محمود كرم / Apr 02, 2011

إذا ما اتفقنا مع نظرة عالم الإجتماع الأمريكي رالف لينتون، عن الثقافة كونها تعكس في جوانبها المتعددة الطريقة التي يكون عليها أي مجتمع، فالثقافة حسب تعريفه تعني طريقة أي مجتمع في العيش والحياة..

 

قد يعني هذا التعريف أن الثقافة لا تقتصر على جملة من المعرفيات أو المفاهيم التي يتم تداولها، بل هي نمط معين من السلوك وأسلوب يتبلور في مسلكيات معينة ويندرج تحت أنماط حياتية، وربما هذا الأمر يعني أن الثقافة تتحول تدريجياً وبشكل مطرد إلى موروث اجتماعي وسياسي، وقد يُمنح هذا الموروث صفة القداسة المطلقة في بعض المجتمعات..

 

ونظرة فاحصة إلى واقع الثقافات في مجتمعاتنا نجدها في نهاية الأمر تعكس جملة من التراثيات والموروثات التي تعاقب المجتمع على الاحتفاظ بها والتمسك بمكوناتها، وعادةً ما تتبلور في أنماط مجتمعية تتخذ واقعاً يتشكل في الفهم والسلوك وطرائق الحياة، وتصبح بالتالي الأساس الذي من خلالها تحدد هذه المجتمعات حدود علاقتها مع الآخر المختلف..

 

ولذلك تنشأ في مجتمعاتنا ظواهر ثقافية عدة تعود في مرجعيتها بشكل عام إلى العادات والتقاليد والموروث الاجتماعي والسياسي، وعادةً ما تكون بعيدة عن الاستنطاق الحقيقي لتحولات الأزمنة وتغيرات الأمكنة، وتبقى هذه الظواهر الثقافية تجتر أسباب وجودها في الواقع المعاصر من الماضويات التي تأسست من خلالها، ويبقى المجتمع أسيراً لمفاهيمها الشفهية والتلقينية،  ومرهوناً بالكامل لكل ما اعتاد عليه من دون الإحساس بالحاجة إلى محاولة فهمها من جديد أو محاولة نقدها أوالقفز عليها أو حتى المقاربة الفعلية لعوالم الثقافات الأخرى..

 

وأعتقد أنه حينما تتمكن جملة من الثقافات المتوارثة في الأنماط الحياتية المتعددة، والمتوارثة أيضاً بشكل أساسي في المخيال المجتمعي والديني في تحويل الفرد إلى مجرد متلقٍ لها ولظواهرها العديدة تموت فيه حاسة الابداع والتغيير، ويتحول الفرد إلى مجرد منفذ لكل ما تنضح به تلك الثقافات من ظواهر ومسلكيات ومشغولات فكرية، لأن الثقافة المجتمعية القائمة على تبني الفعل الوراثي والماضوي والمفاهيم الدارجة السائدة لا تمنح الفرد مسئولية الخروج على تلك المسلكيات الثقافية وتمنعه من النقد والتفكير، وتقتل فيه حواس الفهم الذاتي ومحاولات التجديد..

 

الثقافة في أحد أهم مساراتها وحراكها المعرفي هي محاولة قائمة على اجتراح سبل الفعل التغييري باستمرار، وقائمة على الاقتحامات الشجاعة والواعية لانغلاقات وانسدادات الفهم الوراثي، لأنها في مثل هذه الحالات تكون الثقافة في حراكها التفاعلي عاكسة فعلية للإرادة الحرة المستقلة، وليست عاكسة لمكونات الفعل الخارجي الذي يفرض هيمنته بفعل الظواهر المجتمعية أو بفعل المفاهيم المتوارثة والمعرفيات السائدة، أو بفعل القداسات الدينية التي لا يجب تجاوزها ونقدها والبحث فيها..

 

وتذهب الثقافات ذات المكونات المشبعة بظواهر الميراث الماضوي والفهم الانغلاقي والنمط الاجتماعي السائد المتعاقب في المخيال والفهم المجتمعي إلى اخضاع الفرد لجملة من التأثيرات الإيحائية النابعة من الهيمنة الخارجية التي تصادر حق الإنسان في فهم كل ما حوله كما يريد هو وعبر إرادته الحرة المستبصرة، وليس كما يريد له الآخرون، لأن فهم الواقع وادراكه بإرادة حرة مستقلة وواعية من دون الخضوع للتأثيرات الإيحائية الخارجية يجعل الإنسان في مواجهة دائمة مع واقع الثقافات التي تريد منه أن يكون خاضعاً لتفسيراتها المسبقة وأسبقياها الذهنية حول الواقع والظروف وحركة الحياة وتطور المفاهيم..

 

وفي الاتجاه نفسه ربما علينا أن نعتقد بأن الثقافة كونها الأداة الفاعلة في اجتراح أساليب متعددة في السلوك والطباع والمعرفيات ليست مفصولة عن الواقع أبداً، ولا يمكن لها أن تكون بمعزل عن حركة الواقع، لأن الثقافة بكافة أجناسها المتنوعة تعكس وعي الإنسان الفعلي وتتداخل صميمياً بوعيه الكامل حول كل ما يختص بواقعه وعالمه المتحرك، فالثقافة في مجالاتها الحيوية الفاعلة  تعني وعي الإنسان وإدراكه وفهمه وإرادته المستقلة الحرة، ولذلك تغدو الثقافة عملية متكاملة في البناء والتصاعد لأنها نتاج وعي الإنسان بالدرجة الأولى، ونتاج تراكمات الخبرة المعرفية، وتعبير فعلي عن مجمل حركته الواقعية في الحياة، والتي تتمثل في شتى صنوف التعبير الثقافي لتأخذ طريقها بالتالي إلى المشهد الثقافي الكوني، وانطلاقاً من ذلك تتحول الثقافة إلى ذاكرة خلاقة مشبعة بالتراكمات المعرفية والتجارب الميدانية والأنماط السلوكية والتفسيرات الفكرية، ومندمجة بوعي جمالي استنطاقي وتداولي في الثقافات الأخرى ذات الأبعاد الإنسانية الكونية، ولكن في الوقت نفسه قادرة بامتياز على الصناعة الخلاقة والفاعلة والمستمرة لأنماط ثقافية متجددة ومبدعة تلقائياً لاتجاهات معرفية جديدة مرتكزة في الأصل على القيمة الذاتية الواعية والعاكسة للوجدان والعقل التفكيري والإرادة الحرة،  وبمثل هذه المستويات العالية في مجالات الثقافة الإنسانية تملك المجتمعات القدرة الذاتية على تفعيل خاصية الانتاج الثقافي والإبداع المعرفي وتتمتع بالحيوية الفكرية والنشاط الذهني التفسيري والنقدي، وفوق كل ذلك امتلاكها للقدرة الذاتية على التغيير والإبداع والمبادرات وطرح الأفكار الجريئة المتجددة التي تهدف في الأساس البناء الثقافي..

 

خلاصة الأمر، أجد أن الثقافات نتاج فكر الإنسان وتصوراته في كل المراحل التاريخية، فهي صانعة للحياة ومانحة حقيقية للواقع المتجدد، وعاكسة فعلية لوعيه وادراكه المستقل، وناطقة بالذات الإنسانية المستقلة ومتحركة بإرادته الحرة، وبعيدة عن هيمنة الموروث المجتمعي والديني والهوياتي، حينها تصبح الثقافة معنية في الأصل بالنظرة العميقة للحياة وصانعة لها وللوجود الإنساني الفاعل، ومتفاعلة مع الواقع في كافة جوانبه العديدة، وتكون منتجة لشتى أنواع الفنون الثقافية من أدب وفكر وموسيقى وفلسفة وغيرها الكثير من نتاجات الفعل الثقافي الإنساني ذات الثراء والخصوبة المعرفية الخلاقة، وأداتها الحقيقية في ذلك طرق التعبير الإنساني الحر والشامل..

 

محمود كرم؛ كاتب كويتي

tloo1996@hotmail.com         

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط