محمود كرم / Mar 29, 2006

تبدو الحياة في الجانب المرئي منها مسرحاً تحتدم فيه أطياف متنوعة من الرؤى والاتجاهات والممارسات، ولكنها في نهاية المطاف تعكس جملة من أساليب استجلاء الأفكار وطرائق التعامل مع الحياة..

 

وقد ينساق الكثيرون خلف الأوهام والأساطير والتخيلات غير مكترثين بجدوى أحقيتهم في التفكير عن سبل التقصي والبحث والتساؤل..

 

وهناك الكثيرون أيضاً يبقون رهن التواصل الدائم مع الأفكار والأنساق الثقافية المتعددة التي تنتجها طبيعة المماحكة المستمرة مع عالم المتغير بعيداً عن رتابة الثابت..

 

وهناك أيضاً ممن يركنون قسرياً إلى فعل الانشداد الذاتي للقبول بما هو متاح وبما هو سائد ومتعارف عليه، دون مجاهدة النفس لتحريك المياه من مساراتها المعتادة أو فتح قنوات أخرى تزيد من شدة انسيابها وتدفقهـا..

 

وإذا ما استعرنا على سبيل المثال عبارة ميلان كونديرا في إحدى رواياته (الحب هو تلك الرغبة في إيجاد النصف الآخر المفقود من أنفسنا) قد نفهم أن هناك ممن يجيدون احتراف البحث عن الجانب المفقود من النفس بالرغبة الشديدة في تجلي الأشياء من حولهم والتي قد تكون بمثابة المكمل للنصف الآخر من الذات..

 

وإذا نظرنا إلى أولئك الذين يجدون متعة كبيرة في الاستدلال على الأفكار وأعماق الحياة من خلال استثارة الذاكرة المفعمة بمكنوناتها السابقة الموغلة في البعيد والتي تشتمل على جملة من الأحاسيس والتفاعلات والعواطف والأفكار، فإنهم بتلك الاستثارة لمخزونات الذاكرة قد يعثرون على ما يجعلهم يقفون بوضوح أمام ما تتكشف لهم من أفكار جديدة تكون بمثابة الفتح الأكثر انبهاراً لذاكرتهم الراهنة..

 

أما أولئك الذين لا يخشون عن الإفصاح عن أفكارهم وآرائهم ويتحلون بشجاعة المغامرة، وهم يعلمون بأنها صادمة للفكر المتداول ببلاهة السائد، ويجدونها خروجاً عن أنساق المألوف، فإنهم يراهنون على أن ما كان مختلفاً وشاذاً سيقبله الناس ذات يوم، ربما تمثلاً بقول الفيلسوف برتراند راسل:

 

(لا تخش أن تكون شاذاً في آرائك، فكل رأي مقبول اليوم، كان شاذاً يوماً ما).

 

لا أدري قد يكون أولئك الذين يعتمدون على الغريزة الروحية في استنطاق عالم الأفكار يتمتعون براحة نفسية وانسجام يتوحد مع ذواتهم أكثر من غيرهم كما يعتقدون، ربما لأنهم في انشغالهم الفكري على مستوياتهم الذهنية يؤمنون عميقاً عن طريق الغريزة الفطرية الروحية أن باستطاعتهم الوصول إلى حقائق الكون الكبرى كالله مثلاً دون الحاجة إلى وسطاء، وقد يبدو على أساليب حياتهم الإتزان الداخلي لأنهم ليسوا مضطرين للوقوع تحت الاكراهات الأيديولوجية أوالمسبقات الذهنية أوالتحايل على نزوعهم الفطري للحقيقة التي يؤمنون أنهم قد توصلوا إليها من خلاله، ويجدون إنها يجب أن لا تتأثر بما تتبدى لهم من ظواهر الأمور ولذلك عادةً ما يفضلون العزلة والابتعاد قدر الامكان عن الاحتكاك بالناس، ويمقتون النفاق الاجتماعي وبريق الأضواء الكاشفة لأنهم يعتقدون أن مَن يريد أن يحظى بتصفيق الجمهور ويفكر بالجمهور عليه أن يعيش في الكذب بطريقة أو بأخرى..

 

وقد يكمن عذاب الإنسان وخلاصه في تلك المساحة الصغيرة من رأسه، فكثيراً ما أقول ماذا لو إننا تمتعنا بعقل يساعدنا على نحو آخر أكثر إشراقاً في تبني ما يجعلنا نتطلع لخير الإنسان عامةً والتمتع بمباهج الحياة وممارسة المعاني الإنسانية الجميلة الراقية، وفي المقابل لا أعرفُ تحديداً كيف يصبح العقل مصدراً لعذابات لا تنتهي حينما يكون مقيّداً بعراقيله وواقعاً في مطباته ومستسلماً لهناته، ففي هذه الحالة يسير بالإنسان إلى عتمة الحماقات وشرور الويلات..

 

وربما هنا علينا أن نتساءل عن حقيقة خلق نوع ٍ من التناغم التواصلي بين الذات والعقل المسكون بجنوحه الشهي نحو الامتلاء بالأفكار والأحاسيس، وذلك للتعبير الخلاق عن حقيقة انعكاساته الداخلية الوجدانية، وللتعبير عن مجمل تجاربه الإنسانية في الحياة بما يتناسب مع واقع التحولات الزمانية والتغيرات المكانية؛ وقد يكون الإنسان في هذا المسعى أكثر انسجاماً وتصالحاً مع ذاته التي تبحث حثيثاً عن مستويات نقية ورفيعة من الرضى والتوافق والتلاحم العميق مع جوهر الوجدان الإنساني..

 

ولذلك أعتقد أنه كلما كان الإنسان قريباً من تأملاته ومتداخلاً فيها وباحثاً عنها في نفس الوقت، فإنه يكون أكثر قرباً من تلمس المعاني العميقة خلف الأشياء ويكون أكثر استنطاقاً لجوهر الأفكار وقيمها المعرفية وأعمق استجلاءً للمشاعر والرؤى، فالتأمل يحيل التفكير الإنساني إلى مستويات رفيعة من البحث والغور عن الحقائق الكامنة في التصورات ووجودات الأشياء من حوله ومدى توافقها مع سعيه النبيل للكشف عن جماليات الحياة والكون، وليس صحيحاً أن كل بحث في التأملات يقع خارج نطاق الحقيقة الوجودية للذات التي تميل بطريقة أو بأخرى لممارسة وجودها الفعلي الحقيقي في مجالات التصور والتجريب، فكل تأمل باحث عن الحقيقة هو تجسيد عميق لوجود الذات على قيد الممارسة الحقيقية الباعثة للجمال الداخلي في استنطاق عوالم الأفكار من حولها، ولذلك قد نكون بحاجة ماسة لممارسة فعل البحث التأملي الحر الذي لا يتوقف عند سطحية الأشياء، بل ينفذ إلى أعماقها ويتلمس دروبها الغائرة في مسعىً جمالي لاستيلاد مكامنها الجوهرية..

محمود كرم ـ كاتب كويتي ـ tloo1@hotmai.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط