سهيل أحمد بهجت / May 05, 2010

يبدأ المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري في نقد العلمانيين فيما يسميه (العالم العربي)، إذ يقول في الكتاب الذي ألفه مناصفة مع الدكتور عزيز العظمة:

"ومن الواضح أن هذه الصفات كلها لها علاقة بالجوانب النهائية لحياة الإنسان، وتحاول أن تقدم إجابة كلّيّة، وهي أيضا تلمح إلى أن الفلسفة التي ترتكز إليها العلمانية هي الفلسفة المادية. النمط نفسه (العلمانية باعتبارها إجراء جزئيا لا علاقة له بالأمور النهائية، في مقابل العلمانية باعتبارها رؤية شاملة للكون، والتأرجح بينهما أحيانا) نجده في الكتابات العربية.." العلمانية تحت المجهر ـ ص 63

ومن ثم يورد تعريف الدكتور محمد أحمد خلف الله للعلمانية بأنها: "حركة فصل السلطة السياسية والتنفيذية، عن السلطة الدّينية، وليست فصل الدين عن الدولة، ولا تمنع حركة الفصل هذه من أن تعمل السلطتان جنبا إلى جنب في الحياة، إن الواحدة منهما لن تحل محل الأخرى أو تلغيها، وإنما تعمل حرة مستقلة من غير أن تتأثر بالأخرى أو تؤثر فيها". ونحن نتفق مع المسيري هنا في أن هذا التعريف غير قابل للتصور في أن نخبة الحكم تستطيع تسيير أمور الدولة وهي لا تؤمن بما يؤمن به الشعب، ولكننا نعترض أيضا في اعتبار أن للدّين "سلطة" لأن السلطة بحد ذاتها تعني هيمنة ونفوذا وهو ما يتناقض مع النظام العلماني الذي يمنح كل السلطات للدولة بينما الدين يتساوى مع قرائنه الفكرية والاجتماعية، وهنا فإن من غير الواقعي خلق مؤسسة في أي دولة إسلامية تشبه مؤسسات "الفاتيكان" لأن لا وجود لمعصوم الآن لا في المذهب السّنّي ولا الشّيعي، ويبدو لي أن خلف الله هنا يجامل الحالة المصرية في وجود سلطات الأزهر إلى جانب الحكومة، يبقى أن نفسر كلمة سلطة ـ فيما يتعلق بالدّين ـ بالجوانب الخيرية والاجتماعية ومؤسسات الإحسان التي تقوم على "التبرع الاختياري التطوعي"، ففي هذا المجال تمتلك المؤسسة الدّينية الحرية الكاملة وهو ما نشاهده واقعا في الولايات المتحدة وبريطانيا على سبيل المثال.

من ثم ينتقل بنا الدكتور عبد الوهاب المسيري إلى رأي المفكر حسين أمين الذي يعرّف العلمانية بأنها: "محاولة في سبيل الاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة، وعن المسلمات الغيبية"، ويعلق المسيري على هذا التعريف بالقول: وهو ما يعني القبول بدور المسلمات الغيبية في بعض المجالات الأخرى" ـ العلمانية تحت المجهر ص 64

إن هذا التعريف ـ المحصور في الجانب النظري دون التطبيقي ـ لا يقدم كثيرا للمجتمعات، كما أنه مجتزأ ومبتور وقابل للتأويل حتى بما يناقض العلمانية نفسها ـ كنظام لتحييد الدولة و الحرية ـ ومن ثم ينتقل المسيري إلى تعريف المفكر وحيد عبد المجيد فيقول:

ويذهب وحيد عبد المجيد إلى أن العلمانية (في الغرب) ليست أيديولوجية أو نظاما فكريا، وإنما مجرد موقف جزئي يتعلق بالمجالات غير المرتبطة بالشؤون الدّينية (غير النهائية)، ويُميّز الدكتور وحيد عبد المجيد بين "اللا دينية" و"العلمانية"، فهو يرى أن الصراع بين الملوك والسلطة البابوية، وظهور العلم التجريبي المنفصل عن الدين، وسيادة مفهوم سلطان العقل، هي التي أدت إلى ظهور العلمانية اللا دينية. ولكن بعد الثورة الفرنسية نحت العلمانية الغربية منحى وسطيا يختلف بوضوح عن الاتجاه اللا ديني ويدافع عن التّسامح الدّيني، ولا تقوم العلمانية بهذل المعنى المعاصر على الفصل بين الدين والدولة كما هو شائع لدينا، وإنما على الفصل بين الكنيسة ونظام الحكم، كما لا تقيد دور الدين في المجتمع، لأنه مجتمع حر أساسه المؤسسات الخاصة، وتتمتع فيه الكنائس والمؤسسات الدّينية بإمكانات واسعة، ولذلك ظلت المسيحية نشيطة في كل الدول العلمانية، وتمارس أنشطتها الداخلية والخارجية بلا قيود ولا يتعارض ذلك مع حرية العقل، التي هي من نتاج رسوخ الديمقراطية قبل كل شي." ـ العلمانية تحت المجهر ص 64 ـ 65

ويرى المسيري أن كل هذا لا يتعدى (العلمانية الجزئية) وبالتالي لا ترقى إلى نقد (العلمانية الشاملة) كما يصطلح هو عليه، وهذه نظرة قاصرة بلا شك، فالعلمانية هنا كنظام للحكم هي غير "الإلحادية الفلسفية" فالدولة القائمة على التبرير الديني انتهت إلى الدكتاتورية عبر إضفاء فكرة الإله أو "الله" على فكرة معيّنة لتشمل كل مجالات الحكم وبالمقابل انتهت الفلسفة "المادية الإلحادية" إلى إضفاء فكرة الله على المادة لتتحول إلى دين جديد يعادي "الدين القديم"، من هنا فالمسيري لا يفهم أو يتجاهل أن الفلسفات المادية التي تتحكم في بعض المجتمعات هي جزء من حرية التفكير وحرية استخدام العقل، بالتالي يطرح السؤال: كيف نبني دولة "علمانية" تتدخل في قناعات الناس الشخصية ؟ بينما الإسلام نفسه يؤكد على أن "الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل" والقناعة لا تنتج عن الإكراه بالتأكيد ولكن تنتج عن الحرية.

والمسيري نفسه يعترف أن هذه العلمانية تسمح بوجود حيز غير علماني ـ وهذه مغالطة سنتكلم عنها ـ (مطلق ـ كلي ـ نهائي ـ غائي ـ غير مادي) يسمح بانفصال الإنسان عن الطبيعة وبإمكانية تجاوزه لها، ويترك مجالا واسعا للمطلقات (الإنسانية والأخلاقية والدينية)، ولفكرة الجوهر والكليات ـ حسب تعبير المسيري ـ من هنا يعقب المسيري على تعريف فؤاد زكريا للعلمانية بأنها "الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة" بالقول:

"ولكنه يلزم الصمت الكامل بخصوص مجالات الحياة الأخرى (الإقتصاد ـ الأدب ـ الجنس... إلخ)، ثم نجده في كتيبه المهم (في النموذج الأمريكي) يصف المجتمع الأمريكي بأنه "مجتمع مادي" بل من "أكثر المجتمعات مادية في عالمنا المعاصر" التي تعرف الإنسان باعتباره كائنا لا يعمل إلا من أجل المزيد من المال، ومن الأرباح، ومن المستوى المادي المرتفع. ويرفض فؤاد زكريا هذه المادية العدمية التي تؤدي بالإنسان، ويضع مقابلها "القيم الإنسانية والمعنوية"، ثم يطرح رؤية للإنسان مختلفة عن الرؤية المادية التي تهيمن على المجتمع الأمريكي، فما يحرك الإنسان ـ حسب هذه الرؤية الإنسانية ـ ((ليست الماديات وحدها... لأن في الإنسان قوى تعلو على السعي المباشر إلى الكسب و الاقتناء))، أي تعلو على المادية، وفي تصوري أن هذه الثنائية هي التي تجعل من الإنسان إنسانا." ـ المصدر السابق ص 66

إن الانتقال العشوائي من حيز الدولة إلى الفرد ومن ثم وسم مجتمعات كاملة بصفة معينة، كاتهام الأمريكيين بالمادية أو العكس، يعد إضرارا حقيقيا بعملية النقد والانتقائية هي نوع من تعميم "الجزئي" على الكلي، وبالتالي نجد المسيري في تلك النقطة التي نقلها عن فؤاد زكريا ولاقت ترحيبا لديه فراح يعمم في أسلوب يستغبي القارئ الذكي، فالمعروف عن المجتمع الأمريكي أيضا أنه أحد أكثر المجتمعات إحسانا وعملا خيريا ومن حيث التبرع للمعوزين، وإن كان الأمريكي "ماديا"!! فلماذا نجد أبناء "المجتمعات التراحمية والروحية"!! تحلم بالعيش في أمريكا بينما لا تجد أمريكيا واحدا يفضل الجنسية الإيرانية أو السعودية أو أي جنسية "روحية" أخرى على انتمائه الأمريكي، إذا فالمسألة الروحية سهلة وفي متناول اليد لأن التعبد وأداء الفرائض الدينية هي مسألة "قلب" و"عقل" وهو ما يتوفر لدى كل إنسان عاقل، لكن المشكلة لدى عبد الوهاب المسيري وفؤاد زكريا وحسن حنفي وفهمي هويدي وجلال أمين وغيرهم، هو أنهم لا يملكون تعريفا لماهية الإنسان، وسنرى كيف أن المسيري سيعتبر كل المنتج الحضاري الحديث ـ بما في ذلك الساعة والطعام والملبس ـ نتاجا "علمانيا ـ مؤامرة مسيحية يهودية"!! ليبقى الإنسان المثالي "العاري عن أي إضافة" وليترك القارئ مستغرقا في البحث عن "الإنسان الملاك" المستحيل الوجود ـ خصوصا وأن الإسلام أعلن نهاية عصر الوحي ـ فهو ينتقد كل المنجز البشري، وكما قالت الكاتبة ميرا جميل ديمتريوس فإن المخترعات والاكتشافات لا تتسم بكونها "بريطانية" أو "أمريكية" أو "عراقية" لأنها بمجرد أن تستخدم تصبح ملكا للبشرية أجمع.

وهنا نجد أن المسيري وغيره من النقاد حينما ينطلقون من العلمانية كــإجراء سياسي إلى نقد مظاهر الحياة المرفهة ومن خلالها إلى المادية الإلحادية (الدين بلا إله كما أحبذ أن أصفها)، يخلطون بين أكثر من مجال قابل للنقد الموضوعي المستقل، فالدين نفسه يتجسد من خلال عمل "مادّي" مثل الصلاة والصيام والزكاة والصدقات والمساجد والحسينيات والكنائس والحج وغيرها، وإذا كان الدين نفسه ـ بالأخص الإسلام ـ قد مزج الروح بالمادة فهو تأكيد على أن هذا العالم يقاس من خلال المادة، والإنسان البدائي كان يبحث عن الطعام و المأوى والنار قبل أن يستقر ويبدأ بالبحث عن ماهية خالقه، إن الإنسان مزيج عجيب ومذهل من المعنويات الدّينيّة والقيمية والماديات من شهوات ورغبات ومصالح، فالفقير الجائع أو المريض أو المشرد "كلها معاناة مادية" ينتظر من الدولة والأغنياء والأثرياء إشباع جوعته وشفاء مرضه وإسكانه، وكلها حلول "مادية = خيرية" تعادل العبادات وأكثر، إذا فأين ذهبت الروحانيات من كل هذه العلاقة الوثيقة بين الدين والمادة؟ إن الواقع يقول أن لا انفكاك بين الدين والمادة، وأي تجاهل لهذه الحقيقة ـ أن الإنسان هو غاية الدين نفسه لا العكس ـ سيعني إعادة الدين إلى عالم الخرافة الذي يفكك الإنسان فيفصل الروح عن الجسد.

Email: sohel_writer72@yahoo.com

 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط