سهيل أحمد بهجت / Dec 17, 2010

لا يمكن للواحدية بأي صيغة من صيغها أن تتحكم بالبشرية، وما يبدو ماديا في نظر بعض المجتمعات هو عين الروحانية في مجتمعات أخرى، مثلا نجد في اليهودية والمسيحية وعند المسلمين الشيعة للموسيقى والرسم والتمثيل دور أساسي في التعبير والخطاب الدّيني، بينما يعتبر المسيري والسلفيون أنها من ضمن "اللهو" الحرام جدا، وبالتالي فإن تعريفه لنقيض المادة والذي أوجزه في "الديانة التوحيدية"!! ومشترطا انفصالها عن الزمان والمكان والأبعاد التاريخية هو وضع لنتائج مسبقة، ونظرية المسيري هنا تذكرني بالانتخابات في ظل الأنظمة الدكتاتورية التي يعرف الشعب نتائجها مسبقا كونها محسومة، والمسيري قيد الدين بجرة قلم في عقيدة بعينها لا تقبل تفسيرا أوتأويلا غير ذاتها.

حينما بدأت الحضارة الحديثة في الغرب تصدّر إلينا الآلات ومناهج التعليم ومخترعات الطب ووسائل النقل، نظر إليها رجال الدين على أنها "أدوات شيطانية" تستهدفنا وأخلاقنا وقيمنا المتوارثة، وإلى الآن يطالبنا رجال الدين أن نتداوى بالقرآن والأدعية أوتربة الحسين وما إلى ذلك، كل هذا كان ممكنا أن نستفيد منه لوتم الاستفادة من مخترعات الطب الحديث مثلا ولتأتي هذه المآثر الدينية كجزء من العلاج النفسي، فكل دين من الأديان يمتلك وسائل للعلاج الإيماني لتعمل في نفس الإنسان حينما يعجز الطب عن الشفاء، لكن لماذا يصرّ المسلمون دوما على أن العلم هو نوع من "تحدي الله"!! وإذا أخبرت مسلما من المسلمين ـ مع وجود استثناءات ـ عن اختراع علمي أوعلاج لمرض عضال تم اكتشافه فهو يردّ غالبا بـ"الله أقدر منهم" أو"علم الإنسان ما لم يعلم" وانتهى، وكأن المصيبة في تخلفنا العقلي والاجتماعي لا تكفي لنضيف إليها تخلفا من نوع آخر هو "التبرير" والعجز عن التغيير، ولماذا نعتبر المادة أكبر الشرور رغم أن لا أحد كالأنبياء اهتم بمسائل الزواج والحياة رغم اختصاصهم بالروح، فهذه العقلية التبريرية متجسدة في المسيرية وتوابعها الكارثية من قرضاوية وقبلها الغزالية (نسبة لأبي حامد الغزالي ومحمد الغزالي السقا زعيم الإخوان المعروف)، كلها نظريات تؤكد على أن لا الواقع فقط بل العقل أيضا مادة "عدو= شر" يجب أن نتحاشاه، والواقع هو أن الحل سهل مع هؤلاء، إذ يكفي المسلمين أن يتغنوا بالماضي "الجميل"!! المليء بالعز والفتوحات، بينما العالم أجمع يتنافس في الرقي الاجتماعي والعلمي والتطور، فإذا استشهدنا بأطروحات ماركس فهل يجوز أن نعمم فنقول "أن الغرب كله ماركسي"؟ أوأنه "هيجلي" أو"كانتي"؟

إن الاتحاد بين المقدس والزماني حسب هيجل لا يمكن أن يكون لصالح المادي الزماني دون المقدس، فالروح مثلا لم يتم اكتشافها كأمر مادي ملموس ـ ولن يكون ذلك قطعا ـ وبالتالي لا بد من احترامها كأمر مطلق ولكن لا يمكن الاستدلال عليها بالأدلة الملموسة المادية، إن الروح وسائر المطلقات لا يمكن مقارنتها بالأشياء المادّية ولكن يمكن احترامها عبر احترام وجود الإنسان كملموس، فالإنسان يسعى إلى الخلود ويتمناه بلا شك، لكن لا يمكن أن تستحوذ هذه الرغبة (في بلوغ الخلود) على الإنسان ككل وتعطل حياته المحفوفة بالمخاطر والمشاكل والكوارث.

مشكلة العالم الإسلامي التي نشهد تدهورها وانهيارها الآن، أنه يهتم ـ شكليا وطقوسيا ـ بالآخرة والخلود ويضع ذلك كغاية وفي تحقير صريح لهذه الحياة، لذلك نجد أن هذه المجتمعات تهيمن عليها ثقافة احتقار الدّنيا (وهي مشتقة من الدّونية والسفالة) وأن هذه الحياة ليست إلا "محطة" عابرة للوصول إلى عالم الخلود، وفي الوقت نفسه يهيمن الأكليروس الديني وأرباب اللاهوت في هيمنة شبه مطلقة وسرية في آن واحد على كافة مجالات الحياة والفكر والنشاط العقلي، بل إن الحياة نفسها هي نشاط محرم ومرفوض، فمن جهة تريد الأيديولوجيا الدّينية أن تفرض منطقها لا على المسلمين فقط بل العالم، وفي الوقت نفسه يعتبرون أن متع ولذات الحياة هي من شأن "الكفار" الذين سيدخلون "جهنم" حتما لتمتعهم بالحياة.

إنها فعلا أفكار عبثية منحطة فكريا وعقليا وفي الوقت نفسه هناك استثناءات في العالم الإسلامي وهناك إصلاحيون يحاولون بإخلاص فك هذه العلاقة المتناقضة بين المادة والقداسة ـ كما يراها المسيري ويعتبرها نقيضين ـ ومحاولة تقديس المادة نفسها باعتبارها "هدية إلهية"، إن وضع المقدس كنقيض للمادي "المدنّـس" هو أساس المشكلة التي يعانيها العالم الإسلامي الآن، فالنجاسة المادية لا معنى لها إلا بمقدار تأثيرها على الجانب المادي من الإنسان، وتبدل الحلال إلى حرام والعكس أيضا يدل على أن لا نجاسة مطلقة ولا طهارة مطلقة، بل الأمر يقتصر على انتفاع الإنسان وضرره، والشيطان نفسه ـ وهو سيد الأشرار ـ لم يستحق هذا اللقب والطرد إلا لتمسكه بالعنصرية والغرور الذاتي، من هنا ننطلق إلى صحة أطروحة هيجل القائلة بأن الخلاف العقائدي وخصوصا بين المطلق المقدس والمحدود المدنس لا يعدوكونه خلافا لفظيا، وقد أدرك المتصوفة والقدماء ـ وهم الذين يكرههم المسيري جدا ـ هذه العلاقة الحقيقية في كون العالم يحوي حقيقة واحدة ولكنها ذات تجليات مختلفة، وسعي الإنسان إلى إيجاد منجز أرضي من التطور والقضاء على معاناة الإنسان على هذه الأرض و"استعمار" هذا الكوكب { هُو أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} هود ـ 61 هو بحد ذاته شرط من شروط تحقق الذات الإنسانية في عالم الآخرة، والفشل في هذا الاختبار، تحقيق منافع ومصالح الإنسان المقدس بذاته، يعني الفشل في الجانب الروحي والديني المطلق.

يقول المسيري:

"وبالتالي فما نواجهه الآن، هو صراع بين "مقدس" وآخر، أي بين قبول الرؤية المادية كمقدس، أوإعادة إفعال ـ ربما يقصد المسيري إعادة تفعيل ـ مقدساتنا، التي تنتمي إلى الضمير والدين والآخلاق، فالاختيار [المطروح أمامنا هو اختيار] بين تقديس المادة، وتقديس المعنى." ـ العلمانية تحت المجهر ص 89

إن هذه العبارات تصف لنا أمرا يبدووكأنه بالغ السهولة وأن بالإمكان تحويل الناس إلى عالم مثالي بضغطة زر أوبالتعبير القديم "بقدرة قادر"، والحقيقة هي أن مواقف الإنسان وحكمه على الأشياء يتوقف على مدى اطلاعه ونوعية البيئة التي يعيشها، وإذا تحولت قناعات الناس من دين إلى آخر أوفي الاعتقاد بتفسير ديني ما ـ دون آخر ـ داخل الدين الواحد، هذا التحول لا يتم بالرغبة أوالإرادة، بل بمدى سعة الاطلاع ورؤية القيم من جانبها التطبيقي، فكل قيمة أخلاقية لها انعكاس على أرض الواقع، وبدون الواقع وقابلية هذه القيمة على التكيف والاستمرار، فإن هذه القيم تنحسر وتضعف إلى أن تموت في النهاية ولا يعود لها وجود إلا في باطن الكتب والتراث، ولا معنى هنا إذا لـ"اعادة إفعال" القيم الخلقية، وأظن أن المسيري قد خانه التعبير وكان ينبغي عليه القول "إعادة تفعيل"، فهذه القيم كانت مفيدة حينما كان العالم واسعا ومترامي الأطراف وكانت رحلة بسيطة بين مدينة وأخرى تستغرق أشهرا، أما في عصر السرعة والتخاطب عبر القارات وعولمة المعلومة والفكرة والوصول بسرعة إلى أبعد بقاع الأرض، هذه التحولات العضوية في المجتمعات وظهور الديمقراطيات الشاملة ـ التي يشارك فيها كل المواطنين البالغين ـ يحتم على هذه المجتمعات تطوير فكرها الديني بحث يستفيد منها الناس بشكل طبيعي وسلس، ولكن المسيري حينما استخدم تعبير "إعادة إفعال" المقدس انطلق من تردده في استخدام تعبير "إعادة تفعيل" الذي يوحي بإعادة "تصنيع" أو"تعمير" آلة تالفة أوعفى عليها الزمن أصلا، بمعنى أنها تعطلت ذاتيا لأن الزمن قد تجاوزها، لكنه اختار كلمة "إفعال" وكأنه يشير إلى أن "مقدساتنا" ليست معطلة وأنها صالحة ومفيدة ولكن تم "تعطيلها"، ونحن لا ندري ماهية "مقدساتنا" هذه، رغم أنه قد حصرها مسبقا في عقيدة معينة ولكن مرة أخرى لم يخبرنا أين تنتهي حدود المقدس في جريانها الزمني العمودي، فإعادة تفعيل المقدس محكوم عليها بالفشل مسبقا لأن المقدس لا معنى له إذا تم فرضه بالقوة الغاشمة والقهر وبدون حرية اختيار، وانتماء المقدس إلى الضمير والدين والآخلاق هو انتماء غير واضح المعالم وهو أشبه بالدائرة المفرغة التي لا معنى لها، فهل هذا الانتماء فعلي؟ أم أن العكس، أي انتماء الضمير والدين والآخلاق إلى فكرة المقدس، هو الصحيح؟ الأكيد هو أن كلها ذات ارتباط، ولكنه تعدد الأديان والمقدسات وحتى وقوف الدين نفسه مواقف متعددة أمام القضية الواحدة يحيلنا إلى أن نشك ونطرح السؤال الكبير: ما هي حقيقة هذه المصطلحات وما هي "مرجعيتها" التي تستند إليها؟

 www.sohel-writer.i8.com
www.sohelahmedbahjat.blogspot.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط