محمود كرم / Jan 03, 2006

هل جربنا مرةً أن نتحدث مع ذواتنا ونصغي لها جيداً؟
ربما الكثيرون لا يعيرون هذا الأمر أية أهمية تذكر ولم يجربوا أن ينصتوا لهمسات الروح ودفقات القلب وتجليات الذات..

وهل هناكَ ثمة متعة حقيقية في الاصغاء للذات أو الغوص في متاهاتها واستجلاء مكنوناتها الداخلية!!؟؟

عالم الذات العميق قوامه الرغبات الدفينة وهي التي قد تتحكم فيه كالحب والإرادة وما تريده الذات وما لا تريده وما تستحب أن تفعله وما تريد أن تتجنبه وما تبحث عنه وما لا تريد أن تبحث عنه؟؟

وتبقى الذات في كل دلالاتها العميقة، وتوجهاتها الواعية، وعبثيتها في اللاوعي ونزعاتها الحالمة، هي المجال المعبر بصورة كاملة عن التفكير الداخلي والصوت الداخلي والتوجسات المخفية والهواجس العلنية، وحتى عن بعض الجوانب المعتمة في زواياها الحادة..

وحينما ينزع الفرد للتمركز المكثف نحو الذات، فإنّه بذلك ربما يتجه نحو استنطاق جماليات العزلة والانفراد وأعماق الأشياء من حوله..

وقد يكون شيئاً رائعاً حينما يريد الإنسان أن ينصت بعمق لصوته الداخلي للتصالح مع ذاته ومع الظروف المحيطة بها ولذلك ربما نفهم ما قصده (وديع سعادة) حينما قال: "أريد أن أتكلم، أن أصنع جسراً من الأصوات يوصلني لنفسي" ..

أعتقد أن هناك فجوة قد تتسع بين الإنسان وذاته إذا أهمل الفرد مسألة الانصات لصوته الداخلي وهو الذات بكل تجلياتها المنطقية وغير المنطقية، ربما ولذلك على ضوء عبارة وديع سعادة، فإن الأمر يستدعي على الدوام أن نصنع جسراً حقيقياً من الأصوات الداخلية العميقة التي تستشف مناطق المجهول في مربعات الذات للوصول إلى أعماقها الكامنة..

وليس من الضروري أن نعرف على وجه اليقين ما الذي تريده الذات منا في بعض الأحيان، وقد يكون لجمها عن السير بنا أينما تشاء خيار لا نملك أدواته على وجه التحديد في كل الأحيان..

وليس ضرورياً أن نعرف بدقة كيف تمارس الذات بعض أشيائها، لأنها ربما لا تملك مبرراً لكل الأشياء التي تمارسها، فهكذا تأتي الذات في بعض الأحيان غامضة متقلبة متكورة نحو داخلها العميق باحثة عن منطقة المجهول غارقة في الربع الخالي من منطقة التفكير..

هل شعرنا يوماً أن الذات قد خذلتنا!!؟؟

ربما تصبح الذات هي الآخر النشاز، وليس الآخر هنا الذات الأخرى، إنما ذات الإنسان نفسه، وهنا قد تخذلنا في الصميم لأنها تبقى عصية على التصالح والانسجام وتبقى متهمة بالتمرد والشرود والعصيان..

وقد لا تخذلنا الذات أبداً لأنها في هذه الحالة توفر امكانيات التصالح ومستلزمات الانسجام وتظل مسكونة بتصيّد الهنات وحالات الضعف التي تنتاب النفس البشرية..

وقد نجد في ذواتنا بديلاً رائعاً عن وحدتنا الاجتماعية وانعزاليتنا الثقافية في الحياة الواقعية لأننا نهرب إليها ونعود إليها حالما نكتشف أن ما نعايشه في الواقع ليس إلا واقعاً افتراضياً ويكمن الواقع الحقيقي في ذواتنا..

وهنا ربما يصح ما توصل إليه الكثيرون من أن الانتماءات كلها وهم،  والحقيقة الكاملة أو المؤقتة على أقل تقدير هي الذات، ذات الإنسان الواقعة في أتون البحث الدائم عن التساؤلات الكثيرة والتي تتجاوز منطق العدائية مع ذات الآخر لمجرد أن الآخر يختلف في الهوية أو العرق أو التراث..

وحينما نجد أن كل ما حولنا قد احترف ارتداء الأقنعة المزيفة تصبح الذات في مقابل كل هذا الزيف هي وحدها التي تمتلك الشفافية والوضوح وتخرج عارية على الملأ إلا من صدقها وصراحتها ونبل أهدافها..

وقد تحمل منظومة الذات بين جنباتها ذواتاً متعددة قد تتقابل أو قد تتقاطع في مفصليات محددة أو قد تنسجم أو قد تتنافر، ولكنها في النهاية هي ذوات لا يمكن لها أن تكون خارج المنظومة الكاملة للذات؛ وبمعنى آخر فهناك الذات المهمومة والسعيدة والذات المهزومة والمنتصرة، وهكذا تحوي الذات كل هذه الذوات المتناقضة في كينونتها ومكوناتها، وهذا المزيج الهائل من المتناقضات في الذات الواحدة قد لا يعني أن الذات مصابة بالشرخ أو إنها تعاني من التشظي والانفلات والتلاشي حد العدم، وربما على العكس تماماً فهذه المتناقضات هي حالات الذات في سياقها الطبيعي وفي انسجامها المتكامل، وهي في نهاية الأمر، أي المتناقضات، تساعد الذات على ترميم ما يتداعى منها وترسخ ما استحوذت عليه من تعزيزات ضرورية لبقائها على قيد التواصل الخلاق مع الحياة..

ويقودنا هذا الكلام إلى الحديث عن الذات الإيجابية التفاعلية المنفتحة التي لا تنحدر إلى التشبث بالماضوية الفكرية وتنزه التراث و تقدس الهوية للدفاع عن وجودها ضد الذات الأخرى والتي عادةً ما تكون موجودة دائماً على الطرف الآخر من العالم ومن الوجود ومن العلاقات ومن التحاور والتعايش..

ولذلك أجد أن الذين يؤمنون بحقيقة أن (الآخر هو أنا)، محقون تماماً في فهم الذات وفهم حيويتها الحضارية والثقافية واستيعاب استحقاقات عصر الحداثة. لذلك لا يلجأون إلى رهن الذات لمفاهيم الانغلاق والتوحش والاستعلاء والاستئصال، بل تتماهى ذواتهم مع ذوات الآخر بعيداً عن انتماءات الهوية والدين والعرق، ويصبح تماهي الذات مع ذات الآخر انفتاحاً فكرياً وثقافياً وحواراً داخل الذات الواحدة، وتداخلاً حيوياً فيما بينهما بقصد الوصول للمشترك الكوني والإنساني ضمن التعددية الذاتية الثقافية إذا جاز لنا التعبير..

محمود كرم ـ كاتب كويتي

tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط