د. أكرم شلغين / Feb 03, 2014

كان أهل الحي يعرفونه باسم أبو سمير ولكننا لم نكن لنعرف الكثير عنه إذ انتقل مؤخراً ليعيش في هذا الحي الشعبي مع زوجته التي ـ وبرغم ما بان عليها من فقر وعوز ـ كانت تبدو مقتنعة بأن الحياة أعطتها ما فيه الكثير، فهي باختصار زوجة أبا سمير..، لم نره يوماً يذهب لعمل ولم نعرف كيف استطاع أن يتدبر أموره... لم يكن لأبي سمير أطفال.. غالباً ما كنت أراه عندما أخرج بعيد العصر وهو يحتضن آلة العود ويجلس على كرسي قش قديم بالقرب من الباب الخارجي ووراءه صحن الدار، مشهد فيه ما يوحي بأن اهتمامه للخارج أكثر من الداخل، أو وكأنه مهتم بأن لا يفوته شيء مما يحصل خارج باب الدار... كان دوما ممسكا بالعود ويلعب عليه، ولكن لم أكن يوماً بالمستطيع تمييز لحن ما يعزفه كما لم أشعر ولو مرة واحدة بشيء من الانجذاب أو الحنين أو الطرب أو الانتعاش الذي ينتابني عادة عندما أستمع للموسيقا؛ وبكل الأحوال، لم أره ولو مرة واحدة مركّزاً مع العود بل كان رأسه يتحرك ذات اليمين وذات الشمال مع القادمين من هذا الاتجاه أو ذاك من الشارع وريشته بين أصابعه تلعب براحتها وعشوائيتها على أوتار العود...  وذات يوم اعتلى صراخ أبو سمير وصيحات هلع زوجته فتسارع الجيران واقتحموا دار الساكن الغريب في الحي وبدلا من أن يخجل أبا سمير بدا وكأنه بالضبط يبتغي تدخّل الجيران أو كأنه يريد أن يخرج ما بصدره... وسرعان ما تحولت صرخاته المهددة بوجه أم سمير إلى مناداة لها لتجلب كراسي للجيران الذين تجمعوا لإخماد نار المشكلة بين الزوجين... وبينما شرعت الزوجة بإخراج بقية كراسي القش إلى الدار سارع الجيران بالانسحاب واحداً بعد الآخر وحاولتُ أن أفعل مثلهم إلا أن أبا سمير أمسكني بيدي مصراً أن أجلس وقال: " والله لتقعد..." جلست وليس لدي ما أبدأ الحديث به لأنني سأكون متطفلا ومتدخلا بشؤون خاصة بين زوج  وزوجة من ناحية وأكثر، من ناحية أخرى، لأنني لم أكن أشعر حينها أن من أراه أمامي ـ وهذه المرة عن قرب ووجها لوجه ـ هو بالضبط من أريد أن أقضي بصحبته بعض الوقت محدثاً أو مصغياً... لكن محاولتي بالانسحاب باءت بالفشل عندما شرع يروي ما دفعه ليتشاجر مع زوجته... قال:

"بنت ستين ألف كلب...يوم أخدتها كانت كلب وقط الي واليوم صارت نمرود...لا بتتعاون معي ولا بتساعدني...أنا لو معي مرة [امرأة] متل العالم والناس كنت غير هيك وما كان حدا شافني هون بهالحارة الوسخة... جبتها من "عين الحلوة"  والدبان آكلها... جبتها الي عون وقلبت علي فرعون...!"

وتابع يتكلم.. مرة رشاً وأخرى دراكاً حتى وصل إلى لب مشكلة اليوم وسألني: أستحلفك بالله أن تقول لي، هل بها صعوبة أن تقول هالبنت الكلب "آه" مع عزفي وغنائي!؟

ظننت لبرهة أن هذا الرجل ربما لايخلو من شيئ وأنه يتكلم مجازياً..! لكنه تابع موضحاً أنه يحضّر لحفلات فنية خارج الحي إذ سيبدأ من الأحياء والقرى القريبة (بـ"الدكوانة" و"بسكنتا") وسيتابع بعدها في بيروت ومن ثم سيصل أكبر العواصم العربية وبعدها سيصبح مشهوراً وسيغني ويعزف في كبرى عواصم العالم.... أما العثرة الوحيدة التي تقف بطريق أبو سمير فسببها زوجته التي لاتجيد الــ"آه"...

أصغيت بدون تعليق وبصمت مطبق وهو يحكي ويرفع صوته ويصرخ ويلوم زوجته... وهو في أوج حماسه حوّل هدفه من السرد إلى البرهان حيث صرخ: "بنت الكلب هاتيلي العود..!" وبامتثال كامل أحضرت زوجته العود قائلة تفضل فأجابها "انقلعي من وجي يا غبية ياخرابة بيوت العامرة"! فاختفت في الداخل...

أمسك أبو سمير بالعود وسحب الريشة المشكولة بين الأوتار وقال لي اسمع! طرق على الاوتار ثم مد رقبته للأعلى وصاح "الأرض بتتكلم عربي الأرض الأرض...الأرض آه" أعاد مقطع أغنية سيد مكاوي ماداً الآه أطول هذه المرة"الأرض بتتكلم عربي الأرض الأرض...آآآآه" وأعاد المقطع مرات ومرات وهو ينظر في عيني... وبعدها توقف ليسألني هل هناك صعوبة في غناء هذه الـ"آه" وبحس وتفاعل فني!؟ بعدها تجرأت على الإجابة عن سؤاله بسؤال "ـ أهذه الآه هي العثرة !؟" ثم تابعت "ـ إن كانت كذلك فقلها بنفسك ودع الـــ"آآه" تخرج من الصميم والقلب!" فقال: هنا التجديد؛ لقد غناها سيد مكاوي بمفرده ولو كان معه صوت نسائي يقول الآه لكانت قنبلة كل المواسم الفنية... وهذه فرصتي وأدرّب هالبنت الكلب على الآه صبحا ومساء ولكنها لاتتعلم.... أكرر لها يوميا والتكرار يعلم الحمار ولكنها لاتتعلم...!! قلت بنفسي يجب أن أنسحب وليس لدي الوقت الكافي لأستمع للمزيد من وجع القلب هذا... ولكن أبو سمير لم يكن ليصمت ولو لدقيقة لأغتنم الفرصة وأهب خارجاً...وأصبحت مع أبو سمير في مشهد يصعب علي وصفه دون الاستخفاف بتفاصيله إذ نحن نجلس بالقرب من بعض ولكن كل منا يسرح بعالمه، إنه يصرخ بينما أنا صامت، بيده آلة موسيقية بينما فمه يفيض بالشتائم التي لاتنضب ولا تخف، أصابني الملل وأريد أن أنسحب بينما تتجدد حيويته وهو يريد أن يتكلم أكثر وأكثر...ووسط  شرودي بعالم آخر كان أبو سمير يتابع في إطلاق موجات من الكلام امتد من فشل الآخرين في إسماعه الآه التي يريدها إلى أسماء دول المنطقة والعالم يقرعني بذكرها (العراق، مصر، سوريا، إسرائيل، أمريكا، انكلترا...) وبينما كان يتابع في العتاب والآه واللوم والأحاديث والمواعظ استفقت فجأة على شرحه لسبب تفوق الإنكليز على العالم فهم برأيه ـ يشربون الشاي بالحليب بعد الظهر وهذا سبب تحضّرهم وذكائهم وتفوقهم واختراعاتهم... أما العالم فيشرب الشاي في الصباح وبدون حليب... عند هذا الحد كان لابد لي من أن أنسحب، توقفت ولكنه قال لي اجلس فلدي الكثير الكثير الذي سأحدثك عنه... قلت له وبلهجة فيها مزيج من الحماس والحزن لكي يصدقني: اسمعني جيداً، أنت هنا في مكان لايقدر قيمتك ومعرفتك.. حرام أن تكون في هذا الحي الصغير.. وحرام أن تكون فقط مجرد وزير عادي أو رئيس وزراء... أنت قليل عليك أن تكون رئيساً لهذه البلاد... يجب أن تقود العالم...لم أعد أحتمل رؤية الرجل المناسب بغير مكانه...!  وأسرعت خارجاً بحركة توحي بأنني سأفعل شيئا.    =============== 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط