سهيل أحمد بهجت / Apr 09, 2010

إن الإنسان هو غاية إلهية على الأرض وإذا كان هذا الإنسان عاجزا كليا عن إدراك المنفعة والفائدة فحينها لا يبقى معنى من وجود مخلوق أبله غبي يحتاج على الدوام إلى السماء لتنتشله وخصوصا أن كلا من الأديان الثلاث يزعم أنه "الدين الخاتم" وبالتالي انقطعت السماء أيضا عن إمداده بالمساعدة، فالدين، كأي شيء آخر، ساهم في ترقية الإنسان نحو الأفضل، ولكنه ليس السبب الوحيد والمصدر الوحيد للأخلاق، فالناس مرّنوا أنفسهم على الأخلاق قبل أن تكون هناك أديان لا لسبب إلا لأن الأخلاق نافعة ومفيدة للناس وهم سيبقون محتاجين إليها مع الدين أو بدونه، بالتالي إذا أصبح الدين عائقا أمام العقل البشري الذي يواجه مشاكل الطبيعة منذ ابتداء وجوده وإذا أصبح الدين تبريرا للتخلف والدمار والخراب فإن صفة القدسية تنتزع عنه في هذه الحالة إذ يصبح شأنا مادّيا بحتا لا علاقة له بالسماء.
يقول المسيري:
وعلى أية حال يطرح المعجم هذه التعريفات السلبية، أو التي تدّعي الحيادية جانبا، ليُعرّف العلمانية باعتبارها منظومة متكاملة تحتوي على ميتافيزيقا واضحة ورؤية شاملة للكون، ففي مدخل "العلمنة" يشير المعجم إلى أن ثمة استخدامات أساسية في العلوم الاجتماعية نقلها المعجم عن مقال لـ Larry Shiner بعنوان "مفهوم العلمنة في البحوث التجريبية":
1
 ـ إنحسار الدين و تراجعه (الرموز والعقائد والمؤسسات [الدّينيّة المهيمنة] تفقد مكانتها ونفوذها)
 2
ـ الفصل بين المجتمع والدين (إن ذروة هذا النوع من العلمنة هو ظهور عقيدة ذات طابع داخلي [جوّاني] محض، لا تؤثر في المؤسسات ولا في الأفعال الجماعية). [وحتى الآن يتعامل المعجم مع الدائرة الجزئية، و لكنه يبدأ في التعامل مع الرؤية الكلية الكامنة حتى يورد أوجه العلمانية الأخرى.]
3
 ـ التركيز على الحياة المادية في الوقت الراهن بدلا من [التطلع إلى] مستقبل روحي (إن ذروة عملية العلمنة هي مجتمع مستوعب تماما في مهام الحاضر العملية.)
 4
ـ اضطلاع منظمات غير دينية بالوظائف الدّينيّة (المعرفة وأنماط السلوك والترتيبات المؤسسية التي كان يُنظر إليها [في مرحلة سابقة] باعتبارها تستند إلى القوة الإلهية، يُعاد النظر فيها لتصبح ظواهر من إبداع الإنسان وحسب، فتقع تبعاتها على الإنسان وحده.)
 5
ـ اختفاء فكرة المقدّس (يفقد العالم تدريجيا طبيعته المقدسة عندما يصبح الإنسان والطبيعة خاضعين للتفسيرات السببية العقلانية والتوظيف.)
6
ـ إحلال المجتمع العلماني محل المجتمع المقدس (أي العمليات التي يتحول المجتمع من خلالها من مرحلة ينظر فيها إلى جميع الظواهر ذات المعنى باعتبارها مقدسة، إلى مجتمع ينظر إلى جميع الظواهر تقريبا من منظور نفعي، ومن ثم يمكن نبذها حين ينتهي نفعها). ـ العلمانية تحت المجهر ص 61 ـ 63
وهذه النقاط ستكون بشكل عام النقاط المفصلية التي سنراجعها مع نقد المسيري لها، وهي نقاط يحاول المسيري أن يقنعنا هنا ـ وإن بشكل خفي ـ أنها لا تعني إلا سلبية "الإلحادية المادية" وهي بشكل عام نقيض "للروح" و"المُثـُل"، أي أنها جامدة ميتة مقابل "الروح الحية"، وهذا الطرح كله لا يخلو من كونه "نظرية جميلة" ولكنها غير قابلة للتنفيذ والتحقق وهي إن وجدت فإن ذلك سيعني عودة الإنسان إلى الكهف والتخلي عن كل المنتج الحضاري، حتى اللغة والمحراث والملابس والنار، وإذا كان الإنسان تخلى عن الإله والدين فهو إنما تخلى عن الفكرة القديمة "الخرافية" للدين والإله، ليبدأ البحث عن الإله العادل {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ـ النساء ـ 40 الذي لا يمكن أن يكون عبثيا وغير عقلاني البتة، بينما المسيري حدد مفهوم الدين مسبقا في أنها (التوحيدية الإله الواحد المنزه عن الطبيعة والتاريخ، الذي يحركهما ولا يحل فيهما ولا يمكن أن يُرد إليهما) وبالتالي قسم الدين نفسه إلى حق وباطل وبالتالي جعل الفكرة الدينية هي المهيمنة ودون أن يستوعب التجربة الدينية بعموميتها، فكل الأديان أمام العقل متساوية، لهذا نجد تعدد الأديان والمذاهب، بل وحتى تنوع الفكرة والحس الدّيني نفسه من إنسان إلى آخر، وحينما يعمد الإنسان إلى تحرير الدين من الاستغلال الدنيوي فهو يتصالح مع الدين لصالح الإنسان والدين، فلا دين بدون إنسان ولكن هناك إنسان بلا دين.
ففي النقطة الأولى حول انحسار الدين وتراجعه ومؤسساته والتي أُفضل أن أسميها بالكهنوتية، هو نتيجة تراكم تاريخي طويل من تورُّم وتضخم دور الدين إلى حد أصبح مهيمنا على كافة مجالات الحياة البشرية وانتهى الأمر بالإنسان أن يصبح مصيره معلقا بيد إنسان آخر باسم "المرجعية الفكرية المتجاوزة ـ وهذه الكلمة هنا لا علاقة لها قطعا بمصطلح المرجعية الشيعي" لينتهي العقل إلى الثورة على إضفاء القدسية على أخطاء الإنسان وأفعاله المادية، إذا فإن انحسار الدور الديني جاء نتيجة تجاوز الدين لحدوده.
النقطة الثانية التي طرحها المعجم عن تحول المجتمع الديني إلى المجتمع العلماني هو نتيجة واقعية لتحول الإنسان من اللا مسئولية ـ حين كان يلقي تبعات تقصيره على الله والغيب والقدر ـ إلى المسؤولية ـ حين يلوم الإنسان نفسه فعليا على الخطأ أو يمدح ويكافيء الشخص لإنجازه الفعلي ـ ومن هنا ينكمش الغيب إلى المستوى الروحي الشخصي، ومن هنا نجد افتقاد المجتمعات الغيبية "الخرافية" إلى القانون وبنقيضها المجتمع العلماني ـ وعماده القانون، نجد أن المواطنين متأكدون من أن الحكومة والنظام سيقومان بأداء الحقوق إلى حدّ أنهم يفقدون اهتمامهم بالشؤون السياسية إلا أؤلئك المواطنين الذين يفضلون الاهتمام بالسياسة، إن المجتمع العلماني ليس سوى شيء واحد، بالرغم من أن المسيري يريد أن يوحي لنا بأن العلماني هنا يعني ملحد، وهو أن الدولة لا تتدخل في قناعات المواطنين الدّينية والفكرية، فللمواطن الحق في أن يعتنق أي دين أو عقيدة، لكن في العالم الإسلامي ـ مثالنا هنا هو مصر وليبيا والأردن ـ هناك علمانية "إنتقائية" مشروطة، والعلمانية حينما تكون ناقصة فهي تخلق تناقضا عقليا ينتهي بالتطرف والدكتاتورية لأن عملية التطور العقلاني هنا مقيدة بقيود ما يزعم أنه "منهج أخلاقي"، بينما هي في الواقع قيود أيديولوجية سياسية تتمظهر بالأخلاق.
أما النقطة الثالثة فتشير إلى أن العلمانية تركز على رؤية الوضع الراهن والتركيز عليه وهو ما يغمز له المسيري بالإيحاء السلبي بينما في الحقيقة هذا أمرٌ إيجابي، فالدّين رُبط قسرا بالماضي ـ رغم أني أريد أن أستثني المذهب السني الذي لا يرى أي غاية دينية إلا يوم القيامة (الخراب) ـ وبالتالي فقد الإنسان عنصر التوازن الذي يحيط بأبعاد الزمن الثلاث وركز على الماضي والمستقبل محصورا في يوم الحساب.
والنقطة الرابعة جديرة بالاهتمام لأن اضطلاع أناس "مدنيين" بالشؤون الدينية هو أقرب إلى الإسلام منه للمسيحية لأن الإسلام لا يحوي داخله طبقة كهنوتية ـ بينما الواقع هو نقيض ذلك ـ وكل مؤسسة دينية تزعم أنها نابعة من الحق الإلهي أو السلطة الإلهية وهذه المؤسسات نفسها ـ لو تركت حرة تتصرف دون تدخل من الدولة ـ تضطهد بعضها البعض وربما انتهت إلى أنها تحتكر "الله" ذاته وأن الآخرين لا صلة لهم به، فالدين ومؤسساته وإن ارتبط روحيا بالمطلق إلا أنه على أرض الواقع يطبق بالمعايير البشرية المرتبطة بنزوات وشهوات الإنسان التي تحول الدين إلى "شيء" أو "سلعة" يراد الاتجار بها { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} آل عمران 77 { خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} آل عمران 199 فالدين التبريري هو جريمة حقيقية ترتكب بحق البشرية.
أما الزعم بأن العلمانية تنتهي إلى اختفاء فكرة "المقدس" وإلصاق هذا الأمر بالعلمانية، دون التطور العلمي الواقعي، كما في النقطة الخامسة، فهو مغالطة فعلية حقيقية، فالعلمانية هي النتيجة وليست السبب والعلة، فاكتشاف الإنسان لعلم النفس الحديث وأن كثيرا من الأمراض النفسية والعقلية ليست "مسّا من الجن" كما كنا نتصور في الأزمنة القديمة، بل هي مشاكل نفسية وصحية تصيب الإنسان، وهذا نموذج بسيط من تخلي الإنسان عن العقل الخرافي الذي ينسب كل شيء ـ حتى الشّر والسوء ـ إلى الله مباشرة ومن دون وسائط فلسفية أو علمية، وهنا نحن أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن ننسب كل ما هو مادي وإنساني وطبيعي إلى الله، لأن الفعل الإلهي لو شمل الإنسان فالأحرى به أن يشمل الطبيعة، أو أن ندرس الظواهر الطبيعية كلها ـ بما في ذلك الإنسان ـ وفقا للقوانين الطبيعية والإنسانية وبالتالي ننزه الإله عن فعل الشّر الذي يوجد في المادة والطبيعة ـ والطبيعة هنا ليست شرا إلا عندما ترتبط منفعة أو ضررا بالإنسان ـ فحينما يفترس الأسد غزالا أو جاموسا فهذا يبدو للعين البشرية شرا وقبيحا بينما في الحقيقة الأسد والحيوانات المفترسة الأخرى ـ والنباتات التي تفترس الحشرات ـ كلها مضطرة غريزيا إلى ذلك والإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يذبح الشاة أو البقرة بعيدا عن عيون أقرانها، وهو الحيوان الوحيد الذي يطبخ فريسته.
تبقى النقطة السادسة والأخيرة والمتعلقة بالمجتمع الذي يتخذ من أُسس العلمانية وسيلة للتحول بدلا من المقدس الديني، والحقيقة التي يجدر الوقوف عندها هنا هو أن المجتمعات الدّينية لا تشهد تغييرات فعلية، فهي قد تتخلى عن طقس من الطقوس أو طريقة من الطرق، ولكن الدين وحسب ما نتعرف عليه من خلال التطبيق البشري هو تقليد مكرر ونمطي إلى أبعد الحدود، أما المجتمع العلماني فهو متنوع الأفكار والأنماط الحياتية، فالدين غالبا ما يتحول إلى "طريقة وحيدة للنجاة" بينما يذهب الجميع ـ المختلفون مع هذا الدين ـ إلى الجحيم وعذابات الآخرة المرعبة والرهيبة.
 Email: sohel_writer72@yahoo.com
 Web: www.sohel-writer.i8.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط