محمود كرم / Feb 27, 2006

في ذات لقاء عابر جمعني بفتاةٍ لندنية باهرة الحسن فقلتُ لها: أعتقد أن جمالكِ يا حلوتي مزيجٌ جميل من حضارات مختلفة..

ردت بسرور الواثقة: صحيح يا سيدي فجمالي صنعته حضارة أمي الإغريقية و حضارة أبي الرومانية وصقلته بالتدريج حضارة نهر التايمـز..!!

ودعتها بابتسامةٍ منشرحة وقلتُ في نفسي هل كان الفرنسيون على حق عندما ابتدعوا مقولتهم الشهيرة التي تتعلق بالمرأة (كوني جميلة واصمتي)..!!

فأمام إجابة هذه اللندنية الفاتنة تصبح عبارة الفرنسييين تلك فارغة ولا أساس لها أبداً ففي حالتها وفي كل الحالات على الاطلاق علينا أن نقول دائماً: كوني جميلة وتكلمي..

أتساءل في بعض الأحيان هل يصنع امتزاج الحضارات وتداخل الثقافات لوناً بالغ الفخامة وفي كل المجالات تقريباً؟؟

ما أعرفه أن امتزاج الأنماط الحضارية المختلفة يخلق لوناً إنسانياً مترف المذاق وباهر الضوء ومتين البنية، ونظرة سريعة إلى التاريخ القديم نجد أن الثقافات الحضارية تداخلت وتفاعلت وتواصلت وانتجت ألواناً جميلة في مختلف المجالات، فالمسلمون القدماء أخذوا بعض الأشياء مما عند الفرس والإغريقيين والرومان وتداخلوا في بعض المعارف الإنسانية وكذلك كان الإغريقيون القدماء يطلعون على ما عند المصريين الأوائل وما كانت تكتنزه حضارة بابل العريقة من ثقافات وانتاجات وكذلك اتجه الأوروبيون أيام عصورهم الوسطى وبدايات نهضتهم نحو الاطلاع على ثقافات المسلمين والرومان والإغريقيين، وكما هو معروف أن تداخل تلك الحضارات في ثقافاتها خلقت تنوعاً في المعارف والعلوم البشرية واستطاعت أن تتواصل إنسانياً وحضارياً وفكرياً في مراحل معينة من تاريخ شعوبها وإذا كان ذلك قد حدث في التاريخ القديم لتلك الحضارات فكيف علينا أن نرى اليوم مستوى التداخل الحضاري والتفاعل الثقافي بين مختلف الثقافات والمعارف وخاصة أن عصرنا الحالي يتميز بكم هائل من التنوع الثقافي ويمتاز بالتطور التقني ووسائل الاتصال الفائقة السرعة والمتعددة الأساليب وتتوفر المعلومات بكثافة وانسيابية ويتزايد التطور تبعاً لذلك في المعارف الإنسانية والفكر البشري..

هذا الأمر يجعلنا أمام حقيقة علينا أن نؤمن بها ومن خلالها تكون التداخلات الثقافية وتفاعلها ذات انتاجية وفاعلية وواقعية، وهي ضرورة الانعتاق من الخلفيات العقائدية الدوغمائية المكبلة لروح الانفتاح الحيوي والمقيّدة للحوار الحر المفتوح بين الثقافات المتعددة، وخاصةً أن عالم اليوم يسير باتجاه الحوار المشترك والذي من دونه يستحيل تطور الفكر البشري، فأصبح الحوار بالإضافة إلى كونه الفضاء الخصب لتبادل المعارف الإنسانية وامتزاجها الخلاق، أصبح ضرورة حتمية لتدعيم مسار الحراك النقدي في تطور الثقافة ذاتها بالمتانة والرصانة والاستمرارية والتجدد ومن شأن ذلك أن يجعلها تتسلح بثقة المشاركة والحوار والتفاعل مع بقية الثقافات الأخرى..

وليس منطقياً أبداً أن يقوم حوار حر وفاعل ومنتج بين الثقافات المختلفة إذا كان كل طرف من الأطراف المتحاورة ينطلق من خلفيات أيديولوجية تسلطية يرى في (الآخر) أيّ آخر شراً مستطيراً يتربص بالسوء له ويتعمد تخطئته لمجرد أنه مختلف عنه ويسعي للنيل منه وتركيعه أو ترويضه ثقافياً، ولذلك أجد أن المهمة الأساسية لأية ثقافة مجتمعية تستمد ثقافتها من تراكماتها التاريخية الحضارية أن تسعى إلى النقد الصارم لموروثاتها الدينية والفكرية في المنحى الأيديولوجي لأن هذا النقد للموروثات يوفر لها عملية تجدد الخلايا الثقافية وضمان استمراريتها وتدفقها وتحررها بالتالي من سلطة الأيديولوجيا، ليحقق لها ذلك القدرة على التفاعل الحي مع الثقافات الأخرى والدخول معها في حوارات بنـاءة..

وهناك أمر آخر للبداية الطبيعية والحقيقية في خلق حوار فعال ومنتج بين الثقافات ذات التراكمات التاريخية المستمرة وهو التخلص من المرجعيات الفكرية ذات القداسات الدينية التي لا تقبل النقد أو النقاش فيها، وخاصةً إذا كانت هذه المرجعيات الدينية تلون الثقافة في اتجاهاتها العديدة بصبغتها المقدسة وتسبغ عليها من قدسيتها مهابة التقرب منها سواءً بالنقد أو التشريح أو التفكيك..

فلا يمكن لأي حوار أن يثمر عن حقيقة التوصل للمشترك الإنساني إذا كان كل طرف يتمترس خلف أطر عقائدية دوغمائية تسد عليه منافذ الحوار، ومن ثمّ يصبح الحوار في هذا الاتجاه انغلاقاً وتعنتاً ويأخذ شكلاً عدائياً بين الأطراف التي فكرت بالحوار ولكنها لم تؤمن بتجاوز المرجعيات الأبوية المقدسة ذات الخلفيات الدوغمائية. فعلينا أن نؤمن أن الحوار هو المجال الفكري والثقافي والتارخي الذي يتشارك الإنسان في صناعته وتطويره وليس مجالاً لفرض القداسات الدينية والفكرية في سياقاتها السماوية المتعارف عنها والتي من المستحيل أن تمنح الحوار سقفاً عالياً ومفتوحاً للتداول الحر والنقد المسئول والامتزاج الفعال في مجمل ما يتعلق بالثقافات والمعارف والاتجاهات الفكرية والثقافية. وحينما تتداخل وتتشارك كل الأطياف الثقافية ذات الامتدادات الحضارية في صناعة تعددية ثقافية توافقية عبر آلية الحوار الحر المتحرر من سلطة القداسات الأبوية والمنطلقات العقائدية الدوغمائية، فإنها ستحقق بذلك واحدة من أفضل السبل نحو خلق نسق حضاري رائع التنوع والتعدد، ولكنه في ذات الوقت يسعى للوحدة الحضارية هدفاً إنسانياً كخيار بالغ الضرورة في عالم اليوم..

محمود كرم، كاتب كويتي

tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط