محمود كرم / Mar 19, 2006

يقول الشاعر الانجليزي تي أس إليوت: وحدهم الذين يقومون بالمجازفة يمكن أن يكتشفوا إلى أي مدى يمكنهم البلوغ..!!

أتساءل حقيقةً هل المجازفة في اجتراح الأفكار واختراق مناطق التفكير المحرمة واكتشاف جغرافيات الفكر البكر تقودنا إلى بلوغ حقيقة الأشياء وماهيتها، وبالتالي يصبح علينا أن نعرف كم هو مقدار تأثرنا بها أوتأثيرها علينا ودرجة تماهينا معها أو تماهيها معنا..؟

المجازفة كفعل شديد القسوة في دفع الذات باتجاه التخلي عن التشبث بالقناعات التي تكون مهلكة لممارسة التفكير الحر حسب قول أميل سيوران (القناعات أكثر شراً من الأكاذيب)، فقد تكون المجازفة في هذا الاتجاه ممارسة ثقافية قاسية جداً، ولكنها في ذات الوقت فعلٌ واع ٍ جميل، لأنها لا تستسلم لنمطية الأشياء ومحتوياتها وتأثيراتها بل تذهب بعيداً بالتفكير نحو معراج آخر تتحتم فيه ممارسة الخلق الابداعي على أنه واحد من مهام الفعل الإنساني في تجلي الأشياء من حولنا..

وتذهب المجازفة على إنها المعراج الأكثر تعلقاً بالمغامرة من فعل الركون لنداءات الذات القابلة للسكون والوهن والانكفاء الداخلي، من حيث نزعتها الإنجازية في تحويل الأشياء من عالمٍ متخيل إلى عالمٍ مسكون بطاقة التماهي مع حركة الأفعال والممارسات لنتحسس عمق وجودها في الواقع..

لذلك أجد أن المجازفة في مسارات الفعل الثقافي يتطلب الانعتاق من سلطة القناعات والقذف بها في ميادين التفكير الحر المفتوح على كل الاحتمالات والاتجاهات والانساق المختلفة..

وربما من الخطأ الفادح أن نعتقد دائماً أن المجازفة تقودنا إلى بلوغ حقيقة الأشياء، لأن الحقيقة لا تتنزل من فضاء الأشياء ولا تُبعث لنا من السماء من فوق، بل تظل محلقة في الفضاءات الرحبة وفي تموجات الفكر الإنساني وفي غور الشك الموضوعي، وهيَ كالمستحيل قد نصل إليها في لحظة من ارتعاش الذهن بشرارة التأملات، أو نبقى نلاحقها (الحقيقة) من طور إلى طور آخر قد يكون أكثر إيلاماً للنفس الفائرة بهاجس البحث والشك وخلق الأشياء، وفي هذه الحالة، تبقى الحقيقة كما هي الحقيقة ذاتها، المستحيل الأبدي عصية على الوصول إليها أو الإمساك بها في دروب الخلق والتجلي والفعل المكثف بالرؤى والأفكار والتحولات القاسية؛ وعلى الرغم من ذلك تبقى مغرية جداً للطامحين إليها، وقد تكون الحقيقة سابحة في أعماق الشك وممارسته بجمالية داخلية قد تجعلنا نقف على مشارف الحقيقة كما يقول رينيه ديسكارتس:

 (اذا شئت أن تكون باحثا جاداً عن الحقيقة، فمن الضروري ولو لمرة واحدة في حياتك أن تشك في كل شيء ما استطعت..)

والمجازفة في واحدة من مساراتها العديدة هي ممارسة فعل الكتابة على إنها تحدٍ لهيمنة السائد وشرور القناعات وسلطة الفكر الأحادي، لذلك فإن أية كتابة قد نمارسها بوعي أو بغير وعي مسبق أو ننطلق من خلالها للمقاربة من شمس الحقيقة أو نبحث من خلال تفعيلها لتجلي الأشياء، أو نترجم واقعياً من خلالها إصطفاف حشد الأفكار والهواجس في أعماقنا أو هي فعل نعيد به خلق التوازن الداخلي على نحو أكثر اتساقاً مع فهمنا ونظرتنا للحياة وما تحتويها من جوانب شاسعة مترامية الاتجاهات، فالكتابة في كل هذه التمثلات بمثابة مجازفة حقيقية في تجاوز الأطر الساذجة البليدة والدخول بها إلى معترك التصادم مع القناعات والأفكار الاستحواذية على التفكير الحر، وقد تكون الكتابة فعل مجازفة للبقاء على قيد الحياة لأنها تأسيس لأملٍ ما وإنْ كان هو الموت الذي لا ننتبه له كما يقول الأديب الأستاذ اسكندر حبش:

 (لماذا نكتب؟ ربما ليس في الأمر إلا فكرة غامضة، ومن هذا الغموض نحاول أن نؤسس أملا بشيء ما، أمل واه بالطبع، حين نكتب لكي لا نموت، فالكتابة ليست إلا هذا الموت الإضافي الذي لا ننتبه له)

ولا تتوقف المجازفة عند اكتشاف فتح ما في ميدان الفكر والتساؤلات الحائرة بل تتعداه إلى فتح آخر قد يكون تدعيماً للسابق أو نفياً له، ويظل الباحث المدفوع بطاقة المجازفة الدائمة على هذا المنوال من حيث أنه لا يركن إلى اكتشافات سابقة أو لاحقة بل يبقى في مدارات التخلق الفكري محترقاً بالتجدد والبحث وبهاجس المقاربة من الحقيقة.

أن تكون مجازفاً ذلك يعني ربما أن تتحسس الغموض الذي يكتنف الأشياء من حولك وتستنطق محتملاته المكنونة في جنباته وقد تجد ما يجعلكَ تقف على حقيقة ما أو تجد نفسك تحدق في اللاشيء أو الفراغ.

وأن تكون مجازفاً ذلك يعني أن حشداً من التساؤلات القاتلة تحتدم في عقلك وتكتظ بها مخيلتك وقد تصل بك إلى يقين ما أو تجعلكَ رهن الشك المعرفي لفترات طويلة..

وأن تكون مجازفاً ذلك يعني أن ركاماً من سنوات العمر قد تكون قابلة للانتهاك في أية لحظة على يد حلمٍ بالغ الضوء يترائى لكَ كالسراب في منتصف الطريق..

 لا أدري إلى أي مدى تقودنا المجازفة، ولكن علينا أن نتساءل وبجدية صارمة عن السبب الذي يجعل دوائر الاستلاب الفكري التي تمارس أقسى أنواع الوصاية والتسلط الفكري على المثقف المسكون بهاجس التمرد المعرفي على الثقافة السائدة والطامح دوماً للمجازفة الفكرية، لماذا عليهِ أن يبقى مستسلماً لثقافة الصمت وراضياً عن سكوته وقانعاً بوضعه وعليه بالتالي أن يكون مؤمناً بثقافة (دعه يعبر دعه يمر) لخلق ثقافة واهنة ذات عناوين عريضة في التسليم المطلق لوضع الأمة الفاشل، لأن الذي يؤمن بفكر المجازفة وبجدوائية التشكيك وبجمالية التمرد هو المنتج للأنساق الثقافية ذات الفاعلية والتجدد، والصانع لاتجاهات الفكر الرافض لثقافة الصمت، والمُحرك لجملة من المؤثرات الفكرية التي تساهم في صناعة الحياة الإنسانية وتعمل على تحريكها وتفعليها بما تتناسب وجوهر مضامينها الحقيقية في تقدم الإنسان وحريته ووعيه وحقه في الاختيار ومنجزاته الفكرية وحضارته في نهاية الأمر..

من أجل ذلك ولكل ذلك لم أزل أؤمن بأن المجازفة خلقٌ جميل..

محمود كرم ـ كاتب كويتي

tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط