سهيل أحمد بهجت / Jun 25, 2010

العلمانية كنظرية و نظام عقلاني تمثل درجة عالية من الرّقي العقلي والعلمي الإنساني بحيث يعيش الإنسان في ظلها آمنا مطمئنا إلى أن يفكر دون خوف من الحساب أو القتل، بل إن عبد الوهاب المسيري نفسه ـ وهو الذي قضى حياته ناقما عليها لكونها غربية المنشأ ـ حظي بنوع من فتاوى التكفير، ليكون فكره ذاته ضحية عقلية المثاليات والمطلقات التي يُنـــظـّر هو لها، فالعلمانية الحقيقية ـ وهي غير الدولة الإلحادية ذات الدين بلا إله ـ لا تجبر أحدا من مواطنيها على أي عقيدة، حتى تلك الإلحادية منها، فالعلمانية هي نسبية الحقائق وهو ما يعني إتاحة المجال أمام العقل لاكتشاف الحقيقة والمنفعة دون حكم مسبق عليها بالخير أو الشّرّ، فبدون إضافة الإنسان إلى الموضوع لا معنى للجمال والقبح في الأشياء بدون وجود الإنسان الذي هو المقياس، ونحن نجد الكتب السماوية كيف أنها تبدأ في ربط الله و الوجود بالإنسان وقصة خلقه، من هنا كان جدال القدماء من المسلمين في أسبقية العقل على النصّ أم أن العكس هو الصّحيح، والحقيقة هي أن الحقيقة الدّينية نفسها هي من صنع الإنسان الذي يلائم بين الدين والانتفاع من هذا الدين ـ حسب الحاجة طبعا ـ ومن هنا يحصل التوازن بين طغيان مظهريّ الحقيقة وهما المادة والروح ويكون الإنسان حرا على أساس هذا التوازن.

وهنا يحاول المسيري أن يستخلص نوعا من التناقض في فكرة الثنائية التي تجمع بين المادة والروح فيما سبق من الأطروحات، فيقول:

حتى الآن نتحرك في إطار رؤية فلسفية مادية واضحة، يحاول صاحبها أن يدفع بها إلى نهايتها المنطقية حين يقوم بتطبيقها على الواقع الاجتماعي فيقول ـ يعني محمد رضا محرم ـ ((العلمانية من العالــَـم، والعلماني هو الإنسان.. المشغول بأمور المعاش في الدّنيا، ويقابله الكاهن المنقطع في المؤسسة الدّينيّة))، فكأننا نقف هنا أمام نقيضين بسيطين متطرفين، إنسان منشغل بأمور الدنيا، وكاهن مستوعب في أمور الآخرة، وبطبيعة الحال يفضل الدّكتور محرم الانشغال بأمور الدّنيا وحسب، ((ومع شطب الكاهن من جماعة المسلمين، لا يبقى غير المسؤول بأمور المعاش في الدّنيا))، أي أن كل الناس في العالم الإسلامي مشغولون بأمور الدنيا وحسب، ومن ثم يصل محمد رضا محرم إلى نتيجة مذهلة وهي أن: ((كل المسلمين بالتالي علمانيون)) ولكن حيث أن الانشغال بأمور المعاش مسألة إنسانية عامة، فإن محمد رضا محرم لا يتردد في القول: ((إن الناس علمانيون بالفطرة))، أي أن العلمانية مسألة لصيقة بالطبيعة البشرية، وهذا هو المسار الطبيعي للحضارة الإنسانية، مما يعني أن العولمة مسألة حتمية هي الأخرى." المصدر ص 68

وبعد أن يورد اشتراط الكاتب محمد رضا محرم وجود العلمانية في نسق قيم إيجابية، فإن المسيري يبدأ في الإشكال على أن هذا تناقض من حيث أنه رأى مسبقا أن العلمانية هي الإلحادية ولا تقبل مقياسا غير المقياس المادي للحياة، لكن المسيري يتجاهل أن النظرية الدّينية لها جانبها السلبي من حيث الإيمان بالقدر الحتمي وأن لا حدود ملموسة بين الإيمان الديني و الغيب وبين الخرافة والأسطورة، تنبهت إلى هذا الإشكال منذ سنوات حينما ناقشني أحدهم في قصة عن ركوب سليمان للرخ أو العنقاء وحينما ناقشته في أن هذا الطائر هو "خرافة" أفحمني بمنطق الغيب والمعجزات، والغريب أن النبي سليمان إلتقى بهارون "الرّشيد"!! العباسي، من هنا فإن من طبيعة العلم أنه يقوم على الشّك ولأن مجتمع أبو حامد الغزالي كان مجتمعا عقليا علميا فقد بدأ الغزالي رحلة طويلة من الشّك، لكن ردّ فعله كان سلبيا تماما تجاه العقل، وهنا نجد أن الدكتور علي الوردي وقع هو الآخر ضحية موقف الغزالي من العقل، فالعقل عند الدكتور الوردي حاله حال الأعضاء الأخرى للإنسان هو مجرد أداة للبقاء، لكن الإعتراض المهم على الدكتور الوردي هو أن العقل كمفهوم يختلف في الوعي الإنساني من عصر إلى آخر، فالإنسان انتقل من الخوف من الطبيعة إلى الإيمان بالهيمنة على الطبيعة وفي النهاية يصل إلى أن العقل رغم عظمته ينبغي أن يعترف بجوانبه المحدودة والنسبية.

إن العلمانية تعترف بالدين من حيث تخليص الإنسان من نهايته إلى الفراغ ولكن لا يمكن لرجل الدين استغلال وظيفته ـ المتعلقة بالانتهاء إلى عالم الغيب ـ من أجل تحقيق أهداف دنيوية وهو ما رأينا للقرآن موقفا واضحا وقطعيا في فصل الدين وهو وسيلة نبيلة للخلاص لتحقيق ربح نسبي محدود، ولا يمكن للعلمانية أن تتحول إلى دين ـ بالرغم من أن الدين نفسه يصدر أجوبة متناقضة وكثير من أجوبته تعكس قناعاتنا الشخصية أكثر من كونها نتاجا للنص المقدس نفسه، خذ على سبيل المثال الدكتور علي شريعتي الذي كان معروفا بتديُّنه وكان يترحم على أستاذ فرنسي "مسيحي" ويرجو له الجنة، بينما كان بعض الملالي في الحوزة من ذوي العقول التقليدية يعتبرون موقفه هذا خروجا من أساسيات الإسلام، وهكذا نرى أن النص الدّيني نفسه قابل للتأويل الإيجابي والسلبي على حد سواء.

يقول الدكتور المسيري:

وإذا كان هناك ثمة تأرجح بين الدائرتين في تعريف محمد رضا محرم، فإن تعريف مراد وهبة واضح تمام الوضوح، صـُلب تمام الصلابة، فهو يذهب إلى أن ((الفصل بين الدين و الدّولة)) (الدائرة الجزئية الصغيرة) هو مجرد معلول لعلة، هذه العلة هي الرؤية الشّاملة الكامنة (الدائرة الأكبر) وراء مثل هذه الإجراءات، فيذهب إلى أن العلمانية هي ((تحديد الوجود الإنساني [كل الوجود الإنساني] بالزمان والتاريخ))، وهو يوضح لنا ماذا يعني يقوله هذا حين يقرر أن العلمانية هي ((التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق)).." العلمانية تحت المجهر ص 69

إن هذا النص المنقول من قبل المسيري عن كتاب "الأصولية و العلمانية" ص 58 لمؤلفه مراد وهبة إنما يوضح حقيقة تطور الوعي الإنساني عبر أجيال و عصور من الجهل والمعرفة وإعادة صياغة المعرفة، ولربما يأتي زمان على الإنسانية تنظر فيه إلى عصرنا هذا المليء بالمخترعات والآلات العجيبة كنظرتنا اليوم إلى إنسان العصر الحجري أو القرون الوسطى وعصور الظلام، فالعلم لا يقاس بمقياس الحسن والقبح ـ كما يريد لنا المسيري أن نقيس ـ ولا يجوز لنا أن نصف العلم بالشر كما يفعل المسيري الذي اعتبر العلم والوعي والفلسفة "خطيئة" كما هو واضح من انحداره من نقد "العلمانية" كفكرة فلسفية مجردة لينتهي بسلبية الحضارة وكل المنجزات الحديثة ـ وأعتقد أن سلبيتها عنده تكمن في كونها غربية ـ ولحد الآن نحن ننتظر أن تخترع مجتمعات "التراحم" و"التدين" سيارة تسير بقراءة الفاتحة أو طائرة تطير بحمد الله!! ونحن هنا لا نتهكم بالدين بقدر ما نسخر من الإساءة إلى الدين عبر خلطه بشؤون هي قطعا منفصلة تماما عن اختصاصه الروحي والنفسي.

إن قُبح العلم أو جماله وكذا التطور والاستنارة إنما تطلق بمقدار استفادة الإنسان منها أو تعرضه لأذاها، إن العلم والتنوير في الحقيقة هما شيئان إيجابيان وإن لم ترق بعض نتائجها للإنسان، إن مسألة موقف الإنسان من الحقيقة الواقعية وإن كانت مؤلمة أحيانا إلا أنها أفضل من الجهل على كل حال، وينطبق هذا المثل على المرأة التي تحسب أن زوجها عفيف ولا ينظر بنظرة الحب إلا إليها ولكن الحقيقة والواقع هو أن زوجها يخونها مع أخريات ويغدق عليهن المال، فيا ترى هل يريد المسيري لهذه المرأة أن تبقى جاهلة بالحقيقة وسعيدة ؟ و كيف يمكن أن تبقي هذه المرأة نفسها جاهلة بالواقع؟ مع أن العلم والإدراك والتمييز هي من جملة الأمور غير الاختيارية، وحتى لو تظاهر الإنسان بغير هذا فهو إنما يتجاهل الواقع ولا يجهله، والقرآن نفسه صرح بوضوح لا لبس فيه أن الإنسان العالم أفضل من ذلك الجاهل، كقوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} الزمر 9 {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} الأنعام 50 {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} هود 24 {هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} الرعد 16 و هكذا نجد النصوص المقدسة نفسها تؤكد على التساؤل والبحث، والتوراة أيضا تحوي سفرا عظيما من هذا الصنف هو سفر الحكمة الذي يبدو ظاهريا ككتاب إلحادي يسم كل شيء بالبطلان إلا أنه في الواقع يشحذ الذهن بالأسئلة المنتجة.

إن إنسانية الإنسان تكمن في واقعيته، وإذا فقد الإنسان حس الواقعية بحجة "المرجعية المتجاوزة" وما إلى ذلك، تجده يفتقر إلى تشخيص المعاناة والمشاكل التي يعيشها الإنسان ويقع في النهاية ضحية "القدرية الوهمية المتفائلة" وبالتالي يعالج كل كارثة طبيعية أو انتشار وباء أو سقوط ضحايا نتيجة سياسة حكومية غبية بالعلاج السحري السريع وهو وصف المشكلة بأنها "إرادة الله" و"حتميات القدر" و"نصيبك لازم يصيبك" وغيرها من الأكاذيب التي ظاهرها إيمان كامل وباطنها كفر شامل، إذ تصبح كل الشرور والآفات نتيجة "الإرادة الإلهية" ويكون الله حينها ـ حسب مفهوم المسيري وغيره ـ ضارا أكثر من كونه نافعا.

فالمسيري يحتج على مراد وهبة وتعريفه للعقل بأنه "العقل الذي لا يتجاوز العالم، ولا يتحرك إلا في إطار النموذج الطبيعي/ المادي، وهو نموذج عام لا يعرف الخصوصيات ولا الثنائيات، ولا يفرق بين حيز إنساني وآخر طبيعي/ مادي، يردّ كل شيء إلى المادة، والمادة وحدها.." المصدر السابق ص 70

وهذا الاتهام ـ الذي يؤشر إلى تمسك المسيري بالخصوصيات دون المشتركات بين بني الإنسان ـ يوقعنا في نفس النظرية التي كان ينتقدها، أي النازية وما أسماه بالصهيونية التي يعتبر أنها تنادي بالخصوصية القومية و التمايز، فمن جهة اعتبر أن الإنسان هو حيز مستقل عن الطبيعة وأن الإنسان ومن خلال هذا السياق النظري هو متعال و منفصل عن الطبيعة رغم امتلاكه لخصائص الطبيعة من حيز وإدراك ووعي وحواس وغريزة و ما إلى ذلك، لكن هذا الإنسان ينقسم مرة أخرى عبر النظرية المسيرية إلى متعال ومنحط وناقص، فالإنسان الذي لا ينسجم مع تعريفه للدين ـ والذي قيّد الدّين مسبقا في عقيدة بعينها ـ هو إنسان مادي (ذو بعد واحد) كما يسميه المسيري، وهو يترك أمر معالجة هذه الإشكالية إلى غيره، إن المسيري إذ ضيق مفهوم المتعالي ليشمل فقط "الإسلام السني السلفي" أعادنا القهقرى إلى القرون الوسطى والحكم الديني الذي يحاسب الناس على أفكارهم ونمط حيواتهم، وسنرى كيف أن تنظيره يناقض نفسه بنفسه ليكون تنظيره "للهوية" و"الخصوصية" تكرارا ممجوجا لكل الخطاب الخطاب الإسلامي والقومي المتقوقع حول الذات.

 www.sohel-writer.i8.com
www.sohelahmedbahjat.blogspot.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط