محمود كرم / Aug 10, 2005

ذات مساءٍ مزاجيُّ اللون والطعم وقفتُ على عتبات روايته الجميلة (سمرقند) لأهيم عشقاً بالتهامها..

ومنذ ذلك المساء بدأتُ أتعقبُ مملكة (أمين معلوف) المتورطة بالعشق والتمرد والمغامرة والنزوح والترحال الدائم..

من (سمرقند) إلى (حدائق النور) إلى (ليون الأفريقي) إلى (صخرة طانيوس) إلى (رحلة بالداسار) كنتُ أرافق شخصياته المتعددة التي مزقتها تساؤلات الهوية والوطن والفكر..

يعشق استحضار التاريخ كما يقول (شوقي بزيغ) عبر رواياته لا لكي يقبع خلفه بل يستحضر من خلالها أسألتها الحائرة في واقع اليوم الذي يزدحم بالصراعات..

أراد أن يثبت إيمانه بضرورة الحوار بدل الصراع في عالم ٍ يندفع بشراسة عبر بعض مفكريه لترسيخ قاعدة (صراع الحضارات) وإن على العالم اليوم أن يؤمن بحقيقةٍ دامغة وهي أن يتواصل كما كان دائماً عبر الحوار..

ولم يكن كتابه ما قبل الأخير (الهويات القاتلة) خروجاً عن استراتيجيته الفكرية وفلسفته الحياتية التي تجلت في رواياته العديدة بل جاء تدعيماً لكل تلك التطلعات ومعبراً عن هاجسه الدائم بضرورة تجاوز (الهويات) والانتماءات الضيقة والبحث عن المشترك الثقافي والإنساني والحضاري لمواجهة ظواهر العنف وشرور الكراهية وحرب الهويات والانقسامات القاتلة..

فإما أن نكون إنسانيين ننتمي إلى عالم القيم الإنسانية في إطار الأخوة البشرية أو أن نبحث في هوايتنا عن ما نتقاتل به من أجلهِ بعضنا البعض..

وإما أن ننتمي إلى عالم الحريات والديموقراطيات والحداثة السياسية فنستحق الحياة الحرة الكريمة ونحقق بذلك انتماءنا الحقيقي للعالم الذي يجب أن ينتصر أو نبقى متقوقعين في انتماءات وهويات ضيقة تتوجس من الانفتاح والاندماج والتفاعل والتواصل مع العالم الحي المتحرك ذي المرجعية الإنسانية الكونية..

لذلك يتساءل مستغرباً (أمين معلوف) في كتابه (الهويات القاتلة) عن ظاهرة التعصب التي اجتاحت العالم الإسلامي بعد أن كان مناراً للتعايش والانفتاح فيقول:

(لماذا عرف الغرب الذي يمتلك تاريخاً طويلاً من التعصب وكان يصعب عليه دائماً التعايش مع الآخر، كيف ينتج مجتمعات تحترم حرية التعبير، في حين أن العالم المسلم الذي مارس التعايش لزمن طويل يظهر هذه الأيام كمعقل للتعصب)..

ويأتي هذا التساؤل ضرورياً في ظل ظاهرة التعصب والتزمت الفكري والديني التي تنتشر كالوباء في الجسد الإسلامي وخاصةً إذا عرفنا أن النزعة الإنسانية المؤمنة بالتعايش مع المختلف كانت سائدة أيام الحضارة الإسلامية الكلاسيكية كما تحدث عنها المفكر (محمد أركون) في كتابه الأخير والذي لم يترجم إلى العربية لحد الآن..

ويرجع (أمين معلوف) سبب هذه الظاهرة في كتابه إلى عدم تمكن تيارات الإسلام السياسي وحركات الإصلاح من مجاراة الحداثة والتي لا تعني كما يقول احتكاراً معيناً لثقافة ما أو فكراً ما بل هي مفتوحة لكل الإسهامات الإنسانية المؤمنة بضرورة الوصول إلى صناعة الحياة التي تحقق للجميع المستويات المرتفعة من الكرامة والعيش الرغيد وتدافع عن هذه الاستحقاقات كواحدة من أهم الأسس التي يجب أن تقوم عليها الحضارات في دفاعها عن الحق الإنساني حيث يقول:

(عندما تحمل الحداثة علامة "الآخر" لا يكون مفاجئاً أن نرى بعض الأشخاص يرفعون شعارات السلفية، من أجل تأكيد اختلافهم، وهذا ما نشهده اليوم عند بعض المسلمين من الرجال والنساء)..

لذلك متى ما تخلصنا من النظر إلى الحداثة على أنها دائماً تعكس "الآخر" المختلف ثقافياً وفكرياً وننظر إليها على أنها اسهامات إنسانية تهدف إلى خلق مفاهيم أكثر نضجاً وتفتحاً على عالم اليوم فلن نلوذ بالتعصب الثقافي لحماية الموروث الثقافي من (خرافة) الاغتراب والذوبان والتشتت..

وفي مكان آخر من كتابهِ ينوّه (أمين معلوف) إلى أن الانفتاح على الحداثة لا يعني الاغتراب بل يكفي أن يمتلك الفرد الحداثة من خلال التفكير الحي والتفاعلي في تطوير مفاهيمه ومعارفه الدينية والثقافية والإجتماعية بما يتناسب وروح العصر وتطور الواقع حيث يقول:

(يجب أن لا يكون المرء مضطراً إلى "الاغتراب" ذهنياً كلما فتح كتاباً وكلما جلس أمام شاشة وكلما فكر أو ناقش، يجب أن يتمكن كل فرد من امتلاك الحداثة بدلاً من أن يكون لديه انطباع دائم بأنه يستعيرها من الآخرين)..

فالمجتمعات الحية هي مجتمعات تملك نزعة حقيقية نحو الحداثة ولا تتوجس منها باعتبارها (علامة) الآخر المختلف بل تسعى لامتلاكها والاستفادة منها عبر التفاعل الايجابي معها والتحرر من انغلاقات الهويات القاتلة المقيدة للانفتاح على الآخر..

==================

محمود كرم، كاتب كويتي

tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط