عائشة القلالي / Mar 26, 2015

قد عاش المجتمع التونسي فترة طويلة من تاريخه المعاصر تحت وطأة الاحتلال الأجنبي وهو ما أدى إلى إدخال تحويلات عميقة على الممارسات الاجتماعية والثقافية للمجتمع ببعديها المادي والمعنوي، فكان من الطبيعي إذن أن تتأثر الممارسات الموسيقية بفعل الاحتلال الذي استهدف جميع مجالات الفكر والإبداع. فكيف يمكن وصف المشهد الموسيقي في تونس قبيل الاستقلال؟ ما هي تأثيراتها على فترة ما بعد الاستقلال؟

ربما تعود أولى محاولات تدوين التراث الموسيقي إلى فترة الاحتلال العثماني التي عرفت تأسيس المدرسة الحربية بباردو وبداية نشر التعليم الموسيقي على الطريقة الغربية التي ستعتمدها جلّ المدارس الأخرى التي ستتأسّس في نهاية القرن التاسع عشر، وهو ما سيؤثر حتما على التعليم الموسيقي عامة ثم بصفة خاصة على طبيعة الممارسات وعلى الأنماط الموسيقية.

" أصبحت البلاد التونسية بعد أن احتلّها الأتراك سنة 1574 بمثابة ولاية عثمانية"1، وأصبح نظام حكمها تابعا لاسطنبول وهو نظام عسكري بالأساس. وقد عرَف المجتمع التونسي خلال هذه الفترة صعوبات اقتصادية كبيرة وعميقة تعود بالأساس إلى حجم الضرائب التي فرضها الباي العثماني على أهالي القرى والأرياف والمدن والحواضر، واستحواذ المسيحيين على مجال القرصنة التي تعود كل مداخيلها إلى الدولة العثمانية، "فصار الشعب يعاني من متاعب الفاقة والمظالم وهطلت عليه الضرائب وكثُرت الجباية التي كانت تُصرف في ملاهي العائلة الحاكمة"2،

كان الشغل الشاغل للمسؤولين عن المقاطعة الحصول على الموارد الضرورية لحاجيات الدفاع وتسديد مرتبات الجند وممثلي السلطة التركية المستقرين بالبلاد وكانت تلك الموارد تتوفر أولا من الضرائب الفلاحية بالأرياف...أما في الحواضر فقد فرضت مكوس متنوعة على صنع البضائع وتنقلها واستهلاكها"3.

وقد امتدّ الحكم العثماني في تونس من 1574 إلى 1881 تاريخ انتصاب الاحتلال الفرنسي الذي عرف خلاله المجال الموسيقي تحولات عميقة وجذرية سجّلها التاريخ وحفظتها ذاكرة المجتمع، حيث بسطت فرنسا نفوذها على مختلف مجالات الحياة الاقتصادية منها والسياسية والثقافية والتعليمية، و" كانت عملية الاغتصاب الاقتصادي تستند إلى مجهود يرمي إلى تحقيق الاستلاب الثقافي وإضعاف الشخصية التونسية"4.

ولقد كان لسيطرة الاحتلال على كل الموارد الاقتصادية للبلاد التونسية أثر كبير على المجتمع الذي تفكّكت كل بناه وتغيّرت ملامحه ومظاهر حياته في ظل الظروف العصيبة، وكانت الثقافة أكثر المجالات تضرُّرا نظرا لسعي المحتل إلى فرض ثقافته وعاداته على التونسيين وسلبهم كل مقومات انتمائهم إلى ثقافة عربية إسلامية، فبدأ أوّلا بفرض لغته نظرا لوعيه بقيمة اللغة كمُكَوّن من مكونات الثقافة وأحد أهم مقومات الهوية، إضافة إلى نشر التعليم الفرنسي في كل جهات البلاد، " فمنذ أول عهد الحماية قامت السّلط الفرنسية بتنظيم التعليم العصري المقام على نشر اللغة الفرنسية"5.

كانت الحركات الاستعمارية المتتالية تتسبّب في سلب المجتمع التونسي أهم مقومات وركائز هويته رغم محاولة الحركات المقاومة مواجهة المستعمِر والتخفيف من آثاره، ولكن كان لهذه الممارسات أثر كبير على البلاد، " اصطبغ بشعور القهر المسلط على الدولة والمجتمع والداخل على نفوس الأفراد بإحساس الحقد والبغضاء"6، وقد طالت التحولات التي تسبب فيها الاستعمار ميادين الخلق والإبداع الفنيَّيْن، حيث طرأت على المجال الموسيقي تغييرات هامة على مستوى الممارسة وعلى مستوى الشكل والمضمون الموسيقيَّيْن، وتؤكد هذه الظاهرة من جديد وجود علاقة وثيقة بين الموسيقى والسياسة وبين الأحداث السياسية والأحداث الموسيقية، فوراء كل حدث موسيقي فعل سياسي يدفع إلى ظهوره ويُحرّكه ويتحكم فيه.

  1. أثر السياسات الاستعمارية على المضمون الغنائي

يؤثّر الاحتلال سلبا على نمط الحياة المعتاد لدى المجتمع، وكَردّ فعل على ممارسات المحتل السياسية والاقتصادية وهيمنته على الوطن وموارده المختلفة، يكون من الطبيعي أن يلْجَأ أفراد المجتمع إلى الأطر العائلية والاجتماعية الضيّقة ويتقَوقعوا داخل مجالها المحدود والمغلق وهو ما يَسْمح بظهور أحداث وممارسات وظواهر اجتماعية وثقافية عديدة ومختلفة، يزول بعضها ويحافظ المجتمع على بعضها الآخر إلى فترات متقدمة من تاريخه. ونتيجة للظروف الجديدة التي تطرأ على المجتمع، تشتد علاقة أفراده ببعض مؤسساته خاصة منها ذات الطابع الديني لما لها من سلطة روحانية على نفوسهم.

وقد عرف المجتمع التونسي في مختلف فترات الاحتلال ظروفا عصيبة دفعته إلى اللجوء إلى مؤسساته الثقافية والاجتماعية التقليدية خاصة تلك التي تنتمي إلى الإسلام الرسمي إسلام الثقافة والمدينة أي القضاء والتعليم والعبادة والأعمال الخيرية وتلك التي تنتمي إلى إسلام عامة الناس أي ضرائح الأولياء الصالحين وما يصاحبها من شتّى التظاهرات7. وإن لجوء المجتمع إلى هذه الظواهر والعادات الاجتماعية كان بالأساس نتيجة الوضعَيْن الاقتصادي والسياسي اللّذين عانت منهما البلاد في ظل الحركات الاستعمارية، ومحاولة لملء الفراغ الفكري الذي تخلّفه، حتّى أن ظاهرة الاعتقاد في الطرق الدينية مثّلت بالنسبة إلى الريف ملجأ اقتصاديّا أو مرجعا ثقافيّا يحافظ على قيم الخصوبة والاستمرارية8.

يفسّر تداخل الظواهر الثقافية بالظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وثاقة العلاقة بين المجال السياسي والحقل الثقافي والإبداعي وشدة تأثير كل واحد منهما على الآخر، كما يؤكد شدة وقع تقلبات عالم السياسة على الثقافة نظرا لطبيعتها المتحركة والحركية، وعلى مختلف مجالات الحياة الأخرى، وتتأكّد هذه الفكرة أيضا من خلال الصور التي يحملها الموروث الثقافي الشاهد على تاريخ المجتمعات والشعوب وخاصة التراث الموسيقي الثري بمثل هذه المضامين والمحمّل بقضايا الوطن والأرض والذات. فالمتأمل في تاريخ المجتمع التونسي يلاحظ حتما مدى حضور السياسة في الموسيقى الذي يبدو جليّا في مضامين بعض الأغاني التي ردّدها المجتمع كردّ فعل على ممارسات الظلم والقهر والاغتصاب المادي والمعنوي التي مارستها عليه قوى سلطوية دخيلة. فالذاكرة الشعبية التونسية تحمل الكثير من الأغاني التي مازال الكثير منها يردّد إلى يومنا هذا وإن كانت قد تأثرت نوعا ما بفعل الزمن والتواتر الشفوي إلا أنها مازالت تحمل أبعادا وإشارات سياسية صريحة، وتكشف أحداثا وممارسات مختلفة، وأكثر هذه الممارسات تأثيرا في المبدعين هي تلك التي تمسّ حرمة الوطن، وهو ما نَتبيَّنه من خلال هذا المثال:

                  

نِبْكي وْدَمْعْ العينْ غْزيرْ

عْلى تونس يا ماذا يْصيرْ

نِبْكي بالدَّمْعَة

عْلى تُونسْ ما صايرْ فيها

أُمْ البِلْدَانْ

مِحْتارة ربِّي يْهنّيهَا

جَاهَا الشّيطان

جْلَبْ العين فَرْحنا بيه

أمَّيِّةْ زغوان

كُلّْ حِيطْ يَنْبَعْ مِنْ جِهة

الأَرْبَعْ ترْكَانْ

بْنَاها وْزادْ يْرُصّْ فيها

عَادتْ في كَدْرَة

تْعَرَّتْ هِمْلِتْ امَّالِيهَا9

 

كانت هذه الأغنية تُرَدَّد في المحافل العامة وعند جماعات الرّبوخ10 بعد أن تفطّن المجتمع إلى بداية عمليات التوسّع الاستعماري التي بدأت بتنفيذها العديد من الشركات الأجنبية بالتمركز في تونس وفتح سوق اقتصادية وتجارية لبيع منتجاتها في أرض الوطن، فلقد مكّنت الهيمنة السياسية الفرنسية من استغلال موارد البلاد لصالح الشركات الرأسمالية و" استيلاء المؤسسات التجارية الفرنسية على السوق التونسية"11، وتتضمّن أبيات الأغنية تَنْبيهًا إلى خطر تعامل بايات تونس مع هذه الشركات والسّماح لها باستغلال ماء زغوان وتوزيعه، و"عبّرت عن خوف وتململ الفئات الشعبية من بدايات التسرب الاستعماري"12 وقلقها على البلاد ومواردها وحرمتها، وهي واحدة من بين الكثير من الأغاني التي تؤكد شدة تلازم الأحداث السياسية والاقتصادية بالخلق الفني والموسيقي خاصة، كما تُصوّر مجالات اهتمام الموسيقيين، الذين استغلوا فنهم للتعبير عن رفضهم للمستعمر وسياسته وبرهنت الأغنية على تأثر الموسيقى بالتحولات الاقتصادية والسياسية على مستوى المضمون وكذلك على مستوى الصناعة والممارسة الموسيقيّتين.

ويتأكد تلازم الأحداث السياسية بالممارسات الموسيقية في العهد العثماني من خلال اهتمام البايات بهذا المجال،

"فقد عُرف عنهم اهتمامهم وولعهم بالموسيقى وميلهم إلى مجالس السماع والغناء، وقد أثبت التاريخ أن محمد بن مراد باي –المتوفى سنة 1086 هـ- كان موكبه كموكب السلاطين يحضره المغنون وأرباب الملاهي والعلماء والمتكلّمون، وكان رمضان باي –المتوفى سنة 1110 هـ-من أعلم أهل زمانه بالنغم والتوقيعات"13.

  1. الفرق الموسيقية

كانت للموسيقى العسكرية مكانة هامة في تاريخ تونس خاصة في فترات الأزمات السياسية والحروب. وقد تأسست في عهد الدولة العثمانية بتونس، فرقة الموسيقى الملكية العسكرية التي أشرف عليها أحمد باي، و" اهتمّ بها أيّما اهتمام وبلغ من اعتنائه بها أن جلب لها خصّيصين من أروبا رسموا له النغم التونسية على الورق بأحرفها المخصوصة وأَذِن لفرقة الموسيقى بتعلُّمها"14.

"وكانت هذه الفرقة وتضمُّ آلات نفخ وإيقاع، تابعة إلى الجيش الانكشاري وكانت تصاحبه في تمارينه لأداء التعليمات والإشارات العسكرية، كما تنشّط حفلات الأعياد الحكومية التابعة للسلطة العثمانية، وتؤدي ما يُسمّى بالسلامات وهي مقطوعات موسيقية قصيرة تؤدى بآلات النفخ النحاسية في فرق الجيش وتعزف في المراسم العسكرية"15.

وكان من الطبيعي أن تقوم الفرقة الموسيقية العسكرية بإدخال خصوصيات جديدة على الممارسات الموسيقية وعلى المحيط السمعي للمجتمع التونسي من خلال أداء قوالب الموسيقى التركية الآلية والغنائية، فالحضارة التركية إبان حكمها للبلاد العربية قد جلبت معها عَيْن من الموسيقيى، نوع يُغنى ويسمى "الشّْغُل" والنوع الثاني هو الموسيقى الآلية المعروفة بالبشارف والسماعيات واللونغات وغيرها16.

ولقد كان البايات العثمانيون شديدي الاهتمام بالتراث الموسيقي التونسي، وهو ما يمكن أن نعتبره جزءا من الخطة السياسية التركية التي تعتمدها السلطة من أجل التقرّب إلى أهالي المناطق التي تستعمرها، فربما كان الحكام الأتراك يتطبّعون بثقافة الدول التي يستعمرونها لكسب ثقتهم مما يمكنهم من تنفيذ خططهم الاستعمارية بسهولة. وقد كان للوجود العثماني بتونس أثر عميق على تركيبة الفرق الموسيقية حيث " أدخل الأتراك استعمال "الأرغون" وشجّع البايات الموسيقى ولا أدلّ على ذلك من المبادرة الأولى من نوعها للباي "محمد الرشيد باي" بتنظيم ركائز المالوف التونسي "17.

كما تأسّست في تونس فرقة الرشيدية التي لعبت دورا مميّزا في حفظ التراث الموسيقي التونسي وإعادة نشره، وقد ساعد ظهورها على إحياء جانب كبير من الذاكرة الموسيقية التي كان المستعمر يسعى إلى القضاء عليها وعلى ملامح وخصوصيات المجتمع الثقافية، وذلك بترويج ثقافته وفرض لغته، وتهميش اللغة العربية لقطع صلة المجتمع التونسي بثقافته وبانتمائه العربي الإسلامي، وقد كان لفرض اللغة الفرنسية في التعليم والإدارة تأثير كبير على الخطاب الأدبي والشعري والموسيقي، فكان مآل الأغنية التونسية إلى ضعف الكلمة وسذاجة النص من شعر ونثر18، فجاءت الرشيدية لتعيد الاعتبار للموسيقى التونسية فكانت "وسيلة فاعلة في مكافحة انحطاط الأغاني التونسية المنتشرة آنذاك وتحدَّ من التخريب الذي سببّته الموسيقى المصرية التي كانت تُلهِم العديد من التونسيين" 19.

كانت فرقة الرشيدية " تتركب من أربعة وعشرين عنصرا؛ ستّة منشدين وثمانية عشر عازفا، وكان يقودها محمد الأصرم ثم تولى قيادتها محمد التريكي"20. وكانت تضم آلات تونسية وأخرى غربية كالبيانو والكمنجة، وكانت الفرقة تقدّم نوبات المالوف التونسي ووصلات الموشحات والأشغال إلى جانب البشارف. وقد ساعدت هذه الفرقة على إحياء الذاكرة الموسيقية التراثية وإعادة نشرها، "إلا أنهالم تحافظ على تركيبتها الأصلية التي تعبر على أصل الجوق التقليدي التونسي"21، حيث تم إدخال آلات غربية جديدة مثل "البيانو"(piano) و"الفيولنسال"  (violoncelle)و"الكنترباص (contrebasse).

  1. التعليم الموسيقي

تأسست في العهد العثماني واحدة من أهم المؤسسات العسكرية، وهي المدرسة الحربية بباردو التي كان لوجودها الأثر العميق في الحياة الموسيقية في تونس، حيث " تأسّست في نطاقها الموسيقى النحاسية وتَكَوّن أول جمع من الضبّاط التونسيين أنجزوا أوّل مخطوط مرقوم بالنوطة الموسيقية تناولوا فيه قواعد العزف على مختلف الآلات وقواعد الطبوع مدعمة بنماذج من البشارف والمالوف"22 وهو مخطوط "غاية المنى والسرور الجامع لدقائق رقائق الموسيقى والغناء" الذي يعود إلى سنة 1872، وهو أول محاولة لتدوين المدونة الشعبية التونسية على الطريقة الغربية23، وقد أُنشأت المدرسة على يد أحمد باشا في 1840 لتخريج الضباط الفنيّين والمهندسين والموظفين، واستدعى لإدارتها ضابطا إيطاليا من المستشرقين أجاد اللغة العربية وألف بها كتبا هو الأمير آلاي كاليقاريس 24، كما استُدعي إليها مدرّسون غربيّون يعلّمون النظريات والترقيم وآلات الموسيقى الغربية، إضافة إلى بعض آلات الموسيقى التونسية كالعود العربي، ويعود الفضل لخريجي هذه المدرسة في تدوين جانب كبير من التراث الموسيقي. وهنا تتأكد من جديد علاقة السياسة بالموسيقى واهتمام السياسيين بها لسبب أو لآخر، من خلال تشييد المؤسسات الموسيقية وتشجيعها بغض النظر عن الأهداف الكامنة وراء ذلك.

كما ظهرت في تونس منذ القرن التاسع عشر بعض المدارس المختصة في تعليم الموسيقى تركز أغلبها بالعاصمة وأحوازها ولم تظهر مدارس موسيقية ببقية الولايات إلا في فترة متأخرة. وقد اعتمدت المدارس التي ظهرت في فترات الاحتلال طريقة التعليم الغربية واقتصر تعليم الآلات فيها على آلات الموسيقى الغربية إلا عددا قليلا منها خاصة تلك التي تأسّست بعد الاستقلال.

وتتضارب الأخبار حول ظهور المدارس الأولى للتعليم الموسيقي في تونس، حيث يُذكر أن تأسيس أول مدرسة تونسية للتعليم الموسيقي يعود إلى فترة الاحتلال العثماني وتحديدا سنة 1879 بنهج باب الخضراء بتونس العاصمة 25، وفي 1957 سُمّيت المعهد الوطني للموسيقى، بينما يذكر محمد القرفي أن أول مدرسة لتعليم الموسيقى في تونس تأسّست في 1896 على يد "فريمو"(Frémaux) ولفّاج (Laffage) و"شابير" (Chabert) وأصبحت في 1911 معهد تونس للموسيقى (Conservatoire de Tunis) 26، إلا أن المتّفَق عليه هو أن كلّ هذه المدارس كانت تعتمد طريقة التدريس الغربية.

وتواصل في عهد الاستعمار الفرنسي انتشار المدارس ذات التوجه الغربي بالأساس، كما انتشرت الجمعيات الموسيقية خاصة خلال فترة الثلاثينات، ولعلّ أهمّها جمعية الرشيدية وهي أوّل جمعية موسيقية تُعنى بالموسيقى التقليدية التونسية27، وقد اتّخذت على عاتقها مهمّة تعليم الموسيقى التونسية وإحياء التراث وإعادة نشره في مجتمع يعاني من ظروف استعمارية عصيبة ويواجه حركة تثاقف كادت تأتي على جميع مؤسّساته الثقافية والاجتماعية، كما اهتمّت الرشيدية بتدريس مقامات وآلات الموسيقى المشرقية واستُدعي إليها موسيقيّون من سوريا أمثال الشيخ علي الدرويش الحلبي الذي أستُدعي في 1938 لتدريس النوتة الموسيقية والمقامات والإيقاعات العربية 28، إضافة إلى تدريس مواد وآلات الموسيقى الغربية التي كان يشرف عليها الموسيقي الإيطالي "بونورة"، وقد ساهمت الرشيدية في إحداث المصالحة بين التونسيين وتراثهم الكلاسيكي29.

وبعد أن توقّف النشاط التعليمي لجمعية الرشيدية أصبح المركز الوطني للموسيقى والفنون الشعبية بنهج زرقون في 1972 قائما بمهمّة تعليم الموسيقى واتّبع نفس طريقة التدريس الغربية التي كانت تُعتَمدُ بالمعهد الوطني للموسيقى.

  1. فضاءات الممارسات الموسيقية

اقتصرت الممارسة الموسيقية في تونس خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر على بعض الاحتفالات العائلية الخاصة والاجتماعية ذات المجال الضيق، "ففي حين كانت الجالية الأروبية تتسابق نحو المسارح والحفلات، كان الأهالي المنعزلون داخل المدينة العتيقة يتسلّون بالأنشطة المناسباتية التابعة للاحتفالات الخاصة والتظاهرات الجماعية العائلية أو الاجتماعية والأعياد الدينية"30.

وإذا تأملنا في تاريخ الممارسات الموسيقية في تونس، سوف نلاحظ التغيرات التي طرأت عليها خلال فترة الاستعمار على مستويات عدة، فقد شُيّدت في فترة الاحتلال الفرنسي بعض المسارح التي قدّمت عروضا وأنماطا موسيقية أروبية دخيلة وجديدة بالنسبة إلى المتلقّي التونسي من بينها

 "مسرح "تياترو" (Theatro) في شارع فرنسا والكافو (le caveau) والمسرح الإيطالي (Théâtre italien) ومسرح "أرينا" (Aréna) الذي تحوّل إلى مسرح "بوليتياما" (Politiama) ثم المسرح التونسي (Théâtre tunisien). ومسرح "باراديزو" (Théâtre Paradiso) الذي بُني على أنقاضه المسرح البلدي الأوّل (Théâtre municipale 1888-1889) ومسرح الكازينو البلدي (Théâtre casino municipal 1902) ومسرح "روسيني" (Theatre Rossini)الذي يُمثّل سينما "البالاص" حاليّا (cinéma Palace).31 كما ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر عدة قاعات عرض وكاباريهات نذكر منها ( (le cabaret du chat noirالذي أسّسه رودولف ساليس (Rodplphe Salis) صحبة مجموعة من الفنانين، إضافة إلى كاباريه  le caveau tunisien وقد أسّسه السيّد والسيّدة سالفادور جانبون(Mme et M. Salvador Jambon)32.

لقد أدى وجود هذه المسارح والفضاءات إلى ظهور أحداث وأنماط موسيقية لم يعهدها المجتمع كعروض الغناء الأوبرالي والموسيقى الكلاسيكية الغربية، كما اكتشف المتلقّي تركيبات الفرق الغربية المختلفة تماما من حيث الحجم ونوع الآلات والأداء عن الفرق الشعبية المألوفة والجوق التونسي "الذي كان يقتصر على أربعة عناصر وهم عازف الرباب وعازف العود وعازف النغرات وعازف الطار"33، وقد كان لكل هذه الأحداث دورٌ كبيرٌ في توجيه الذوق الموسيقي لدى التونسيين والتأثير على محيطهم السمعي الذي أخذت فيه بعض الأنماط الموسيقية مكان غيرها.

  1. الأنماط الموسيقية

لعب الاستعمار دورا مركزيا في انقسام الممارسات الموسيقية التونسية بين تقليدية ومستحدثة، ذلك أن فئة كبيرة من المجتمع التجأت إلى أطرها الثقافية التقليدية بعد أن أنهكتها الظروف الاستعمارية التي دفعتها إلى التقوقع داخل محيطها الاجتماعي والثقافي الضيق، في حين انساقت فئة أخرى إلى اللهو والترفيه والبذخ. وقد تميزت فترة الاستعمار  بانتشار نمطَيْن موسيقيَّيْن رئيسيَّيْن هما الموسيقى الدينية والموسيقى الدنيوية، حيث انقسمت الاحتفالات والمجتمعات إلى قسمين: قسم جدّ وقسم طرب وهزل34 وقد ارتبط كل نمط ببيئة معينة وبطبقة اجتماعية دون غيرها، فنجد تقاليد السماع الديني والملتزم لدى الطبقة التي حافظت على أطرها الثقافية التقليدية وممارساتها الموروثة، أما الموسيقى الدنيوية فقد كانت منتشرة إما لدى الطبقة الارستقراطية والجالية الأجنبية من المجتمع التونسي أو لدى الجماعة غير المسلمة مثل الإسرائيليين، فقد كانت بعض الحانات الإسرائيلية الشهيرة تستخدم جوقة مَغْنى وطرب تتركّب من آلاتيّين يقومون بالعزف والتوقيع والغناء35.

ويدلّ انتشار النمطين الغنائيّيْن، الديني والدنيوي، على تأرجح المجتمع التونسي بين الأطر الثقافية التقليدية وبين الممارسات الثقافية والموسيقية الجديدة.

كما شهدت الموسيقى التونسية خلال القرن التاسع عشر ولادة قوالب موسيقية جديدة أهمّها قالب الأغنية الوافد من المشرق العربي36 وقد استُعملت في أدائه بعض آلات الموسيقى الغربية نتيجة للانصهار القائم آنذاك بين الثقافة التونسية والثقافة الفرنسية، كما ساعد على انتشار الأغنية ظهور آلات التسجيل والاستماع "الفونوغراف" والاسطوانات، فقد تضاعف عدد الاسطوانات الشرقية التي اكتضّت بها مقاهي الأرباض باب سويقة وباب جديد في سبيل إقبال الناس على سماعها فتمتّنت صلتهم بها وبنوعية الفن الذي تحتويه، وقد شاعت في هذا السياق أغان وأدوار " أدتها الفرق الموسيقية المصرية التي قدمت إلى تونس في تلك الفترة مثل الفرقة الموسيقية المسرحية لسلامة حجازي"37، حتى أصبحت الأغنية قالبا مترسّخا وشديد الحضور في الموسيقى التونسية على مستوى الاستهلاك ولكن أيضا على مستوى الإنتاج " فتسعة أغان من بين عشرة قد وقع تلحينها في تونس في مقامات أو موازين غير الطبوع التونسية "38. ما يؤكّد انسياق الموسيقيين التونسيين وراء تيار موسيقي شرقي كان له الدور الرئيسي في إفقاد الموسيقى التونسية بعض خصوصياتها المحلية.

كما يتأكّد الاتصال الموسيقي التونسي المصري من خلال حضور العديد من الفرق المسرحية والغنائية الأخرى حيث " أكّد الكثير من الموسيقيين والمؤرخين أن أوّل اتصال الجمهور التونسي بالمسرح الغنائي المصري العربي كان في بداية القرن العشرين، مع اختلاف في التاريخ. إذ يرى محمد فريد غازي أنه كان في سنة 1905 بالمسرح الروسيني"39.

  1. VI.محاولات حفظ التراث الموسيقي

بدأ مشروع حفظ التراث مع المدرسة الحربية فقد كان البايات العثمانيين شديدي الاهتمام بالتراث الموسيقي التونسي، حيث تأسست المدرسة الحربية والتي كان لوجودها الأثر العميق في الحياة الموسيقية في تونس ولعبت دورا هاما في حفظ التراث الموسيقي حيث بدأت أولى عمليات تدوينه مع الضباط العسكريين، كما مثّل مشروع البارون رودولف دريرلانجي من أهم مشاريع حفظ التراث الموسيقي خلال فترة الاستعمار وفي تاريخ تونس بصفة عامة، حيث كان البارون فنّانا وعقد علاقات مع عدد من آخر ممثّلي فن المالوف، "وفي أجواء قصره المذكرة بروعة الأندلس استطاع أن يحيي ويعيد كتابة عينات رئيسية من هذا الفن الذي كان على وشك الاندثار"'40، وقد استدعى البارون الذي كان مولعا بالموسيقى التراثية التونسية نخبة من المثقفين والموسيقيين التونسيين والعرب وكلّفهم بجمع التراث الموسيقي وتدوينه، ليُصدر فيما بعد كتابه "الموسيقى العربية" في ستة أجزاء تحدث فيها عن تاريخ الموسيقى في تونس وخصوصيات الموسيقى التونسية والعربية وآلاتهما، كما دعا البارون ديرلانجي إلى عقد مؤتمر يجمع مثقفي وموسيقيّي وسياسيّي العالم العربي لمناقشة واقع الموسيقى العربية وبعض المسائل المتعلقة بها، فانعقد أول مؤتمر للموسيقى العربية بالقاهرة سنة 1932 الذي ستترسّخ على إثره فكرة إحياء التراث وحفظه لدى ثلة من المثقفين والموسيقيين التونسيين، الذين انشغلوا حال رجوعهم من المؤتمر بالتفكير في الطرق الممكنة لحفظ التراث وتعليم الموسيقى التونسية لتفادي تلاشيها بعد أن تفطنوا لحجم الخطر الذي تواجهه في ظلّ الاستعمار وعملية استنزاف الهوية التي جاء بها وانتشار حركة الفسخ الثقافي، حيث بدأ الشروع في استبدال عناصر الثقافة التونسية ومؤسساتها بعناصر ومؤسسات أخرى أجنبية، وقررت هذه الثلة من الموسيقيين تأسيس جمعية تُعنى بتعليم الموسيقى التونسية وهي جمعية الرشيدية التي شُيّدت في 1934، واشتغلت على تدوين المالوف وتعليمه. ولقد مثّل تأسيسها خطوة أولى نحو حفظ التراث الموسيقي التونسي وإعادة الاعتبار للموسيقى التونسية بخصوصيات لهجتها وطبوعها وإيقاعاتها، بعد التحولات التي عاشتها في ظل الاستعمار العثماني ومن بعده الفرنسي. ونتيجة لتأسيس الرشيدية بدأت الموسيقى التونسية في استرجاع مكانتها نسبيا، حيث

" تميزت بداية القرن العشرين بحضور هام للتراث الموسيقي التونسي ممارسةً واستهلاكا، وربما يعود ذلك أيضا إلى وضع الصناعة الموسيقية آنذاك، فلا وجود لشركات إنتاج ولا لآلات تسجيل فبقي التراث الموسيقي رهين التواتر الشفوي والممارسة الموسيقية الضيقة وهو ما مكنه من المحافظة على بعض خصوصياته"41.

_________

*عائشة القلالي: باحثة في العلوم الثقافية-اختصاص موسيقى وعلوم موسيقية-تونس.

[1] الشريف، محمد الهادي، تاريخ تونس، ط. 3، تونس، دار سيراس، 1993، ص 68.

2الشعبوني، فاروق، الشيخ العفريت مطرب تونس، ط.1، تونس، المطبعة العربية، 1991، ص 10.

3 الشريف، محمد الهادي، المرجع السابق، ص 68-69.

4 القصاب، أحمد، تاريخ تونس المعاصر 1881-1956 ، ط.1، تونس، الشركة التونسية للنشر والتوزيع، 1986، ص 7.

5 المرجع نفسه، ص 293.

6 بن عاشور، محمد الفاضل، الحركة الأدبية والفكرية في تونس في القرنين التاسع عشر والعشرين، ط.1، تونس، بيت الحكمة، 2009، ص 25.

7 الشريف، محمد الهادي، المرجع السابق، ص 68.

8  BOUDHINA, Abdelwaheb, Essai d’une topologie de l’Islam maghrébin, à la recherche des normes perdues, Tunis, Maison Tunisienne d’Edition, 1973, p. 103.

9خواجة، أحمد، الذاكرة الجماعية والتحولات الاجتماعية من مرآة الأغنية الشعبية، تونس، أليف، 1998، ص 61-62.

10 خواجة، أحمد، المرجع السابق، ص 61. تجدر الإشارة إلى ترديد هذه الأغنية لدى جماعات الربوخ يبقى موضع شك لأن مضمونها لا يتماشى مع خصوصيات ظاهرة الربوخ المعروفة.

11 القصاب، أحمد، المرجع السابق، ص 7.

12 خواجة، أحمد، المرجع السابق، ص 61.

13 الرزقي، الصادق، الأغاني التونسية، ط. 2 تونس، الدار التونسية للنشر، 1967، ص 55.

14 خواجة، أحمد، المرجع السابق، ص 62.

15لفاج، انطوانان، الموسيقى العربية آلاتها وأغانيها، ط.1،تر. محمد القرفي، لبنان، دار الهلال، ص 20.

 16  العقيلي، مجدي، السماع عند العرب، ج. 4، ط. 1، رابطة خريجي الدراسات العليا، 1976، ص 293.

17  الشعبوني، فاروق، المرجع السابق، ص 10.

18 المرجع نفسه ، ص 8.

19   BENABDERRAZAK, Mohamed Saifallah, Les orchestres arabes modernes ; influences de l’organologie occidentale et problèmes d’acculturation, T.1, U.E.R., thèse de doctorat, Histoire de la Musique et Musicologie, Paris, Université de Paris Sorbonne, 1999, p. 188.

20 Ibid., p. 192.

21 BENABDARRAZAK, Mohamed Saifallah, Op. cit., p.  186.

22 المهدي، صالح، السياسة والوطنية في الموسيقى العربية، مجلة الحياة الثقافية، ع. 1، س. 1، تونس، وزارة الشؤون الثقافية، جوان 1975 ص 42.

23 BENABDERRAZAK, Mohamed Saifallah, Op. cit., p. 102.

24بن عاشور، محمد الفاضل، المرجع السابق، ص33.

25 الذهبي، يسرى، إشكالية الأصالة والحداثة في الأغنية التونسية فترة ما بين الحربين، تونس، مجلة الحياة الثقافية، ع. 181، عدد خاص بالموسيقى التونسية، تونس، وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، 2007، ص 176.

26  GARFI, Mohamed, Musique et spectacles le théâtre lyrique arabe esquisse d’un itinéraire (1847-1975), Paris, L’Harmattan, 2009, p. 75.

27 BENABDERRAZAK, Mohamed Saifallah, Op. cit., p. 188.

28 BENABDARRAZAK, Mohamed Saifallah, Op. cit., p. 195.

29 زغندة، فتحي، الموسيقى التونسية بين الإلهام والإعلام، مجلة الحياة الثقافية، ع. 181،عدد خاص بالموسيقى التونسية، تونس، وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، 2007، ص 21.

30 GARFI, Mohamed, Op. cit. p. 95.

31 المديوني، محمد، مغامرة الفعل المسرحي بتونس، تونس، دار سحر، 2000، ص 244. منقول عن: بشة، سمير، التثاقف والمثاقفة في التجارب الغنائية الركحية في تونس، المرجع السابق، ص 48.

32 DARMON, Raoul, Du café chantant au music-hall à Tunis à la fin du 19ème siècle, Bulletin économique et social de la Tunisie, n° 82, novembre 1953, p. 88.

  1. :
  • CHARFEDDINE, Moncef, Deux siècle de théâtre en Tunisie, Tunis, Les éditions Ibn Charaf, s.d. 321 p.
  • المديوني، محمد، المرجع السابق، 248 ص.

33 SNOUSI, Manoubi, Initiation a la musique tunisienne, Vol. 1, Tunis, Centre des Musiques Arabes et Méditerranéennes, 2003, p. 18.

34 الرزقي، الصادق، المرجع السابق، ص 75.

35 المرجع نفسه، ص 96.

36  Cf. SAKLI, Mourad, La chanson tunisienne analyse technique et approche sociologique, thèse de doctorat, Paris, Université de Paris-Sorbonne, 1994, 530 p.

37 SAKLI, Mourad, Op. cit., p. 52.

38 الصقلي، مراد، لقاء صحفي، جريدة الصباح، صفحة صباح الخير، تونس، الخميس 28 ماي 1998.

39 بشة، سمير، التثاقف والمثاقفة في التجارب الغنائية الركحية في تونس(1856-1998)، أطروحة الدكتوراه في علوم وتقنيات الفنون، تونس، المعهد العالي للفنون الجميلة، 2007، ص 65.

40 SNOUSI, Manoubi, Op. cit., p. 26.

41 الصقلي، مراد، الموسيقى التونسية وتحديات القرن الجديد، تونس، بيت الحكمة، 2008، ص 22.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط