سهيل أحمد بهجت / Jul 10, 2010

خلال مقالاتنا السابقة رأينا الكاتب الراحل عبد الوهاب المسيري يتنقل بين عدة نماذج في نقده للفكر العلماني العربي محاولا نقد أطروحاتهم ومن ثمّ ينتقل بنا المسيري إلى الكاتب السوري هاشم صالح (المقيم في باريس ـ لا أدري أن كان المسيري أشار إلى هذه النقطة على سبيل الطعن!!)، يبدو واضحا وجليا أنه ـ أعني المسيري ـ يكره كل ما له علاقة بالتصوف فيقول: ويتحدث الكاتب السوري هاشم صالح... عن: "أوروبا علمانية، متحررة، عقلانية، لا أثر للأصولية الدينية فيها"، كما يتحدث عما يسميه "معجزة الحداثة" وعن "حظ أوروبا وسرّ تفوقها على بقية سكان العالم، ونجاحها الذي يخطف الأبصار"، بعد هذه الغنائية الصوفية القصيرة في وصف المعجزة العلمانية بنورها المتدفق، يبيّن لنا هاشم صالح النموذج الكامن وراء هذه المعجزة، وهو اندلاع أكبر ثورة علمية وروحية في تاريخ البشرية في أوروبا، أتت بما يسميه "الصورة العلمية"، وفي توضيحه لهذه الصورة العلمية يعطينا هاشم صالح ملامح النموذج الكامن وراء العلمانية كما يُعرّفها بأنها ((صورة الكون الفيزيائي الموحد الخاضع للقوانين [والمرجعية] الصارمة للفيزياء الرياضية... هذه الفيزياء الرياضية تفسر الظواهر كافة، سواء في مجال العلوم الطبيعية، أم في مجال العلوم الإنسانية))، أي أن معجزة الحضارة الغربية وسر نجاحها وتقدمها يكمن في أن الإنساني يخضع للقوانين الصارمة للفيزياء الرياضية (وهذا في تصورنا ـ المسيري ـ هو تفكيك الإنسان الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى اختفائه)." ـ العلمانية تحت المجهر ص 70 ـ 71

فلنحاول الآن أن نتجاوز النقاش اللفظي السطحي إلى عمق الأفكار، لنجد أن المسيري ـ وهو كذلك في كل أبحاثه ـ لا يحمل مشروعا فكريا لتحرير الإنسان انطلاقا من الفرد الذي تكون حصيلته تحرير المجتمع وتقلص مساحة الفساد Corruption في الدولة بفضل التفكير الحر، فنجد النظام الغربي العلماني العقلاني يتيح للمواطن ولمجموع الأفراد حق التعبير بكل حرية ونقد السلطة بدون حدود أو ضوابط، بمعنى آخر فإن الدولة "المعلمنة" لا تكون شخصا يزاحم المواطن فتسجنه و تحجب رأيه بشتى الحجج، لأن القانون الطبيعي ـ كما الديني أو أكثر ـ يعتبر أن الكل متساوون في الحقوق الأصلية وأن الإنسان الفاقد للعقل أو القدرة (على سبيل المثال) يمتلك حقوقا أساسية مثل الناس الطبيعيين ولكنه فقط يفتقر إلى الأهلية لتطوير الذات، فلا يمكن لذوي الذكاء المحدود أن يقوموا بأعباء وظائف تتطلب درجة عالية من الذكاء، ومرة أخرى نعود إلى أن المسيري ورغم كونه وضع يده على سلبيات ضمن الفلسفة الغربية والعلمانية لكنه يفتقر دوما إلى البديل العملي، فمثلا ظهرت أولى السيارات ذات المحركات في نهاية القرن 19 وفي أوروبا وأمريكا تحديدا، ولكن هل كان هناك من بديل فعلي واقعي للتنقل غير هذا النمط الغربي الذي أدرك وظيفة المادة الميكانيكية واختلافها كليا عن وظيفة الدين والروحانيات، لكننا سنرى كيف أن المسيري سيعتبر "التطور" و"التنوير" بحد ذاته آفة ومثلبة للغرب وبالتالي يصبح "الأعمى" أفضل من ذلك "المبصر" الذي يرى مدى القبح الذي يوجد في هذا العالم وبحجة أن الأعمى "لا يرى القبح" ومتناسيا أن الظلمة التي يعيشها الأعمى هي القبح الحقيقي لأن هذا الظلام "القبيح" يمنعه من تجميل الواقع و تغييره.

لقد بنى الأوروبيون حضارتهم ومنذ أمد بعيد، في العصر اليوناني حيث كان يتناقش سقراط والسفسطائيون وأفلاطون وأرسطوطاليس وغيرهم كثير، كان كل هؤلاء رغم اختلاف مشاربهم الفكرية والعملية يتفقون على حقيقة واحدة وهي أن من حق الإنسان أن يطرح الأسئلة وإذا كانت الكتب المقدسة تخبرنا أن الأنبياء طرحوا الأسئلة على الذات الإلهية فلماذا لا يحق لنا أن نطرح الأسئلة على البشر، فعالمنا الواسع المادي هو من التنوع إلى درجة أننا نعجز عن إحصائها، وهنا يصدق مثل إيراني جميل يقول "أن الطرق المؤدية إلى الله هي بعدد خلقه"، بينما ضيق المسيري التعريف الذي يصف المرجعية الفكرية الدينية إلى أبعد الحدود، وبالتالي لا يمكننا أن نتطور ونحن في الوقت ذاته نفرض أحكامنا المسبقة على المادة وعلى الإنسان وبالتالي ننصح الإنسان أن يبقى جاهلا بالحقيقة لأن "الحقيقة قبيحة" وهو أعجب رأي خرج مفكر!! لكن له أمثلة مشابهة في عصور الظلام الإسلامية حينما كان يُنظر إلى المعرفة على أنها "خطرة".

ثم ينتقل المسيري إلى الاستشهاد بكاتب آخر فيقول:

"وقد استخدم الكاتب السوداني عبدالسلام سيد أحمد صورة مجازية، قريبة من صورة الدائرتين المتداخلتين التي نستخدمها، لوصف العلاقة بين التصورين الجزئي والشامل للعلمانية، إذ أنه يرى أن العلمانية مكونة من دوائر ثلاث متداخلة، أما الدائرة الأولى (ولنسمها ـ المسيري ـ "علمنة السياسة") فهي مبدأ فصل الدين عن الدولة، أي أنها علمانية تنطبق على عالم السياسة وحسب، وتلزم الصمت بخصوص الحيز غير العلماني والثنائيات والمطلقات والمرجعيات غير المادية، أما الدائرة الثانية (الأكثر اتساعا) فهي العلمنة الفكرية ((المتمثلة في بروز الفكر العقلاني الطبيعي)) (المرجعية المادية)، ثم يتحدث بعد ذلك عن الدائرة الثالثة (التي تشمل الدائرتين الأخريين) التي يسميها ((العلمنة الاجتماعية)) (أي تطبيق الرؤية العلمانية الشاملة على النشاطات التي تجري في المجتمع) ويُعرّفها بأنها تقوم على إحلال منظومة متكاملة من القيم والأخلاق والعلائق الإنسانية أو "الإنسية" مقابل "الدينية"، وهكذا ننتقل من التعريف الجزئي إلى التعريف الشامل، ومن الدائرة الصغيرة ذات النطاق المحدود إلى الدائرة الكبيرة ذات النطاق الكلي الشامل." ــ العلمانية تحت المجهر ص 71 ـ 72

إن تعميم العلمانية بحيث جعلها نظرية شاملة يدخل ضمنها "الإلحاد" أو "ضد الدين" بعبارة أخرى، هو من أكبر التجني على العلمانية، فقد يكون متدين أو رجل دين أقرب إلى العلمانية من ذلك المادي الذي لا يؤمن إلا بقانون الطبيعة الصارم والتقليدي، فقد كان البروتستانتيون وأولهم "مارتن لوثر" من أوائل من دفع باتجاه العلمانية حينما دفع بالمجتمع إلى الثورة على الكنيسة الكاثوليكية وسلطة البابا وحاشيته الذين كانوا يستغلون الدين لمصالح سياسية ودنيوية، كما أن البروتستانتية وُفقت تماما حينما دعت إلى إعطاء الفرد الحق في الوصول والخلاص الفردي ـ بدون وساطة رجال الدين ـ وهي فكرة قد تكون وصلت إلى الكنائس من خلال احتكاكهم بالمسلمين، ولكي تتوضح الفكرة أكثر ننقل ما يلي عن كتاب "تاريخ أوروبا الحديث" لمؤلفه "جيفري براون" حيث يقول:

"والحق أن الحياة المادية والفكرية في الخمسين سنة التي سبقت الثورة البروتستانتية في ألمانيا كانت شديدة التناقض فقد تقدمت العلوم من جهة واشتدت رغبة الناس فيها كما فرح الجميع بفن الطباعة الحديثة وما كان يحمل إليهم من آثار النهضة في إيطاليا ومن أخبار العالم الجديد وراء البحار، وأصبح تجار ألمانيا الأغنياء موضع إعجاب الآخرين، بما جمعوا من مال وما كانوا يتمتعون به من رخاء أو يصرفونه في سبيل تشجيع الفن والأدب وتشييد المدارس والمكتبات. ومن الجهة الثانية ازداد سخط الناس وانتشرت الفوضى في البلاد وكثر الشحاذون في جميع الأنحاء، وسادت الخرافات، وقست القلوب فلم يبق فيها محل للرحمة والإحسان، وفشلت كل المساعي لإصلاح الحكومة، وجاءت الأخبار بتقدم الأتراك على العالم المسيحي، وصار البابا يطلب من سكان ألمانيا أن يتضرعوا إلى الله في صلواتهم كل ظهيرة عندما تضرب الكنائس نواقيسها لينقذهم من شر الأعداء الكفرة. وعندما نبحث عن الظروف التي أدت إلى قيام الثورة البروتستانتية، فإننا نجد أمامنا جملة من العوامل نذكر منها:

1 ـ التحمس الشديد لجميع مظاهر الحشمة والمراسيم القديمة التي كان يظهر بها الدين والاعتقاد المتين بالحجج والمعجزات وبزيادة المقامات الدينية، وهذه الأشياء التي أسرع  البروتستانت إلى نبذها والإعراض عنها.

2 ـ الميل القوي إلى قراءة الإنجيل والاعتقاد بأن الإيمان وحده ينقذ الإنسان من الخطيئة لا الحركات والمظاهرات الخارجية الرسمية.

3 ـ الاعتقاد بأن علماء اللاهوت أضافوا إلى الدين تعقيدات لا طائل من ورائها بإكثارهم من التعاريف المنطقية الدقيقة.

4 ـ و أخيرا شيوع الفكرة القديمة العامة بأن رؤوساء الدين في إيطاليا وفي جملتهم البابا لا هدف لهم إلا جمع المال من الألمان الذين كانوا في نظرهم سخفاء يسهل إقناعهم والتلاعب بعقولهم.

كان رجال النهضة الألمان بين الصفوف الأولى من طلائع المنتقدين، وأولهم (رودولف كريكولا)، وهذا وإن لم يكن أول من درّس العلوم القديمة فقد كان أول من حمل الناس على دراستها لما كان لشخصيته من قوة و جاذبية. ويختلف رودولف عن جميع معاصريه بأنه كان شغوفا باللغة القومية ـ يقصد الكاتب اللغة الألمانية التي كانت مهملة من الكنيسة ـ بالإضافة إلى ولعه باللغة اللاتينية والإغريقية، داعيا إلى ترجمة الآثار القديمة إليها." المصدر ـ ص 179 ـ 180

وكما ترى عزيزي القاريء، فإن المسيري يتجاهل الدور السلبي للدين الطقوسي ـ ولا نعني الدين الفلسفي الروحي ـ في تسريع عملية الفصل بين الدين والدولة والتي تمت بموازاة علمنة الفكر وتنقية العقل من الخرافة والذي كان ـ ولا زال في كثير من المجتمعات ـ يفسر الكوارث بالإرادة الإلهية والغضب الإلهي، بل إن الصراع بين منطق العلم والدين الخرافي الطقوسي امتد حتى إلى عصر فولتير والزلزال الذي ضرب أسبانيا مما دفع البابا إلى الزعم إلى أن "هذا غضب الله حاق بأعداءه"، من هنا نجد أن الدين نفسه في أوروبا كان دافعا ومحركا نحو تحرير الدين من السلطة السياسية أو العكس، أي إستغلال رجال الدين للسياسة، من هنا يحاول المسيري إيهام القاريء بأن كل ما تم كان "لدوافع مادية بحتة" وأن الدين انضم إلى المعسكر العلماني كحصيلة لهزيمته، بينما العكس هو الذي حصل، حيث قرّر أغلبية المسيحيين تحرير الدين من مستغليه رغم أن ذلك استغرق وقتا طويلا.

www.sohel-writer.i8.com
www.sohelahmedbahjat.blogspot.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط