سهيل أحمد بهجت / Sep 07, 2010

يستمر المسيري في الاستشهاد بنماذج من الفهم الفكري العربي لمصطلح العلمانية فيقول:

"ورغم أن عزيز العظمة ـ وهو شريك المسيري في تأليف الكتاب ـ لا يستخدم صورة الدوائر الثلاث، إلا أنه من الواضح مدرك تماما لضيق التعريفات الجزئية، ولذا ففي تعريفه يتبع استراتيجية تعريفية لا تختلف كثيرا عن استراتيجية عبد السلام سيد أحمد وإن كانت أكثر تفصيلية وعمقا وتحددا، فيعرّف ما يسميه ((وجه العلمانية السياسي)) بأنه ((عزل الدين عن السياسة)) و أنه ((الاستقلال النسبي للمجتمع المدني عن التحكم الرسمي به و بحياته و معاملاته و مبادلاته وفقا لمباديء الأكثرية وعقائده وشرائعه، مما يعني المساواة بين المواطنين جميعا أمام القانون، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو الطائفية أو الإثنية، كما تعني صياغة حرية الضمير والمعتقد للجميع!)) (يشير عزيز العظمة إلى ما يسميه ((وجه العلمانية المؤسسي)) وهو ((اعتبار المؤسسة الدّينية مؤسسة خاصة كالأندية و المحافل))، ويمكن أن تنضوي هذه تحت وجه العلمانية السياسي)" ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 72

دعوني أخرج من إطار القوالب الفكرية التي أوقع الطرفان هنا نفسيهما فيها، وهو أن تكون العلمانية غير قادرة على الاختيار وبالتالي تكون كـ"الدين" المتعارف عليه تقليديا، إما داخل السياق الكلي للأفكار أو خارج هذا السياق، بمعنى أن على العلمانية أن تجيب على الأسئلة المصيرية للإنسان، وهي "من خلقنا"؟ "لماذا خلقنا" و"إلى أين سنذهب"؟؟ وهي أسئلة بالتأكيد لا تدخل ضمن مجال العلمانية التي تنحصر قطعا في الآليات الزمنية لحياة الإنسان وإذا ما اتصلت بطريقة ما بالشأن الدّيني أو تدخّلت فيه بوسيلة أو بأخرى فإن ذلك لا يعني قطعا أنها تحاول الإجابة على تلك الأسئلة الكبرى بقدر ما تحاول فعلا أن تتيح للإنسان حرية التفكير والتعبير عن مواقفه في الحياة في الرد أو الحصول على أجوبة بشأن الأسئلة الكبرى و الصغرى على حد سواء، وإذ لا يمكن لآلة أو مهنة أو اختصاص أن يقوم بدور الآخر، فلا يمكن لعلم الطب أن يبني المنازل ويمكنه أن يبني الأبدان والعكس صحيح مع علم الهندسة، وكما لا يمكن للعلمانية أن تتدخل في الشؤون الروحية للأفراد وحتى الجماعات ـ إلا إذا تطاول الدين على الحريات ـ كذلك لا يمكن للدين وهو ذلك المطلق أن يتحكم في العناصر الزمنية المتعلقة بالحرية وحقوق الأفراد إلا من خلال الأساليب السلمية المتاحة عبر الحرية وهي الإقناع والتنافس الطبيعي للأفكار.

يضيف الدكتور عبدالوهاب المسيري:

"ولكن، كما يقول الدكتور مراد وهبة، كل هذه عبارة عن معلول لعلة، أي أنه تبدّ (أي تجلي) لمنظومة فلسفية كامنة وراء كل هذه الإجراءات والمفاهيم، ولحسن حظنا لا يتركنا العظمة مع عالم المعلولات المنحصر في نطاق الدائرة الصغيرة، الذي قد يعني انحسار الدين، ولكنه لا يعني التصدي لقضية الإيمان والمرجعية الفلسفية والمعرفية النهائية للمجتمع، بل نجده يوسع من نطاق تعريفه فيتحرك في مجال أوسع من وجه العلمانية السياسي، فيتحدث عما يسميه ((وجه العلمانية المعرفي)) ويصفه بأنه ((نفي الأسباب الخارقة عن الظواهر الطبيعية والتاريخية))، وهو ما يعني الاكتفاء بالأسباب  المحسوسة المادية وقوانين الحركة، كل هذا يعني الإيمان بـ((دنيوية هذا الواقع، وحركيته وتحولاته))، أي ماديته الكاملة (مرجعيته المادّية)." ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 73

إن التطرف من قبل كلا الطرفين ـ خصوصا المعادين للعلمانية ـ هو الذي أدّى بالنهاية إلى إفشال المشروع العلماني في العالم الإسلامي والذي ينطق ثقافيا بالعربية على وجه التحديد، وليتخيل معنا أعداء العلمانية والمسيريون عالمنا الإسلامي بـ"مرجعيته الكامنة الإيمانية"!! وهو يتعامل مع كل حدث كوني من خلال هذه "العقيدة الدينية" لتتحول الأنواء الجوية والأخبار و القرارات إلى هوس خرافي، حينها قد نسمع نشرة الأخبار تذيع "اليوم ضربت عاصفة إلهية مدينة القاهرة وأهلكت بإذن الله تعالى إثني عشرة شخصا قيل أنهم ماتوا نتيجة الغضب الإلهي" وخبرا آخر مفاده: قرر أمير المؤمنين وبتوفيق الله وبعد رؤيته للنبي في المنام ليلة أمس أن يضيف دينارا على الراتب الشهري للرعية" وخبرا آخر: "أسقط الله ليلة أمس طائرة للكفار الإنكليز ومات على متنها مائة عدو من أعداء الله.."!! وليتخيل القاريء نوعية المتلقي الذي سينطبع بهذه العقلية، الأكيد أن حربا أهلية ستقوم في دولنا الإسلامية لأن الشعب سينقسم إلى "مؤمن وكافر" و"دار إسلام مواجهة لدار الكفر"، ولن يكون للفصل الشكلي بين السلطات والذي أقره المسيري إلا فصلا ساذجا كالذي يقوم بين الإنتحاري والذبّــاح والجلاد في الحكومة الدينية "الإسلامية" التي ستهيمن على كل شيء.

يضيف المسيري:

"وانطلاقا من هذا يرى العظمة أن العلمانية تؤكد ((أولوية اللا نهائية))، أي اعتبار حركة المجتمع حركة مستمرة لا نهايات ولا  غائيات لها، ((حركة منفتحة أبدا على التحول))، ولذا فهو لا يرفض الرؤى الغيبية فحسب، وإنما يرفض أيضا ((الرؤى الماهوية))، أي أنه ينكر وجود الماهيات والثوابت والكليات والغائيات، وهذا يعني أنه قفز قفزة واسعة للغاية إلى عالم ما بعد الحداثة، إن المنطق الدّاخلي لأطروحته وتضميناتها الفلسفية ينطوي على رفض للتعريفات التي تمكث داخل نطاق الدائرة الصغيرة لا تتعداها، مثل تعريفات خلف الله، وحسين أمين، وفؤاد زكريا، ومحمود أمين العالم." ـ المصدر ص 73

لا أريد ها هنا أن أدافع عن كل المنظـّرين العلمانيين، فقد لا أوافقهم على بعض استنتاجاتهم وربّما اعتبرها "نقيضا" للعلمانية ـ كالشيوعية التي اعتبرناها دينا بلا إله ولا أدري إن كان هناك من سبقنا إلى هذا الاستنتاج ـ ولكن المسيري ومعسكره لا يستوعبون أو أنهم لا يريدون إستيعاب فكرة "العقل الحر"، وأن الإلحاد له الحق في التعبير عن نفسه كأي فكرة أخرى، فعلى سبيل المثال ينظر المتدينون إلى "نيتشه" ـ الفيلسوف المعروف ـ نظرة كراهية وخصوصا بسبب عبارته المشهورة عن "موت الإله"، فإعلان موت الإله تبدو لنا جميعا كأناس نحظى بثقافة سطحية، كلمة إلحادية تعلن وبصراحة "موت الإله" وهو ذلك العنصر الذي يوحد غالبية الأديان، لكن ماكس فيبر يرى أن "نيتشه" هو مؤمن لا يختلف عن غيره، وأنه أعلن "موت الإله الخرافي" وولادة الإله الحقيقي الذي يظهر بوضوح في حركات وقوانين هذا الكون المتناسق والفريد، إن المسيري لا يختلف مطلقا عن عزيز العظمة من ناحية تبسيطه التعريفات إلى حدّ أن تصبح التعريفات مجرد مصطلحات وتعريفات "إنتقائية" ومزاجية، والنتيجة أن الباحث ـ في كلا النمطين ـ يخلص إلى النتيجة الـّتي يريدها هو لا كما هي الحقيقة الموضوعية الواقعية، ولأن الواقعية المطلقة غير ممكنة أو مستحيلة، فإن الحرية التي تتوفر في ظل العلمانية هي القادرة على تقريب الصورة الواقعية إلى المجتمع ككل.

يضيف المسيري:

"ثم يتحدث عزيز العظمة عما يسميه ((وجه العلمانية الأخلاقي)) (أي أنه يتحرك من المجال الفلسفي المجرد إلى المجال المجتمعي المتعين) وسنجد المادية والحركية والسيولة نفسها، فجوهر المنظومة الأخلاقية العلمانية ـ من وجهة نظره (يقصد المسيري الدكتور العظمة) ـ هو عدم ربط الأخلاق بالثوابت، وإنما ربطها بالتاريخ والزمن (المعطى الزمني المادي المباشر ـ الأمر الواقع ـ الظروف الموضوعية)، لكن العظمة يتحدث ـ مع هذا ـ بعد ذلك عن ربط الأخلاق والوازع بالضمير بدلا من الإلزام والترهيب بعقاب الآخرة، ومن حقنا هنا أن نسأل ـ نحن الّذين سمعناه يتحدث عن التاريخ والزمن باعتبارهما مصدر الأخلاق ـ من حقنا أن نتساءل عن ماهية هذا الضمير، وهل هو أيضا خاضع للزمان والتاريخ، أم مستقل عنهما.." ـ المصدر السابق ص 74

إن الإنسان هو كائن متغير، والدين نفسه ـ وهو ما ينطبق على كل الأديان ـ ظاهرة مرتبطة بالتاريخ ويشهد تحولات عضوية، وإذا كان المسيري يقوم بدور "الواعظ" الحريص على الدين كركيزة اجتماعية وأن المجتمع، بحسب ما يخوفنا به المسيري ومعسكره، سيشهد انهيارا كليا في ظل العلمانية، وهو الاستنتاج المسبق والمعد للوصول إليه، هو بالتأكيد استنتاج خاطيء، فالمجتمعات المتدينة "الطقوسية" لا تقل إجراما أو لربما حتى أكثر ارتكابا للجرائم، وغالبية هذه المجتمعات لا تمتلك إحصاءات حقيقية لهذه الجرائم وغالبا ما تقيد الجرائم كأحداث عرضية ـ قضاء و قدر ـ أو يتم التعتيم عليها حكوميا وشعبيا، بالتالي فإن الضمير المبني على الأساطير والخرافة أو التهديد بعذاب الآخرة، كانت تنفع في الماضي حينما كانت الإنسانية تعيش حالة اللا وعي أو الوعي الطفولي، فالبشرية قديما كانت أشبه بالطفل الذي كان يرى في والديه ومربيه أناسا مقدسين مثاليين، لكن في عصر العولمة Globalization لم يعد هذا مفيدا وأصبح التراث الديني بأكمله معروضا على الشعب دون أن يبقى محصورا بأيدي أناس مختصين "الكهنة واللاهوتيون"، وطبيعي أن التراث الذي هو خالق وصانع الضمير الديني ـ الذي يبشرنا به المسيري ـ وبالتأكيد أيضا أن صياغة النص المقدس ـ إختيار النسخة الحقيقية من دون المزيفة ـ هو أمر إنساني بالكامل، ففي العهود القديمة انتقلت التوراة من طور إلى طور ومن ترجمة إلى أخرى، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأناجيل والعهد الجديد، حيث تم اختيار أربعة أناجيل ككتب مقدسة من بين مئات، والأمر نفسه بالنسبة للقرآن، فقد سمح النبي بقراءة النص القرآني وفق لهجات عدة، ولكن عثمان ـ الخليفة الثالث ـ أحرق كل النسخ وأبقى على النص المكتوب بلغة قريش، وبالإضافة إلى ذلك نجد النص المقدس الآخر "الأحاديث والسيرة" تختلف مصادرها من جيل إلى آخر، وبينما كان العصر الأول لا يعرف شيئا عن كتب الصحاح، أصبحت هذه الكتب مصادر ـ تحتكر ـ نسبة الأحاديث والسيرة.

إذا لا يمكن للمسيري أن يطلب منا أن نفقأ الأعين ونصم الآذان عن كل هذا التراث الضخم من الأسئلة، من أجل الإبقاء على شخص على حافة الموت اسمه "الضمير"!! فالبشرية الآن بحاجة فعلية إلى أن تخلق لنفسها ضميرا، والدول التي يسود في التراحم = التزاحم هي دول غير مستقرة وغالبا ما تخفق في بناء حضارة، فمعلوم، أنه لو لا الغرب لبقي عالمنا الإسلامي غافلا عن التطور و نتاجاته وعن وسائل التنقل والطاقة والتواصل وكلها من نتاج "الثورة العقلية" التي لولاها لما كان متاحا للمسيري أو غيره أن يصبح كاتبا تتحدث عنه مجتمعات بأكملها وتناقش آراءه.

سهيل أحمد بهجت ـ الولايات المتحدة

www.sohel-writer.i8.com
www.sohelahmedbahjat.blogspot.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط