبعثه إنساناً وفياً يقدس إنسانيته الحرة، إنه الألم الذي يتخلق تحقيقاً وثباتاً ورسوخاً في المكان الأكثر بياضاً وافصاحاً عن نفسه وعن حقيقته وعن كيانه، كما يقول عن ذلك الباحث جوزيف كامبل (مكانك المقدس هو الذي تجد فيه نفسك مرةً بعد مرة)..

 

والعشاق المتفانون في إخلاصهم لحبهم مهما ضاقت عليهم الحياة واستبدت بهم آلام الحب ومهما تشتت بهم السبل وتفرقت بهم الطرق، يبقون يصرّون عليه ويتمسكون به ويتحلقون حوله رغم كل جراحاته الأليمة، ويسيرون في مداراته يحملونه ألماً شاخصاً في ذواتهم يحيطونه برعايتهم له خوفاً عليه من الاجهاض والتلاشي والضياع، إنهم يتألمون ويعانون في هذا الألم، لأنهم مفتونينَ به وقابضينَ عليه ومؤمنينَ بقسوته عليهم كإيمانهم في مقابل ذلك بجماله ولذته ومتعته، وهل هناك أقسى ألماً وأكثر وجعاً من أن يرى العشاق فجأةً أن حبهم قد تهاوى في الفراغ واستحال إلى عدم، ولكن برغم كل هذا الألم المتوزع والمتجذر في عروق العشاق وفي دمائهم اعثروا لي على عاشقٍ واحد لم يجد في هذا الألم متعةً لا توصف، ولذةً لا تخمد،  وجمالاً لا تتسع له السماء، إنه الألم الجميل بكل أنواعه ومستوياته وبكل لوعاته وتوجعاته، يُبقيهم أوفياء مخلصينَ متفانينَ له في الأبدية، ويُبقيهم متوهجينَ بألم الحلم، حلم الوصول إليه ومعانقته والتفرد به، أليس لذة الحب في هذا الألم الذي لا يتوانى أن يزرع فيهم دوماً شوقاً عظيماً للظفر به واحتضانه والوصول إليه..

 

وذلك الإنسان المسكون دوماً بخياره الأشهى إلى نفسه في أن يبقى إنساناً على قيد التفكير الحر، يفكر ويتساءل ويبحث ويهوى المجازفة في الأفكار ويجد ذاته في اقتراف فعل الخلق، خلق التفكير، أليس هذا الإنسان هو الآخر يتألم ويتوجع، وأليس احتياجه إلى فعل الخلق يصنع ألمه الدائم، هذا الاحتياج صانع حقيقي لألمه، لألمه الداخلي الذي لا يتوقف عن جهد التفكير وعناء الخلق وقسوة المساءلة وجدية البحث، أن تفكيره يتخلق في مخاض الألم، أليست كل ولادة فكرية إبداعية ألماً، ولكنه الألم الجميل، لأن فيه تحرير الذات والعقل من الأوهام والخرافات ومن ثقافة الغيبيات، لأنه الألم الذي ينضح بالجهد والعناء والتعب في صناعة الذات وتحقيقها، ولكي يصل الإنسان إلى تحقيق ذاته من خلال تفكيره وعقله الحر لا بد وأن يخوض غمار هذا الألم المغروس في جهده وتعبه وعنائه، وكم يصبح هذا الألم جميلاً في أعماقه حينما يدفع به إلى استنطاق معاني الأشياء من حوله، استنطاق خلفياتها وأعماقها وربما حقيقتها الخفية وغموضها، إنه الاستنطاق التفكيري الحر الباعث على التساؤل والمساءلة والبحث والنقد، وكم يصبح هذا الألم جميلاً أيضاً في ذات الإنسان المفكرة حينما يضعه دائماً ألمهُ هذا أمام جمالية الاكتشافات البكر لمعاني الوجود الإنساني في الحياة، ولمعاني الأشياء في داخله ومن حوله، إنه الألم يجده جميلاً كلما كان أقرب إلى ذاته وعقله وتفكيره وتساؤلاته واستنطاقاته واكتشافاته..

 

وأليس المبدعون في مجالات الأدب والفنون بشتى أنواعها يتألمون كثيراً لأنهم يخوضون بأحاسيسهم المتوهجة بفتنة الألق غمار الفضاءات الإبداعية تحت وطأة الاحتراق الذهني والنفسي والشعوري والوجداني، ويخوضونها تحت وطأة التجليات الباهرة التي تتولد من رحم المعاناة والأوجاع والحزن، فالإبداع في أكثر تجلياته دهشةً وألقاً انعكاس لذلك الألم الإنساني المزروع في أعماق المبدعين، حقاً إنه الألم الجميل، لأنه يستنطقهم جمالاً خلاباً يتجلى في دهشة التعبير وفي فتنة اللون وفي وميض الصورة وفي رنين الضوء وفي عذوبة العزف وفي ألق الكتابة .

 

ولا أدري حقيقةً، ربما نجد جمال الألم في جهةٍ أخرى لم أستطع الوصول إليها هنا حتماً، ولكن يبقى البعض منا يرى جمال الألم في لذةٍ ما يبقى يستلذُ بها جنوناً ويظلُّ يستزيد من نبعها الفياض لذةً لا متناهية، كما أخبرني عن ذلك صديق كان يسامرني ذات مساء طفحَ بهذيانه الجميل، وفي هذا بحث آخر..

محمود كرم، كاتب كويتي

tloo1@hotmail.com

 

   

 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط