سهيل أحمد بهجت / Nov 06, 2010

إن الإنسان يختلف عن سائر المخلوقات في كونه يمتلك صفة لا تمتلكها كل الأحياء وهي "حب الاستطلاع والاستكشاف"، لذلك نجد الحديث النبوي يعطي للعالم صفة خاصة بالقول: "ما زال المرء عالما ما طلب العلم، فإن ظن أنه قد علم فقد جهل"، ولا أظن أن موسوعة أو مؤسسة بحثية كانت لتستطيع حصر طبيعة العلم بعبارات أقل من هذه، فالعلم يرتبط ارتباطا عضويا و حيويا بشغف الإنسان وحبه للاستطلاع، وما محاولات المسيري في الحط من قيم الأدب الحداثي، من خلال نقده الشامل لكل مظاهر الحضارة، إلا محاولة بائسة في جعل الإنسان كائنا حلزونيا قادرا على العيش في قوقعة وبيئة مغلقة عقليا ومنطقيا،  ولو كان الإنسان قادرا أن ينتقي مسيرة تطوره في الوعي والاطلاع لكان مخلوقا من نمط آخر غير هذا الإنسان الذي نعرفه، بل كان له أن يصبح إلها لا يحتاج إلى العلم.

إن الكتب الدينية نفسها، وأولها القرآن، تخبرنا الكثير عن سقوط وانحطاط الإنسان، ولكي يرتقي الإنسان لا بد له من تفكيك ذاته حتى يصبح جزءا من كل الأسئلة التي تطرح على المستوى الفلسفي والاجتماعي وكل مجالات العقل، إن القرآن نفسه يقدم كل أصناف الحيوانات على أنها أمم مماثلة للإنسان {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} الأنعام 38 وعلى العقل الإنساني أن يكتشف المقصد من هذا التماثل، وليس ببعيد أن نرى جزءا من هذا التماثل يتمثل في ثقافة "حقوق الحيوان" التي أصبح الغرب معروفا بها الآن، وهذه النقطة يتجاهلها المسيري كليا.

يواصل المسيري حديثه عن مظاهر تفكك الإنسان في الغرب وتجلّي هذه الفكرة في الأدب والفن الغربيين وأن هذه التفكيكية صارت واضحة بعد نهاية القرن 19 وأن شخصيات الروايات الغربية التي تعيش في عزلة كاملة بين عناصر مجردة متصارعة لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيها، أو تواجه ألغازا لا حلّ لها، أو عالما عبثيا لا معنى له، وغيرها من التعابير التي يريد منا المسيري أن نتعامل معها كما يتعامل الطفل مع قصص الغيلان ـ وقد كنا نفعل ذلك ونحن صغار ـ فنبقى على خوف دائم من أن تداهمنا "العلمانية = الغول" بكل ما فيها من "بشاعة المادية" وبالتالي تلتهمنا وتحطم هويتنا المزعومة، كما تفعل الغيلان مع عظام الضحايا، فهدف كل هذا البحث ليس الوصول إلى نتيجة علمية وإنما إثارة الخوف والهلع لا أكثر، إن الأسئلة التي تطرح في الثقافة الغربية الآن كانت تطرح في المجالس الثقافية في العالم الإسلامي خلال قرون التعدد الفكري الممتدة من القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي إلى القرن السادس الهجري / الثاني عشر ميلادي، ولو لا أن السلطة وجدت بين المفكرين أناسا من أمثال أبي الحسن الأشعري والغزالي، لما وصلنا في التخلف الآن إلى حد أن أن نتداول النظرية المسيرية التي تناقض العقل والمنطق والواقع.

وإذا كان المسيري وجد ضالته مقال كتبه خوسيه أورتيجا بي جاسيت (1883 ـ 1955) ((تجريد الفن من الخصائص الإنسانية))، الذي يرى أن الفن الغربي (حتى القرن 19) كان يتعامل مع الواقع المعيش، ولذا كان الفن ممتلئا بمضمونه الإنساني، وكانت الأفكار الفنية تشير إلى أشياء في عالم الإنسان والطبيعة، أما في القرن العشرين، فإن الفن تم تفريغه من مضمونه الإنساني و أصبح فنا غير إنساني..".

إن الفن الغربي لم يفقد إنسانيته كما يُزعم هنا، ولاحظ معي أن كاتب المقال الذي نقل عنه المسيري توفي في منتصف القرن العشرين ونحن الآن في الألفية الثالثة، طبيعي أن يحن كاتب المقال، وهو ليس استثناءا في النوع البشري، إلى بيئة القرن 19 ويراها أكثر إنسانية، ويكفي دليلا على أن مستوى الفن الإنساني في الغرب في رقي مستمر هو أن لوحات الرسام "فان كوخ" هي الأغلى سعرا في كل أسواق العالم، بالمقابل، لماذا سكت المسيري عن القبح الذي نعيشه في عالمنا الإسلامي والعربي؟ ففي بلداننا هذه لا نناقش أو نتحاور حول ماهية الفن، هل إنساني أم مادي؟ لأن الفن "محرم" أصلا، والرسامون كلّهم "في جهنم" لأنهم يحاولون أن ينازعوا الله على الخلق!! أليس هذا العقل الخرافي المغرور والمتخلف أولى بالنقد والنقاش؟ أظن أن المسيري ومن هم على شاكلته لا يرون بأسا بهذا العقل الخرافي لأنه ببساطة "ذو مرجعية إلهية متجاوزة"!! وبالتالي تنطبق عليهم المقولة الفلسفية "العمى خير من رؤية حؤلاء"، لكن الحقيقة هي أن الحول أفضل من العمى في كل الأحوال، لأن الأحول لو أغمض إحدى عينيه لرأى الواقع كما هو، أما الأعمى فهو أعمى سواء فتح عينيه أم أبقاهما مغمضتين.

وينتقل بنا المسيري إلى مصطلح آخر هو Decenter (إزاحة الإنسان عن المركز)، وكما ناقشنا الكلمة السابقة Dehumanization فإن وجود كلمة أو مصطلح بعينه في أي لغة لا يعني تعبيرا عن تحولها إلى منهج، فقد بحثت في الموسوعة الاجتماعية Encyclopedia of Sociology فلم أجد لهذه الكلمة استعمالا يُذكر، وإذا كان المسيري سيبقى هو وأمثاله يتعاملون مع المنتج الحضاري الغربي بعقلية "المتلقي" والذي يقوم فقط بـ"رد الفعل" Reaction فإن النتيجة الطبيعية هي أن لا يتم استيعاب المصطلح و هضمه و تجريده لصبح في الموقع الصحيح للنقد، على العكس، نجد المسيري ينتقي الكلمة انتقاءا ومن ثم يقوم بحياكة نظرياته حول الكلمة، لقد مرّ العلم، كالدين، بنوع من الصراع بين ما هو علم واقعي نسبي وما هو علم مزيف pseudoscientific وكان هذا الصراع سببا في ظهور الصراع المعروف بين الفاشية والنازية مقابل الإنسانية الديمقراطية، ومن هنا نجد أن نقد الأساليب الفنية لا يمكن أن يتم بالمنطق المتعارف عليه، وقد رأينا كيف أن الدين تسبب في عالمنا الإسلامي بقتل الإبداع سواء الموسيقى أو الفنون البصرية، بل أن استخدام أدوات الحضارة نفسها أصبح من المروق عن الدين والارتداد عن منهج "الأسلاف".

فإزاحة الإنسان من المركز لا تعني قطعا أن الإنسان فقد قيمة وجوده، وإنما تعني أن الإنسان لا يمكن أن يكون بالمطلق حاكما على الوجود بحيث صبح أشبه بالإله المطلق، فقد رأينا النص الدّيني كيف ساوى بين الإنسان وسائر المخلوقات، فهل يعني هذا النص الديني المقدس أنه حول الإنسان إلى نوع من قائمة أنواع الحيوانات؟ وبالتالي يفقد الإنسان ذاته كإنسان، أم أن ذلك يدخل في ضمن توعية الإنسان بإدراك نفسه كموجود وكمسئول عن خلق الأفضل والأجمل على هذه الأرض؟ إن الملاحظ في الفن الغربي، وهو الذي يمل من الركود والتقليد كسائر مجالات الحياة، أنه يحاول على الدوام أن يحول الفن، كأي أداة إنسانية أخرى، إلى وسيلة لاستكشاف خفايا الشخصية الإنسانية واستخدام الألوان والمساقط الضوئية بحيث يتم من خلالها اكتشاف انطباعات الإنسان من خلال رؤيته لأي عمل في، وبالتالي نجد أن كلمات أخرى كـ Humanistic و Depersonalize و Desanctify و Desacralize و Demetaphsycalize والتي استخدمها المسيري في تفكيك الفكر الغربي (بهذا المنطق جعل المسيري العلمانية تعبيرا كليا عن الغرب) لا تعدو كونها أدواة تجريبية لتفكيك لغز كبير اسمه الإنسان.


www.sohel-writer.i8.com
www.sohelahmedbahjat.blogspot.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط