محمود كرم / Jun 01, 2006

ربما لا يختلف اثنان حول أن ممارسة التفكير فعلٌ قاسٍ بالنسبة للإنسان والأقسى أن يبقى على قيد التفكير، والأكثر قسوة أن لا يتوقف عن هذه الانشغالية الذهنية أبداً، وفي الوقت نفسه ليس سهلاً على الإنسان أن يمتنع عن التفكير، وربما في جانب آخر، التفكير له علاقة مباشرة ومتداخلة ووثيقة مع الفعل الوجودي للكائن البشري، إذا آمنا بمقولة الفيلسوف ديكارت (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، بينما في نفس هذا الاتجاه نجد أن المفكر علي حرب قد ذهبَ أبعد من ذلك وصاغ عبارة ديكارت الشهيرة تلك من خلال رؤية ثانية أكثر عمقاً في تحول الإنسان من فعل التفكير إلى فعل الخلق حينما قال في إحدى مقابلاته: (أنا أخلق إذن أنا موجود)، بمعنى أنه من غير الخلق، خلق أنماطاً حياتية قابلة للتماهي الفعلي مع تحولات العصر والأزمنة فإنه لا معنى للتفكير ولا يمكن بالتالي أن نتجاوز منطق اليقينيات السابقة، ومن غير الخلق تنعدم فينا آلية تكوين علاقة كاملة وفاعلة مع الحقيقة وتصبح علاقتنا معها علاقة صنمية ويقيناً مستبداً وانكفاء إلى الوراء وتقوقعاً فيه؛ هكذا طبعاً أستطيع أن أفهم مقولة علي حرب..

لذلك أقول أن التفكير وما يتبعه من خلق وتطور وتجدد وتحول أمرٌ في غاية القسوة على النفس البشرية المائلة بطبيعتها إلى الركون للبديهيات واليقينيات ومنطق التفسيرات الغيبية، ولكن في مقابل ذلك لا نستطيع أن ننكر كل المحاولات الجادة التي قامت على اجتراح هذه المسلكية في الاقتحام التفكيري التخلقي من قِبل الفلاسفة والمفكرين على امتداد التاريخ رغم ما لقوه من إرهاب فكري، تمثل في استبداد الأنظمة القامعة للفكر الحر وتمثل أيضاً في المؤسسات الدينية الكهنوتية الرافضة للفكر التغييري المنعتق من أسر الأحكام المطلقة والمفاهيم التراثية الجامدة، وعلينا أن نعترف أن إنسان هذا اليوم أخذ في التحول إلى الاعتماد على مقومات التفكير لاستيعاب ماهية علاقته مع الأشياء من حوله وكذلك قدرته على استحضار ذاكرة التاريخ الإنساني الصانعة للحضارات البشرية المتعاقبة لايجاد التقاطعات التي تلاقت عندها تلك الحضارات والثقافات للمساهمة في انتاجها واستثمارها من جديد، وكذلك توجه إنسان هذا اليوم للتفاعل الجدي مع حركة الثقافة الكونية والتواصلية المثمرة مع عالم الأفكار التي أخذت أبعاداً كونية لا محدودة، ولا شك في أن السعي نحو خلق عالم يسعى نحو التكامل ومعزز بالمكتسبات الإنسانية الخلاقة، أمر جدير بالتقدير ويعتبر فتحاً رائعاً في مجالات بناء الفكر والثقافة. غير أن الأكثر جدارة حينما يملك هذا العالم القدرة الذاتية على خلق نفسه مجدداً والتواصل حثيثاً مع مستجداته الفكرية والثقافية، ولذلك تبقى مغامرة التفكير الحر الصانعة للخلق والابتكار من العدم اختبار حقيقي أمام أولئك الذين يسعون دائماً لخلق عالمهم الذي يتكامل ذاتياً ومعتمداً على نفسه من خلال متابعة التجارب المولّدة له..

ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تتدفق الأفكار تباعاً وتتخلق في رؤى معينة ومن الصعوبة بمكان السيطرة عليها، ولكن في الوقت نفسه من الصعوبة أيضاً أن يتوقف الإنسان عن الانشغال بعملية التفكير ذاتها من حيث إنها تعني التقليب والبحث والتأمل العميق وتجاوز اليقينيات، وقد يخضع التفكير في بعض الأحيان لبعض ما قد يأتي من خلال المساحات التي تتشكل في منطقة اللاوعي أو حتى ربما اللامعقول، لأن طبيعة الحياة بكل ما فيها من صخب وحركة دائبة ولذةٍ كبيرة في الاكتشافات البِكر، بمثابة حلبة من الدراما التعاقبية والتحولية والتصاعدية يدخلها الفرد مدفوعاً بالاستثارات التفكيرية والذهنية..

وقد نتساءل : بما أن التفكير هو أداة الإنسان الرئيسية في التواصل الحقيقي مع الحياة ويتمثل في الممارسة الانتاجية الخالقة والصانعة، فلماذا إذن نجده في بعض الأحيان ينزع نحو انتاج الدمار والتخريب والتصدعات بين البشر، أعتقد أنه من البديهي أن يحدث ذلك لأن الأصل في الإنسان أنه مسكون بالرغبات التسلطية الدفينة وبالأهواء والأطماع وهوس التحكم، وفي مقابل ذلك فإن سعيه للوصول إلى هدف التكامل العقلي الذي ينتج الحياة المثالية أو (الفاضلة) مسألة قد تكون مستحيلة في أكثر من اتجاه، وقد شهدت على ذلك بشكل ظاهري مسارات التاريخ الإنساني المليء بالعنف والحروب والدمار والصراعات الطويلة وإلى الآن نجد أن بعض أنظمة الحياة خاضعة لهذه الممارسات العدوانية والتخريبية والتسلطية، لذلك كان تاريخ الإنسان القديم والحديث يجسّد هذه الثنائية التي ينتجها عقله، وقد تلابست هذه الثنائية في مراحل كثيرة من تاريخه، ففي حين أن العقل الإنساني المفكر ينتج التطور والتجدد ويجترح أنماطاً مذهلة في الخلق والصناعة والبناء، إلا أنه في الوقت ذاته ينتج الدمار والإرهاب وينزع للحروب والقتل والتسلط..

ولذلك فإن العقل التفكيري لا يصل إلى مستويات النبل الإنساني في الأفعال والممارسات المنتج لها من مجرد ذاته أو من خلال طبيعته الهشة القابلة للتصدع والميالة للأهواء والرغبات المصلحية، إنما يبلغ الإنسان هدفه في التكامل والرشد العقلي والنبل وانتاج قيم الأنسنة الأخلاقية من خلال فهمه لتداعيات تفكيره وأنساقه المتعددة، الفهم الذي يجعله أن يشعر أن في ذكائه وتفكيره قد يكمن مصدر هلاكه ومهوى دماره، ومن هنا قد تبرز أهمية أن نملك القدرة الذاتية على اعتماد سبل التقييم الموضوعي لذواتنا وأنفسنا ونتخلى بالتالي عن الأوهام التي من خلالها دائماً نعتقد إننا أفضل الخلق من بين الكائنات الأخرى، وإننا نملك السيادة المطلقة على أنفسنا وتفكيرنا ومصيرنا ومصائر الآخرين، وفي جانب آخر من هذا الاتجاه، بما أن التفكير فعل قاس وممارسة وجودية تتكامل، فإنه من الأجدر أن نضبط إيقاعاته التفاعلية والانتاجية من خلال تمرسه في الانخراط بالتمرين الجاد الفعلي، وعبر تكثيفه بالعلم والجهد والمتابعة والرصد وتحسس تحولاته الدائمة والاهتمام ببنائه متساوقاً مع منظومة القيم الإنسانية..

وربما علينا أن نتساءل هل التفكير بمعناه الانتاجي والتخلقي ضرورة لمَن يريد أن يُفعّل وجوده وسط هذا العالم الذي يضطرم بالتحولات والمتغيرات والانشغالات المعرفية في أكثر من حقل واتجاه ومستوى، ولستُ أبالغ إذا قلتُ إننا في عالمنا الإسلامي نفتقد إلى هذه الفرادة في اجتراح طرائق التفكير الانتاجي والتفاعلي، لأننا ما زلنا منشغلين بحراسة منقولاتنا التراثية ومفاهيمنا الماضوية والدفاع المستميت عن ثوابتنا الثقافية وضمان عدم التقرب منها بالنقد والبحث، ومحاولة تركيب كل ذلك قسراً على واقع اليوم الذي ليس مضطراً في كل الأحوال أن ينتظر ما تفسر عنه محاولاتنا ( التجديدية) في حقول المعرفة والفكر والثقافة، لأننا ببساطة شديدة ما نزال نعتقد أن ما توصل إليه الغرب والعالم المتطور في اعتلاء منصة الرقي والتقدم إنما هو نتيجة لاستفادتهم من جهود أسلافنا السابقة، وهذا قول ينطوي على سذاجة كبيرة، ويعكس حالات النرجسية الثقافية التي تتمثل بها الشخصية الإسلامية والعربية وتتجسّد في تبخيسها المتعمد لجهود الآخرين والتقليل من قدرتهم الذاتية على الابداع المستمر في مجهودات الخلق والتطور والتحول..

وكلما كان الفرد مؤمناً بضرورة انشاء شبكة من التواصلات الثقافية والفلسفية والتحاورية، كلما كان واعياً لحركته في تطور الزمن وتغير المكان، وهذا ما يمنحه انطلاقاً فعلياً في ممارسة عملية التفكير متجاذباً مع كل ما له علاقة منطقية بشبكته التواصلية، وعليهِ نستطيع أن نفهم أن العقل التفكيري يتأسس على قاعدة النظرة العميقة للحراك العلمي والفكري الذي تزخر به شتى المدارس الفكرية، ويتأسس على التمازج الواعي العميق مع الأشياء وتجاوز النظرة السطحية لها، ولذلك لم يكن مستغرباً أن نجد في العصور الوسطى من تاريخ الإنسان كيف كان الفلاسفة الإغريق على وجه الخصوص قد اعتمدوا على الانطلاق من هذه الرؤية التفكيرية لاستنطاق الأفكار وبناء التصورات وخلق الصياغات المعرفية لحقائق الحياة والكون والنفس البشرية، متجاوزين منطق الغيبيات وهيمنة الأساطير، محلقين في فضاءات تتخلق بالوعي المرتكز على الاستنتاج المعرفي وأدوات التفكير العقلية..

ويذهب العقل التفكيري الباعث لفعل الخلق إلى استدعاء تراكمات التجربة العلمية والعملية في المجالات المقترحة للتداول الثقافي، وعادةً ما تكون التجربة عاكسة لنظرية فكرية ما، ولا يمكن بطبيعة الحال تبني النظرية في المطلق لمجرد إنها لم تتعارض في إحدى مكوناتها الانتاجية مع التجربة الميدانية، لأن أمام أية نظرية فسحات شاسعة من الاختبارات الكثيرة والعديدة، ولذلك لا يمكن اعتماد صحتها بالمطلق فقد تكون صالحة لظرف معين ووقت محدد، ومن هذه الانطلاقة يبقى التفكير كفعل يمارس الخلق والتجدد يجترح خلق النظريات ولا يدعي في الوقت نفسه صلاحيتها بالمطلق، بل يتبناها كتجارب متعاقبة، ربما تكون صالحة في وقت ما وقد لا تكون صالحة في وقت لاحق، ولذلك فإن التفكير الإنساني بما أنه مرهون بقيد التجربة العملية فإنه أيضاً يتخلق عبر التجربة ذاتها، المكثفة بالوقائع المشهدية المرئية الطامحة للتطابق مع الواقع، ويسعى إلى استدعائها في كل مرحلة تفكيرية كواحدة من الشواهد على مدى صدقيتها في المواءمة الفعلية مع تغيرات الأزمنة والأمكنة..

ويحضرني في هذا المجال قول بليغ للفيلسوف برتراند راسل يأخذنا إلى جانب آخر من هذا الموضوع حيث يقول: (من الواضح أن التفكير ليس حراً إذا كانت الأعراف تمنع بعض الأفكار أن تمنح الحياة) فإذا كانت الأفكار لا تتخلق إلا من خلال أن تجد طريقها للحياة، لأنها في النهاية نتاج فعلي لممارسة التفكير الحر الساعي للخلق والتطور والتجدد، فعليهِ نحن أمام تحدٍ كبير يتمثل في مدى قدرة الأعراف على اخماد شعلة التفكير فينا، أو مدى قدرتنا على تجاوز تلك الأعراف بشتى أساليبها القاتلة لروح الابداع وروح التمرد على السائد، لتوفير مناخات الحرية للتفكير الإنساني المبني على فعل الخلق.

محمود كرم، كاتب كويتي

tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط