سهيل أحمد بهجت / Mar 17, 2010

إن الدين كونه ذو أبعاد مختلفة عن أبعاد الجسماني لهذا العالم وكونه لا يقتصر على دين واحد ـ بعكس الرؤية التي يريد المسيري وأضرابه تمريرها علينا ـ فالدين نفسه ذو تجليات متعددة بتعدد الإنسان وتاريخه وظروفه مما يظهر بشكل جلي تفاوت التجارب الدينية نفسها، العلمانية بهذا المنطق هو نوع من الفلسفة الحيادية التي تريد نزع صفة العنصرية والكراهية عن الأديان والمذاهب، والمسيري كمثال يحدثنا طويلا عما يسميه "الصهيونية" كنظرية متطرفة لليهودية ولكنه يتغافل ويتجاهل العنصرية الإسلامية التي تريد اليوم إدخال العالم في نوع من الصراع الذي لا نهاية له، وابن تيمية ـ الذي يمثل المتطرفين من السنة ـ كمثال، يؤمن بأن طاعة "الحاكم الظالم" واجبة وأن "الجهاد ـ الحرب المقدسة" واجبة تحت رايته إلى قيام الساعة "نهاية العالم"، بالتالي فإن هذا النقد الأعور للعلمانية يشكو من العمى من عدة جوانب، فهو يتجاهل نقد الذات "المسلمة + العربية وغير العربية" ويتجاهل نقد سلبيات العلمانية البديلة "الوهمية" التي ينظر لها المسيري ثم يبدو بوضوح ـ كما سنرى ـ أنها ليست سوى حكما "دينيا" حظي ببعض الماكياج الفاشل، من هنا نجد أن العلمانية ـ على علاّتها و عيوبها ـ ذات جمال خلاب لا يقارن بقبح هذه "العلمانية الممسوخة" التي يدعو إليها بعض الباحثين والكـُتـّاب المشرقيين ـ العراقيين والمصريين على الأخص ـ لأنها نظرية تتيح تقسيم المواطنين تقسيما طائفيا ودينيا وحتى عنصريا.

وبعد أن يورد المسيري رأيا مقتبسا عن نفس المعجم للكاتب G. M Yinger  الذي يرى أن العلمانية ليست نظرية شاملة كاملة لتفسير العالم والإيمان بالمطلق وبالتالي لا علاقة لها بمعاداة الدين وكونها حيادية بهذا الشأن، يقول المسيري:

ولكن المعجم بعد ذلك يتحول عن هذا التعريف، إذ يُعرف العلماني بأنه "العقلاني أو النفعي بشكل خالص أو أساسي"، ورغم أن مصطلحي "عقلاني" و"نفعي" مصطلحات مبهمة (هل العقل قادر على تحديد ماذا ينفع الناس؟)، إلا أن الاستخدام الشائع لهما يؤكد الجانب المادّي عادة على حساب ما هو مفارق ومتجاوز لعالم الحواس". المصدر السابق ص 61

والحقيقة أن السؤال الذي طرحه المسيري عن مربع الإنسان + الدين + العقل + المنفعة، يشكل حلقة تناقضات لا بد وأن تناقش وإن كان النقاش فيها قد يؤدي إلى التطويل ولكن هذا الأمر ضروري، فطوال التاريخ الإسلامي كان هناك مفهومان فكريّان يتصارعان على الساحة في العالم الإسلامي، فقد كانت السلطة ووعاظ وفقهاء السّنّة يعتبرون أن الحسن والقبح هما أمران "شرعيان" وأن العقل لا يملك أي خيار ليقرر أن الأمر والقضية الفلانية هي قبيحة أو حسنة، وربما أمكن للعقل أن يتحرك فقط حينما تصمت الشريعة والنّص المقدس عن الإجابة، لكن في المقابل كان الشيعة والمعتزلة يرون أسبقية العقل على الشريعة "النص" إذ لا معنى للشريعة والدين نفسه إذا كان العقل معطلا، بالتالي يعرف العقل أن القتل والاعتداء والسرقة هي أمور قبيحة "عقلا" والشريعة هي جاءت لترسخ وتؤكد على الحسن بالحسن والقبح بالقبح، ومن هنا نجد في الفقه الشيعي والمعتزلي اهتماما كبيرا بدور الزمان والمكان في التحليل والتحريم، فربما يصير الحلال حراما والحرام حلالا لطاريء أو ظرف معين وهو ما يؤكد أن للعقل دورا في تشخيص "المصلحة"، بالتالي فإن توازن الدين مع العقل والحرية ـ وهو أمر تكفله العلمانية ـ يمنع طغيان أي منها على الآخر، فالناس قد يعيشون بلا دين ولكنهم لن يعيشوا قطعا بلا عقل، فمهمة العقل الأساسية هو البحث عن "المصلحة" و"المنفعة" وبدون العقل يكون فساد الدين ـ الذي هو شأن إنساني عند الممارسة ـ والدنيا معا.

وحينما نرى علي بن أبي طالب يحتج بأن القرآن هو كتاب "ينطق به الرجال" فإنه كان بذلك ينبهنا إلى أن القرآن وكل نصّ ديني آخر هو عرضة للإنتقائية ولأن يتحول إلى نوع من التبرير وبالتالي يتسلع الدين ويصبح شيئا من الأشياء التي "يستغلها" الإنسان لأهدافه الخاصة ولمصلحة فئة أو فرد، من هنا فإن الإنسان هو ليس ذلك المخلوق الذي يعكس الطبيعة كما هي و يتطبع بما يملى عليه كما يصور لنا المسيري، فالعكس هو الصحيح، فطوال التاريخ وإلى الآن وإلى نهاية العالم سيبقى الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يخلق المفاهيم وإذا كان البعض يعتقد أن مسألة "خلق القرآن" التي جرت في عهد المأمون حين طالبه المعتزلة بامتحان علماء السنة بالسؤال "هل كلام الله أزلي قديم أم مخلوق"؟ أنه كان جدالا عقيما حول مسألة لاهوتية غيبية، فهم مخطئون، فالمسألة ارتبطت بواقع دور الإنسان في هذا العالم وإن بدت ظاهريا كخلاف "لاهوتي" بحت، فكون اللغة مسألة مرتبطة بالله أم بالإنسان كصناعة وتكوين شكلت عمدة القفزة العقلية التي كان من المنتظر حصولها لو تحولت حرية الإنسان إلى مبدأ سائد، فاللغة هي صناعة إنسانية والإله يتعامل مع الإنسان من خلال اللغة التي صنعها الإنسان، ولكن الأسلوب الخاطيء الذي استعمله المعتزلة ـ والذي كان رد فعل لأساليب السنة في إضطهاد الآخرين ـ أدى إلى أن يتخلى العامة، وهم في الغالب جهلاء، عن هذه الفكرة الفلسفية النيرة والتي كان من الممكن أن تؤدي إلى أنسنة ـ نسبة للإنسان ـ الفكر الإسلامي، لكن الجهالة والتخلف أسرع هيمنة في ظل تلك الظروف الصعبة ولأن الحكام لم يروا مصلحة في هيمنة فكرة "حرية الإنسان" ومسؤوليته عن قراراته، وعن هذه النقطة يقول الدكتور محمد أركون:

لقد وصل الأمر بهؤلاء المفكرين ـ أي المعتزلة ـ إلى حد طرح مشكلة ما دعوه "خلق القرآن". إن مجرد اعترافهم بأن القرآن مخلوق يمثل موقفا فريدا تجاه ظاهرة  الوحي، إنه يمثل موقف حداثة في عز القرن الثاني الهجري/ أو الثامن الميلادي. وكان هذا الموقف التيولوجي المبتكر الذي اتخذه المعتزلة يفتح حقلا معرفيا جديدا قادرا على توليد عقلانية نقدية مشابهة لتلك العقلانية التي شهدها الغرب الأوروبي بدءا من القرن الثالث عشر، لو لا معارضة الأرثوذكسية الظافرة في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، وخصوصا على يد الخليفة القادر. فالقول بأن القرآن مخلوق ليس مجرد كلام وإنما هو يعني إدخال بعد الثقافة واللغة في طرح المشكلة. وهما من صنع البشر لا من صنع الله. إنه يعني إدخالهما أو أخذهما بعين الاعتبار فيما يتعلق بالجهد المبذول لاستملاك الرسالة الموحى بها. وذلك يعني أيضا الاعتراف بمسؤولية العقل ومساهمته في جهد الاستملاك هذا." العلمنة والدين ـ الإسلام المسيحية الغرب ـ دار الساقي 1996 ترجمة  هاشم صـالح ص 60 ـ 61

Email: sohel_writer72@yahoo.com

 

Web: www.sohel-writer.i8.com

 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط