عائشة القلالي / Mar 07, 2015

عائشة القلالي (1)

تمهيد

بعد قيام الثورة، عرفت تونس جملة من الإخفاقات والانهيارات السياسية المتتالية التي أتت نتائجها السلبية على جميع مجالات الحياة الاجتماعية، لذلك، وكردّ فعل عن الإخفاق السياسي، تعالت أصوات البعض منادية بقيام ثورة ثقافية كضرورة لاكتمال المسار الثوري الاجتماعي. وبعد التحقّق من مخاطر الإخفاقات السياسية والتأكد من جدية الخطر الذي بات يهدّد الثقافة التونسية في وجودها، ازداد تأكّد هذا المطلب الثوري، وتبنّاه عدد كبير من الفاعلين الثوريّين في الشأن الثقافي.

ولكن المفارقة التي تكمن هنا، هي مفارقة اصطلاحية بالدرجة الأولى. فالثورة في معناها السياسي، والذي عرفه المجتمع بين أواخر 2010 وبداية 2011، هي القطع مع نظام قديم وإقامة آخر جديد، وهي تعويض الفاعلين السياسيين بآخرين لم يتورّطوا مع النظام القديم أو لم يستفيدوا منه بصفة مباشرة أو غير مباشرة. بإسقاط هذا المعنى على المجال الثقافي، تصبح الثورة الثقافية خطرا على الثقافة الوطنية. فهي ستعني قياسا بالمعنى السياسي، القطع مع القيم الثقافية المجتمعية المتوارَثة  واستبدالها بأخرى جديدة. في حين أن الخطر الأكثر ترهيبا للمجتمعات وتهديدا لاستقرارها وتماسكها، يكمن في التخلي عن ثقافاتها التي تعكس ذواتها وهوياتها وتقوّي وحدتها والتحامها. وهو ما عايشناه في تونس في السنوات الأربعة الأخيرة، لما تدخلت مجموعة من المتساقطين من الحركات المتطرفة القديمة المتجددة، لتفرض على المجتمع نمط عيش غريب ولا صلة له بالواقع المعيش للمجتمع ولا بعاداته وتاريخه، ولا يتناسب مع درجة التقدّم الحضاري التي وصل إليها المجتمع التونسي، وهو ما عمّق القلق حول وحدة المجتمع والخوف من الانقسامات الداخلية التي يمكن أن تنتج عن السماح للجماعات المتعصّبة والمتطرّفة بفرض نمط عيش مخالف للمعتاد. وبالتالي يصبح المطلب الأوكد في هذه الحالة، ليس الثورة الثقافية بماهي قطع مع القديم والمعتاد، وإنما الإصلاح الثقافي بما هو استرجاع القيم الثقافية والاجتماعية، وخاصة الأخلاقية، الإيجابية ومحاربة القيم السلبية المكتسبة والوافدة ومنع ظهورها في المجتمع، بما يضمن الاستمرارية للثقافة الوطنية من ناحية، ويساعد على إعادة تأهيل أفراد المجتمع لاسترجاع إيقاع الحياة الطبيعي بعد اختلال التوازن الاجتماعي أثناء قيام الثورة، وما لحقه من انعكاسات على نفسيات الأفراد، وبعد الإرهاصات والإخفاقات السياسية المتتالية التي زادت في حدة التناقضات الاجتماعية.

يمثّل الإصلاح الثقافي مدخلا رئيسيا للإصلاح المجتمعي والتنموي الشامل. فالنهضة الحضارية واسترجاع مكانة الثقافة الوطنية، لا يمكن أن يتمّ إلا إذا تُرجمت الأفكار والقيم الثقافية التي يضعها المنظرون الثقافيون إلى أفعال وسلوكات جماعية يومية. فالنظريات الفكرية التي تظلّ غالبا معزولة عن الممارسة الفعلية، رغم جهود أصحابها ومنتجيها، لا تجدي نفعا إذا لم يتمّ تبنيها اجتماعيا وثقافيا، والقيمة تأخذ أهميتها إذا تُرجمت إلى سلوك يأتيه العامة في المجتمع، دون التمييز بين فرد وآخر. ولكن عملية التبني هذه من أصعب المراحل في عملية الإصلاح الثقافي، لذلك يجب أن تؤطّرها وتقودها فئة قادرة على تقريب القيم والأفكار وتبسيط النظريات لعامة الناس، مهما اختلفت مستوياتهم، وعلى إعطاء القدوة لهم. ولا يمكن أن يقوم بهذا الدور في المجتمع غير المثقفين، أو ما يصطلح عليهم بالنخبة، مهما اختلفت مهنهم وصفاتهم ومناصبهم. فهذه النخبة هي المخوَّلة للعب دور الوسيط بين الإنتاج الثقافي والفكري، من نظريات وعلوم وأفكار ومفاهيم عامة ومجرّدة، وبين عامة الناس المطالبين بتبني هذه القيم والأفكار وتحويلها إلى سلوكات يومية وممارسة فعليّة. ولا يكون ذلك إلا إذا بدأت النخبة بنفسها، في تشرّب القيم والأفكار الثقافية وإتيانها سلوكا وفعلا، لا قولا.

وقد لا نبالغ اليوم إذا اعتبرنا أن الفشل السياسي المتكرّر الذي عرفته تونس منذ الاستقلال، وتزايدت حدته بعد الثورة، قد أنتج واقعا ثقافيا هجينا وهشّا، كثرت فيه التناقضات، مما سمح بتسرّب التطرّف الفكري إليه، وجعله خطرا جدّيًّا يهدّد الممارسة الثقافية والفاعلين الثقافيين، ويعيق استقرار المؤسسات السياسية والثقافية والاجتماعية، بل يهدّد وجود المجتمع ووحدته. وهو ما يؤكّد من جديد على أن الإصلاح الثقافي أصبح ضرورة ملحّة باعتباره الخطوة الأولى لضمان سير المجتمع نحو الاستقرار، ومعالجة الأعطاب المتراكمة والمشكلات المتداخلة المعطّلة لعملية استرجاع نمط الحياة الطبيعي والمناسب لدرجة الرقي التي وصل إليها المجتمع. وفي حال تعذّر الإصلاح السياسي بعد فشل الحكومات المتتالية في إخفات أصوات جماعات التطرف الفكري الداعية لتغيير النمط الثقافي والمجتمعي، بل والسياسي أيضا، وإقامة نمط آخر يستجيب لمصالحهم ومقاييسهم، يصبح الإصلاح الثقافي الخيار الوحيد الذي بإمكانه إنقاذ المجتمع من خطر التطرف الفكري ومن معالجة تناقضات الوضع الثقافي العام بالبلاد.

الوضع الاجتماعي العام لما بعد الثورة

خلقت أحداث الثورة التونسية وضعية اجتماعية واقتصادية متأزمة ومضطربة. وذلك نتيجة التحوّل السياسي الفجئي من ناحية، والأداء المرتجل للحكومات المتعاقبة طيلة الأربع سنوات المنقضية، والذي يمكن أن يعود إلى انعدام الخبرة الكافية لدى الفاعلين السياسيين المتناوبين على الحكم بأبجديات العمل السياسي الفعلي، نظرا لإبعادهم من الممارسة السياسية الفعلية طيلة خمسينية الاستقلال الأولى، وإلى غياب تقاليد الممارسة الديمقراطية، وعدم القدرة على وضع برامج سياسية واضحة المعالم وتتناسق مع الوضع الرّاهن وتستجيب لمتطلبات المرحلة. وقد عرفت تونس بعد الثورة حكومات سياسية متتالية اشتركت كلّها في خاصية الارتباك على مستوى الأداء، وفي تغليب المصالح الفردية والحزبية، وعدم إيلاء المصلحة الجماعية والوطنية الأهمية التي تستحق من ناحية، وانعدام الوعي الكافي بصعوبة وخصوصيات الوضع من ناحية أخرى، مما أدى إلى عجز هذه الحكومات عن تحقيق المطالب الشعبية وأهمّها توفير فرص العمل، وتحقيق مبدأ الحرية، وتوفير متطلبات العيش الكريم. ونتيجة لهذا العجز ازدادت الوضعية الاجتماعية تأزّما على جميع المستويات. حيث سجّلت نسبة البطالة بين خريجي المؤسسات التعليمية العليا ارتفاعا ملحوظا بعد الثورة، فقد بلغت % 33,5 سنة 2013 بعد أن كانت في حدود 27 % سنة 2012 و32,9 % في موفى سنة 2011. (2)

كما عرفت المقدرة الشرائية للمواطن تدهورا مفزعا، نتيجة عدد من العوامل، أهمّها الارتفاع العشوائي والمستمرّ للأسعار، الذي شمل جميع القطاعات بما فيها الحيويّة، واتساع المنظومة الاستهلاكية، إضافة إلى اختلال الظروف الإقليمية التي دفعت بعدد هام من العاملين التونسيين بليبيا إلى العودة، إضافة إلى توافد أعداد كبيرة من المواطنين الليبيين الذين لجأوا إلى تونس بعد قيام الثورة الشعبية الليبية. وقد زاد الوضع تعقّدا مع ارتفاع نسبة الإضرابات في أغلب القطاعات المهنية، والتي كان عدد كبير منها غير مدروس من الناحيتين الزمنية والتنفيذية. وهو ما أدّى إلى رحيل بعض المستثمرين الأجانب، وتراجع نظرائهم من أجانب ومحليّين عن إنجاز مشاريعهم التي كان من الممكن أن تساعد على سدّ ثغرات السياسة التشغيلية الحكومية ولو بصفة نسبية.

أما بالنسبة إلى مطلب الحرية فقد تحقّق نسبيا بشكل ظاهري. ولكن كيفية تعامل السلطة السياسية مع هذا الحق تجعل الإقرار بتحقّق هذا المطلب بصفة مكتملة أمر غير ممكن، نظرا لتكرّر الاعتداءات الأمنية التي تعرّض لها عدد من المواطنين أثناء ممارسة حرياتهم، سواء كانوا إعلاميين أو سياسيين أو مثقفين أو مواطنين عاديين، ، وهي ممارسات تتناقض مع المفهوم العام للحرية.

من ناحية أخرى، وكنتيجة طبيعية لكلّ الثورات، ظهرت مجموعة من الأفراد والجماعات الحزبية التي تبنّت مشروع الثورة المضادة. وتتمثّل هذه المجموعة بالأساس في أصحاب النفوذ المالي أو السياسي في النظام القديم، ورؤوس الأموال المنتفعين به ومنه، وقد ثار هؤلاء على عملية التغيير التي سار فيها المجتمع وعارضوها، خوفا على مصالحهم التي باتت مهدّدة وعلى امتيازاتهم التي وهبها لهم النظام القديم والتي سيسلبها منهم النظام الجديد.

في ظلّ هذه الأزمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مثّلت الممارسة الثقافية مجالا للتعبير والتصعيد، وأخذ الفعل الثقافي مكانة أبرز من ذي قبل في الحياة الاجتماعية نظرا لتراجع مكانة المثقف التبريري وبروز المثقف الفاعل عن طريق التحليل والتفسير (3). وهذا التغيير على مستوى دور المثقف أكسبه شرعية أكبر لمخاطبة أفراد المجتمع، ولممارسة سلطته الخطابية والنقدية في مواجهة السلطة السياسية. كما مثّلت الممارسة الثقافية في ظلّ أزمة السنوات الأربعة المنقضية أرضيّة تفاعل بين المنتجين الثقافيين على اختلافهم. ولكن أداء الفاعلين الثقافيين لم يكن في مستوى الانتظارات العامة ولم يقدر على إعادة بناء الروابط الاجتماعية التي هدمها السياسي. ورغم أن الممارسة الثقافية والفنية تمثّل عادة ملاذا يأوي إليه أفراد المجتمع في فترات التأزم والضعف السياسي ليعبّروا عن رفضهم للممارسات السياسية وليقوموا بتصعيد وإفراغ شحنة الاختناق الناتجة عن توتّر الخطاب السياسي، إلا أن اختلال وتأزّم الوضع الاجتماعي والأخطار الأمنية التي تهدّد استقرار المجتمع، جعلت الممارسة الثقافية تصطفّ في آخر سلّم اهتمامات الأفراد، وأصبح ضمان توفّر الحاجيات الحياتية من مأكل وتعليم وأمن، يكاد يكون الهدف الوحيد لهم في الوضع الراهن.

الوضع الثقافي لتونس بعد 14 جانفي

شهد المجال الثقافي في تونس بعد الثورة حركية نسبية. حيث بفضل فكّ الحصار عن حرية التعبير الذي كان مفروضا منذ الاستقلال، عادت للظهور بعض التعابير والأنماط الثقافية النقدية مثل الأدب الساخر، نثرا وشعرا، والأدب والكاريكاتور السياسيين والصحافة الهزلية وصحافة الرأي والنقد السياسي في وسائل الإعلام، والتيارات الملتزمة في المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية. كما ظهرت التيارات الاحتجاجية في الفنون، وأهمّها نمط الراب في الموسيقى الذي شهد رواجا كبيرا منذ بدايات الثورة التونسية في أواخر 2010. ولكن هذا التضخّم الكمّي للإنتاجات الثقافية في مختلف الأنماط والمجالات، بقي عاجزا عن التأثير إيجابا في المتقبّل، ولم يرتق إلى الدرجة التي تسمح له بالتعبير عن واقع المجتمع وتطلّعاته، ويعود القصور إلى نوعية هذه الانتاجات. فتعطّش المثقفين والفنانين إلى الحرية وإلى ممارسة النقد والتعبير الحر، حاد بهم عن النهج الصحيح في أدائهم الثقافي، فأنتجوا خطابات عالية النبرة ومبنية على التوتّر والمهاجمة، بدلا عن الاعتدال والدفاع، وهي خطابات يسعى منتجوها إلى الانتصار على مخاطبيهم وفرض آرائهم ومواقفهم ليس باستعمال آليات المحاججة والإقناع، وإنما بأدوات تعبيرية وأدائية خارجة عن البنية الأصلية والداخلية للخطاب. ونسوق في هذا الصدد موسيقى الراب كمثال، فهي نمط من أنماط التعبير الفني الرائجة بكثافة في تونس بعد الثورة، ورواجها هذا جاء نتيجة لبعض العوامل، منها تبنّيها لشعارات الثورة ومطالب القائمين بها، من ناحية أولى، ومن ناحية ثانية لأن الثقافة في تونس، وفي العالم العربي بصفة عامة، مازالت لم تخرج من بوتقة التقاليد الشفوية في مستوى الاستهلاك الثقافي، فهو يستهلك الأنماط الثقافية الشفوية (الموسيقى، السينما، المسرح،...) أكثر من استهلاكه للأنماط المكتوبة (الصحف، الكتب، المجلات، الدراسات...)، رغم ارتفاع نسبة التمدرس وتراجع نسبة الأمية في تونس بفضل مكسب ديمقراطية التعليم. ولكن العادات الإنفاقية للمجتمع التونسي لا تولي للثقافة أهمية تذكر، فنسبة إنفاق الأسرة التونسية على الثقافة بالكاد يتجاوز 5 %، في حين تتعدى نسبة إنفاقها على التغذية 30 %، (4) وقد تراجعت نسبة الانفاق هذه بعد الثورة نظرا لأولوية الحاجيات الحياتية عن الحاجيات الثقافية، دون أن ننسى دور وسائل الاتصال التكنولوجية في نشر هذا النمط الموسيقي وإيصاله لأكبر عدد من المتلقّين.

الراب هو نمط موسيقي غنائي شعبي يُصنّف ضمن ثقافة الهيب هوب التي يعود ظهورها إلى سبعينات القرن العشرين، بين المجموعات السكانية ذات الأصول الإفريقية المنتشرة في الأحياء القصديرية بأمريكا. وقد انتشر الراب في تونس منذ بداية الألفية الثالثة كنتيجة من نتائج ظاهرة العولمة المراهنة على تنميط الشعوب ثقافيا واستهلاكيا. فقد عرفت تونس كغيرها من البلدان النامية عمليات المدّ الثقافي الوافدة من الغرب، ومن أمريكا تحديدا، ووجد هذا المدّ أرضية ملائمة للانتشار نتيجة بعض العوامل، أهمّها إضعاف مكانة الثقافات المحلية وإقصاء أدوات التعبير الثقافي الشعبي وتهميشها، وسعي الفاعل السياسي، على مدى أكثر من خمسين سنة، إلى إضعاف روابط المجتمع بثقافته وهويته، كما ساعد رواج وسائل الاتصال الحديثة على تسهيل وصول السلع والنماذج الثقافية الغربية إلى الفئات المستهدفة، وهي الفئات الشابة بصفة خاصة. وقد عرفت موسيقى الراب إبّان الثورة وبعدها، رواجا أكبر من ذي قبل. نظرا لأنها تبنّت قضايا فئة كبيرة من المجتمع، إضافة إلى أنها ارتبطت خاصة بالفئات المهمشة والفقيرة والتي أراد لها الفاعل السياسي أن تبقى في هامش البرامج التنموية والدورة الاقتصادية للبلاد.

إلاّ أن أغنية الراب رغم رواجها الكبير، ورغم تبنّيها لقضايا الفئات الشعبية، انزلقت إلى ما يُمكن أن نسميه بالخطاب النقيض، وهو الخطاب الذي، كما بيّننا سالفا، يقوم على التوتّر وشدة اللهجة والذي يعتمد معجما أقرب إلى السوقية والسّباب، ويقابله الخطاب الثوري الملتزم بتقاليد الخطاب وآلياته، أي القائم على الحجة والاستدلال، والذي يعتمد معجما معتدلا ومتوازنا يستجيب لضوابط المنظومة الأخلاقية العامة. ولئن كان نمط الراب يستعمل الألفاظ النابية والمتعارضة مع المنظومة الأخلاقية، إلا أنه عادة ما يسعى المؤدي إلى نطقها بطريقة غير دقيقة وغير واضحة، وهي تقنية أدائية يتميز بها نمط الراب. ولكننا في تونس، وعلى امتداد السنوات الأخيرة، لاحظنا تعمّد عدد من مغنّي الراب تضمين أغانيهم لكلمات نابية وأدائها بطريقة واضحة وفصيحة. وهي كلمات تتنافى مع المعجم التلفظي العام للمجتمع، ويُعتبر الإفصاح بها في الفضاء العام تعدّيا على المنظومة الأخلاقية. وبما أن أغنية الراب تأخذ من الفضاء العام مجالا رئيسيا لها، يُصبح رواج الأغاني المتضمنة للمعجم السوقي تهديدا للمنظومة الأخلاقية للمجتمع، وخطرا على تكوين وتربية الأجيال الناشئة التي تتلقّى، برغبة منها أو بدونها، هذا الخطاب الذي يمرّر في جميع وسائل الاتصال السمعية والبصرية، بدعوى حرية الفن والإبداع والتعبير.

يأتي اختراق المنظومة الأخلاقية ليبرهن على تمكّن الخطاب النقيض من التسلّل إلى تقاليدنا ليأخذ مكانه ضمن عاداتنا اليومية، وبالتالي يصبح العنف اللفظي والتعدي على الأخلاق العامة تحت غطاء الممارسة الفنية أمرا مألوفا وليس استثناءً. كما تؤكّد هذه الممارسات ما أسلفنا ذكره حول عجز الخطاب الثقافي والفني عن التعبير عن واقع المجتمع وتطلّعاته. كما تبرهن هذه الظواهر على انقلاب ميزان القيم، وهو أحد أعصى الأعطاب الثقافية التي يمكن أن تصيب أيّ مجتمع. فقد تحوّل السلوك العادي إلى شاذّ، والشاذّ إلى عادي. فالسلوك الذي كان مستهجنا باعتباره منافيا للمنظومة الأخلاقية العامة أصبح سلوكا عاديا نشاهده في الشارع، أو على شاشات التلفزة التي تدخل بيوتنا دون استئذان. فصارت الثقافة مخترقة، وذلك بتواطؤ الفاعل السياسي الذي سهّل هذا الاختراق الثقافي، نتيجة عدم وضع خطة سياسية واضحة لحماية الثقافة الوطنية، وغلبة الارتجال والتجريب والتسرّع وتغليب المصالح على السياسات الثقافية، وهو تقليد نهجه الفاعل السياسي في تونس منذ الاستقلال إلى اليوم.

وإضافة إلى اختلال النظام القيمي للمجتمع، أفرزت السياسات الثقافية في تونس وضعية غير مستقرة للمهن والممارسات الثقافية، وذلك نتيجة عدم تفعيل عدد من القوانين المتعلقة بالشأن الثقافي والمؤثرة فيه بشكل مباشر، على غرار قوانين الملكية الفكرية والفنية التي مازالت تنتظر التنفيذ، وعدم اتضاح دور المثقف الفعلي في المجتمع وخاصة في الظرفية الراهنة، ومركزية الثقافة وتمتّع جهات مُعينة بالإنتاجات الثقافية على حساب جهات أخرى هضمت السياسات حقّها في الثقافة، وتضبّب علاقة الثقافي بالسياسي التي بقيت إلى اليوم مضطربة وغير مستقرة نتيجة عدم تمكّن أيّ من الطرفين من إيجاد رابط تواصل موضوعي مع الآخر، وهو نتيجة طبيعية لتشبّث السياسيّ بالمنطق النفعي والخطاب التسلّطي في الممارسة السياسية، وعدم سعيه إلى تشريك المثقّف في الفعل السياسي، تفاديا لأيّ خلاف يمكن أن يسبّبه تعارض المصلحة بين الطرفين.

وبالعودة إلى ملامح الوضع الثقافي في تونس بعد الثورة، يمثّل تراجع الحاجيات الثقافية إلى آخر سلّم اهتمامات أفراد المجتمع، وعجز المواطن على الانفاق على الثقافة في ظلّ ترهّل المقدرة الشرائية بصفة عامة، وبالنسبة إلى الفئات المتوسطة والفقيرة بصفة خاصة، أحد أهم الثغرات التي يمكن أن تسبّب الاختراق الثقافي. فالمواطن أصبح عاجزا عن تأمين حاجياته الأساسية والحياتية، وبالتالي لم تعد الحاجيات الثقافية تُمثّل إحدى أولوياته الملحّة، خاصة بالنسبة إلى الإنتاجات الثقافية التجارية، أي التي يدفع مبلغا نقديا مقابل التمتّع بها أو الحصول عليها، مثل الانخراط في النوادي الثقافية والفنية في المؤسسات الخاصة، وشراء شرائط الموسيقى أو اللوحات التشكيلية أو الأفلام أو الكتب الجديدة، وارتياد المسارح ودُور العروض السينمائية والمسرحية والموسيقية وغيرها من الإنتاجات الفنية والثقافية الربحية، وفي ظلّ هذا العجز يصبح الفراغ الفكري أحد أهمّ الأخطار التي يجب محاربتها والقضاء عليها في سبيل قطع الطريق أمام تغلغل ثقافة الإرهاب والتطرّف الفكري، وتمكّنها من عقول الأفراد والجماعات، خاصة من ذوي التكوين التعليمي والمستوى الثقافي الهزيلين.

يمكن إذا أن نلخّص ملامح الوضع الثقافي في تونس بعد الثورة في ثلاث نقاط عجز:

-عجز الإنتاجات الثقافية والخطاب الثقافي عن التعبير عن تطلعات مجتمع ما بعد الثورة

-عجز المواطن عن تأمين حاجياته الثقافية

-عجز الدولة عن تقديم البديل وضمان حق المواطن في الثقافة في ظل سياسة ثقافية مهترئة

يأتي مقابل نقاط العجز الثلاثة هذه، تزايد حاجة المواطن إلى الثقافة وإلى الممارسات الفنية وتأكُّد أهمية الثقافة كضرورة حياتية، وليس كمكمّل بورجوازي، خاصة في ظلّ التوتّر السياسي، وتلوّث البيئة الاجتماعية بتفشي الجريمة والعنف بأنواعه وانتشار الفكر المتطرّف، وعدم الاستقرار الاجتماعي الذي يُهدّده غليان الطبقات الفقيرة والمهمّشة والفئات المعطلة عن العمل التي ازدادت وضعياتها تعقّدا بعد الثورة، ينضاف إلى كلّ هذا الضغط النفسي والقلق الوجودي الناتج عن المخاطر الأمنية التي تتهدّد الأمن الوطني بسبب التوتّرات الداخلية والإقليمية، وقد لعبت وسائل الإعلام والاتصال الحديثة دورا كبيرا في تضخيم وتعميق هذا الضغط النفسي وفي تعميمه على مختلف فئات المجتمع من خلال التركيز المكثّف على القضايا الأمنية، والتي كان تعامل البعض منها مع هذه القضايا مختلاّ مهنيا وحِرَفيّا.

كما تتأكّد لنا حاجة المجتمع للثقافة في هذه الظرفية الزمنية المضطربة، إذا علمنا أن تونس من الدول الفقيرة نقديا وطبيعيا، فهي لا تملك ثروات طبيعية ضخمة تمكّنها من ضمان عائدات مالية إضافية يمكن أن تعتمد عليها لحلّ مشاكل التشغيل والمديونية، وتغطية الحاجيات التنظيمية والمادية للمؤسستين الأمنية والعسكرية في الحرب المعلنة ضد الإرهاب المادي والفكري. وقد راهنت تونس منذ الاستقلال على الثروة البشرية من خلال التعليم، وهو مكسب يُحسب للدولة الوطنية، وإن كان هذا الميدان يشكو أيضا من عجز البرامج البيداغوجية عن تحقيق الرقي المعرفيّ المنشود نتيجة عدم تحيينها، مما جعلها غير قادرة على تلبية حاجيات المتعلّم وانتظارات المعلّم والولي. لذلك تتأكد اليوم ضرورة إلحاق الثقافة بقائمة الرهانات الرئيسية في سبيل ملء الفراغ الفكري والثقافي الذي ازداد خطره في ظلّ الوضع الراهن الوطني والإقليمي. فأيّ سياسة ثقافية تحتاج تونس اليوم؟ ومن أين يبدأ الإصلاح الثقافي؟

نماذج السياسات الثقافية

         يأخذ تدخّل الدولة في الشأن الثقافي ثلاث صور حدّدها فرنسوا كولبار (5) كما يلي:

الدولة المخططة

هو نموذج الدولة التي تحتكر جميع الأدوار، بدءًا بالقرار وصولا إلى التنفيذ. ففي الدولة المخططة تؤخذ القرارات من طرف المسؤول الأول على الشأن الثقافي، الذي توكل إليه الدولة تنفيذ سياستها العامة في هذا المجال، وتُفرض القرارات المأخوذة من طرف ممثّل السلطة على جميع المؤسسات والهياكل الثقافية الحكومية. كما أن الدولة، أي السلطة السياسية، هي التي تحدّد احتياجات المناطق والجهات من الثقافة، وتقوم على ضوء تصوراتها بتخطيط المشاريع وتمويلها وإنجازها. ولا يتعدّى دور المؤسسة الثقافية في الدولة المخططة كونه تطبيق سياسة الدولة ودعمها. 

الدولة المانحة

تحتلّ الجمعيات والمنظمات غير الربحية المكانة الأولى في الشأن الثقافي في الدولة المانحة. حيث يقتصر دور الدولة على التمويل والتشجيع من خلال تسهيل المهام وإذلال الصعوبات أمام عمل الجمعيات والمنظّمات الثقافية التي تكون مستقلّة عن الدولة وغير مطالبة بتنفيذ سياستها العامة في الشأن الثقافي، بل هي التي تقوم بالتخطيط والتنفيذ ولا تستعين بالدولة إلا في ما يتعلّق بالتمويل المادي.

الدولة الحاضنة

على عكس الدولة المانحة، لا تخصّص الدولة الحاضنة جزءا من ميزانيتها لتمويل الممارسة الثقافية، بل تكتفي بالتوجيه والدراسة، فالممارسة الثقافية في الدولة الحاضنة من مشمولات المجتمع، الذي يكون عليه تحديد احتياجاته من الثقافة وإيجاد طرق تلبيتها. وبالتالي تتكوّن المجموعات الفنية والجمعيات الثقافية داخل المجتمع لتلبية الاحتياجات الثقافية للأفراد.

يتحدّد نموذج السياسة الثقافية الذي تتبعه الدولة حسب طبيعة سياستها العامة من ناحية، وحسب احتياجات المجتمع الثقافية من ناحية أخرى، كما يختلف أيضا حسب الإمكانيات المادية التي تملكها الدولة وتَصوّرها لتوزيع هذه الإمكانيات على جميع القطاعات. وعموما تعكس السياسة الثقافية المتّبعة تصوّر السلطة السياسية لمكانة الممارسة الثقافية في المجتمع، ومدى وعي هذا الأخير واهتمامه بالثقافة والفنون. 

السياسة الثقافية في تونس منذ الاستقلال

اتّبعت تونس منذ الاستقلال توجّها سياسيا شموليا، قام على مركزية السلطة وعلوية القرار السياسي الذي يَصدر دائما بصفة فردية عن الرئيس وحده. كما اتّسم النظام السياسي للدولة الوطنية بانصهار الدولة بالحزب الحاكم، فرئيس الدولة هو نفسه رئيس الحزب، وهو الوحيد الذي يخطّط ويتصوّر المشاريع والبرامج ويأخذ القرارات في جميع المجالات، وما على مؤسسات الدولة إلا تنفيذ وتحقيق هذه القرارات والمشاريع.

وفي المجال الثقافي، تبنّت السلطة في تونس مشروعا تحديثيا قام على القطع مع التقاليد الثقافية الشعبية، واستبدال كل مظاهر الثقافة المحلية بأخرى أجنبية وأصبحت المحافظة على حضور الثقافة الفرنسية أحد أهمّ الأهداف التي عملت على تحقيقها السياسة الثقافية، "فالاتجاه الأساسي للسياسة الثقافية تحديثوي باعتباره متجها إلى استبدال المؤسسات الثقافية والدينية التقليدية بهياكل وأطر عصرية تتناسب مع الإيديولوجيا الوطنية الليبيرالية وطموحات بورقيبة في العلمنة والتحديث" (6). وقد سعى بورقيبة إلى إضعاف مكانة الثقافة الشعبية لدى الأفراد لتسهيل تبني نماذج جاهزة مستوردة تُسقَط على المجتمع تعسّفيا، فقد كانت اللغة والثقافة والفرنسيتين تتمتّعان "بالمكانة الأولى عند بورقيبة والأغلبية الساحقة من حاشيته وكبار المسؤولين" (7). وذلك ناتج من ناحية، عن التعليم المزدوج التونسي-الفرنسي الذي كان قد تلقّاه بورقيبة ومعظم المسؤولين السياسيين آنذاك، وناتج من ناحية أخرى عن تصوّر بورقيبة "للأمة التونسية" التي عمل على عصرنتها وتحديثها وفق النموذج الذي وضعه بنفسه، على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. وقد كان بورقيبة متأثّرا في توجّهاته السياسية بالنموذجين الفرنسي والتركي، لذلك سعى إلى تقليد هذين النموذجين في مشروعه التحديثي الذي جنّد جميع أجهزة الدولة وهياكلها في سبيل تكريسه. وقد قام المشروع التحديثي البورقيبي على جملة من النقاط نذكر منها:

-تعصير المجتمع من خلال إضعاف الثقافة الشعبية والثقافات المحلية وخاصة ثقافات الأقليات

-تبني نماذج ثقافية أجنبية، غربية بالأساس، والسعي إلى تواصل حضور الثقافة المستعمر الفرنسي

-إضعاف المعتقد الديني

-مركزية الدولة من خلال احتكار خلايا الحزب الحاكم لرسم خطوط الثقافة الرسمية وترويجها ليقع تبنيها من طرف أفراد المجتمع

-عدم التكافؤ بين الجهات في ضمان الحق في الثقافة وتركيز المشاريع الثقافية الكبرى في العاصمة وبعض المدن الساحلية

وفي إطار بناء الدولة وتركيز هياكلها، بعثت السلطة السياسية في تونس بعد الاستقلال جملة من المؤسسات الحكومية لتقوم بتطبيق المشروع التحديثي في المجال الثقافي. حيث تأسّست كتابة الدولة للشؤون الثقافية والأخبار في 1961، وأُسندت إليها مهمة الإشراف على ميدان الصحافة والإذاعة والتلفزة والسينما وتسير وتنظيم الأنشطة الثقافية ونشر ثقافة الأمة ومراقبة الهياكل والمؤسسات الخاصة المهتمة بترويج الأعمال الفنية والفكرية (8). وتغير تنظيم الكتابة في 1975 لتصبح وزارة الشؤون الثقافية بموجب الأمر عدد 773 لسنة 1975 المؤرخ في 30 أكتوبر والمتعلّق بضبط مشمولات وزارة الشؤون الثقافية وتنظيمها. وتم إحداث عدد من الهياكل الحكومية الراجعة بالنظر إلى الكتابة ثم إلى وزارة الشؤون الثقافية، وهي المندوبيات الجهوية للثقافة التي تحدّدت مُهمّتها الرئيسية في تمثيل وزارة الشؤون الثقافية لدى السلط الجهوية، من خلال التنسيق الإداري ومراقبة الأعوان وإعداد البرامج وتنفيذها وفقا لتوجيهات سلطة الإشراف، وذلك بالتعاون مع اللجان الثقافية التي تتفرع إلى لجنة مركزية ولجان جهوية وأخرى محلية، موزعة في جميع جهات الجمهورية. وتتمثّل مهمة اللجنة المركزية، الموجودة بالعاصمة، في إعداد برنامج سنوي للنشاط الثقافي والفني وتنسيق نشاط اللجان الثقافية الجهوية (9). التي تهتمّ بإعداد البرنامج السنوي لنشاط دور الشعب وتنسيق انشاط الثقافي على مستوى الولايات، أما اللجان المحلية فتتولى تنفيذ البرامج الثقافية التي تقررها اللجنة الثقافية الجهوية الراجعة لها بالنظر (10). وتشرف اللجان الثقافية الجهوية والمحلية على عمل دور الثقافة في المدن الكبرى ودور الشعب في المناطق الداخلية. فقد قامت وزارة الشؤون الثقافية بتأسيس دور الثقافة في المدن الكبرى، وأوكلت إليها مهمة نشر ثقافة الدولة لدى الأفراد، أما دور الشعب فقد أسستها خلايا الحزب الاشتراكي الحاكم، أي أنها ذات صبغة سياسية صرفة، وأشرفت على تسييرها اللجان التنسيقية التابعة للحزب. وتمثّلت المهام الرئيسية لدور الثقافة ودور الشعب في نشر إيديولوجيا الحزب داخل الجهات، وترويج الثقافة الرسمية التي تضعها السلطة السياسية، وكانت هذه الدور تخضع للرقابة الأمنية والسياسية المتواصلة.

قامت السياسة الثقافية في تونس إذا، منذ الاستقلال إلى نهاية حكم بن علي، على دمج السياسي بالثقافي، الذي يتجلّى في سيطرة الفاعل السياسي على جميع الأنشطة الثقافية بدءا باتخاذ القرارات وصولا إلى تنفيذ المشاريع. ولم تأخذ السلطة في اعتبارها تفاوت الحاجيات الثقافية للأفراد، فقد كانت هذه الحاجيات تحدّد بمعزل عن الأفراد المعنيين بها، وكانت هياكل الحزب الحاكم تضع هذه الاحتياجات بما يخدم مشاريعها وما يرضي خلفياتها الإيديولوجية دون تشريك النخب المثقفة أو استشارة المختصين في المجال الثقافي. فقد قامت السياسة في تونس بصفة عامة، على مركزية الدولة وتهميش النخب، ووَجَد المجتمع نفسه مجبورا على طاعة أجهزة الدولة والخضوع لقراراتها والتأقلم مع سياستها. وبالتالي نتج عن هذه السياسة انتشار الشعور بالاغتراب بين الطبقات المتعلمة والمثقفة وحتى الطبقات الشعبية التي لم تنل نصيبها من التعليم، فالثقافة الرسمية التي رَوَّج لها الحزب الحاكم عن طريق المؤسسات الثقافية لم تستجب للحاجيات الثقافية لأفراد المجتمع، ولم تعبّر عن واقعهم، بل  عن وجهة نظر الهياكل الرسمية التابعة للحزب الحاكم. وقد كانت البرامج الثقافية للتظاهرات والمهرجانات التي تضعها اللجان والمندوبيات الثقافية، مسقطة على الجهات ولا تتماشى مع خصوصيات المناطق ولا تعبّر عن الثقافات المحلية. كما اتّسمت السياسة الثقافية في تونس بعدم الاستقرار والتذبذب والتردّد والتجريب المتواصل الذي حال دون اتباع تمشّ سياسي واضح يخدم الثقافة الوطنية ويحفظ مكانتها ويعمّق وجودها في أذهان الأفراد من ناحية، ويضمن الانفتاح على التجارب الثقافية الأجنبية دون التخلي عن الثقافة والهوية الثقافية الوطنيّتين. كما أدى هذا التذبذب على مستوى السياسة الثقافية إلى عدم مأسسة التظاهرات الثقافية والفنية الكبرى، مثل المهرجانات والمعارض الفنية والثقافية، مما يضمن استمراريتها وتحسين مردوداتها المعنوية والمادية وضمان بلوغ أهدافها، فوجود العديد من المهرجانات والتظاهرات الثقافية مازال إلى اليوم مناسباتيا ويرتهن إلى وجهات النظر الشخصية للمشرفين الرسميين على الشأن الثقافي، وإلى الإمكانيات المادية المتاحة، وإلى المدّ والجزر الذي يسم أداء الفاعلين السياسيين المسؤولين عن القطاع الثقافي. مما حال دون إيجاد تظاهرات ثقافية وفنية قارة ومستقرة يمكن أن تكون مجالا للترفيه والتثقيف، ويمكن أيضا أن تدخل في الدورة الاقتصادية الوطنية بصفة دائمة، وتوفّر مواطن شغل قارة للمختصين في المجالات الثقافية والفنية والمجالات الأخرى ذات العلاقة.

لقد اتّبعت السلطة السياسية في تونس النموذج الفرنسي في السياسة الثقافية، فكانت دولة مخطّطة تُحدّد الحاجيات الثقافية وتضع البرامج والمشاريع وتقوم برصد الموارد المالية والمادية ثم تتولى تنفيذ هذه المشاريع. ولكن، نموذج الدولة المخططة يتطلّب إمكانيات مالية ضخمة وموارد تمويلية حكومية قادرة على إنجاز مشاريع بناء وتجهيز المؤسسات الثقافية والفنية، وتمويل مختلف الأعمال، وتشجيع الإبداع من خلال رصد الجوائز التحفيزية وتوفير مؤسسات التعليم والنشاط الفنيين والثقافيين. ولئن كانت فرنسا، التي تبنّت هذا النموذج في الجمهورية الخامسة مع أندري مالرو وزير الثقافة في حكومة ديغول، تمتلك كل هذه الإمكانيات التي تضمن لها تنفيذ سياستها الثقافية وفق نموذج الدولة المخططة، فإنّ تونس، التي تبنّت هذا المشروع في الجمهورية الأولى، لم تتوفّر لها نفس الإمكانيات مقارنة بفرنسا، خاصة وأنها في فجر الاستقلال، أي في بداية مرحلة بناء الاقتصاد الوطني وتفعيل الاستقلالية المالية وصياغة الميزانية العامة والميزانيات التفصيلية. كما أن السياسة الثقافية الفرنسية كانت تشجّع على التشبّث بالثقافة الشعبية، وقامت على إعلاء شأن التراث الثقافي الشعبي الذي كان بمثابة مصدر فخر للفرنسيين، وكرست مبدأ الحق في الثقافة. فقد أوكلت السلطة الفرنسية إلى وزارة الثقافة مهمة ضمان حق جميع المواطنين الفرنسيين في الثقافة، ونشر التراث الفرنسي في الداخل والخارج، وتمكين الفرنسيين من الاطلاع والتعرف على الآثار الثقافية الإنسانية العالمية والفرنسية خاصة. (11) في حين أن السياسة الثقافية في تونس قامت منذ وضعها، على تهميش الثقافة الشعبية والمحلية، وتضييق مجال ممارساتها ومظاهرها الطقوسية والاحتفالية. لذلك عجزت هذه السياسة عن خدمة الثقافة الوطنية، وفشلت في التعبير عن تطلعات أفراد المجتمع وفي الاستجابة لحاجياتهم الثقافية والفنية، وكان أداؤها السياسي في المجال الثقافي أقلّ بكثير من الطموح الشعبي.

أسس الإصلاح الثقافي

يتطلّب الإصلاح الثقافي تدخّل عدد من الفاعلين الذين يتقاسمون أدوارهم حسب صفاتهم وإمكانياتهم، مثل الأسرة والمدرسة والمثقف والسياسيّ والإعلامي. ويتطلّب الإصلاح حيزا زمنيا ممتدّا، نظرا لقيام الثقافة على الخصوصية الرمزية التي تتطلّب طرقا معينة في التعامل معها. ويمرّ الإصلاح الثقافي، في نظرنا، بمرحلتين أساسيتين، مرحلة سلوكية وأخرى هيكلية. وهما مرحلتان متداخلتان تستفيد الواحدة من الأخرى.

الإصلاح السلوكي

ونعني بها إصلاح وتعديل المنظومة السلوكية للأفراد، من خلال دفعهم لتجاوز الأفعال والسلوكات السلبية المعطّلة لفعل التطور الحضاري، وحثّهم على إتيان السلوكات الإيجابية التي تضمن استقرار المجتمع وترتيب العلافات داخله. فالسلوك السويّ والمسؤول والمعتدل يمثّل القاعدة التي تبنى عليها سلسلة العلاقات داخل المجتمع، ويمنع ظهور السلوكات الشاذة والهجينة مثل التعدي على الحريات أو الإضرار بالملك العام. كما أن القاعدة السلوكية والقيمية تمثّل غلافا واقيا يمنع تسرّب كلّ أشكال التطرّف الفكري الذي يمكن أن يهدّد وحدة المجتمع واستقراره.

وينطلق الإصلاح الثقافي في المرحلة السلوكية أوّلا من تعديل السلوك العام للأفراد، وتأتي الأسرة في المرتبة الأولى من بين المؤثرين في هذا المجال. ويبدأ تعديل السلوك بنشر ثقافة المسؤولية وتحفيز الأفراد على مراعاة مصلحة الوطن وتبجيلها على المصالح الفردية، وذلك في مجالات نظافة البيئة والمحيط، والمحافظة على الملك العام، واحترام المؤسسات العامة والخاصة، واحترام القانون، ودفعهم إلى تجاوز العادات السلبية والسلوكات الهجينة مثل العنف اللفظي والمادي، سواء في الفضاءات العامة أو الخاصة، والتعدي على أملاك الغير أو الأملاك العامة وغيرها من السلوكات التي يمثّل تواصل انتشارها عائقا كبيرا أمام عملية الإصلاح الثقافي والتنموي. ويتطلّب الإصلاح الثقافي أيضا إعادة الاعتبار للرموز الثقافية التاريخية، وتعديل ميزان القيم لفائدة القيم الإيجابية الدافعة نحو التقدّم الحضاري. وذلك من خلال مقاومة ثقافة التطرف الفكري، وهنا يبرز دور المدرسة والجامعة في توفير الزاد المعرفي للأطفال والشباب وتعميق انتمائهم الوطني من خلال غرس وإنماء بذور الوطنية فيهم. كما يبرز أيضا دور المثقّف والسياسيّ والإعلامي في إعطاء القدوة للأفراد في الاعتزاز بالانتماء الوطني. ومن شأن إحياء الرمزية الوطنية وتعميقها أن يمثّل سدّا منيعا أمام التبعية الثقافية وأمام جميع الانحرافات السلوكية الممكنة. ويتطلّب أيضا تعديل ميزان القيم إحياء قيم العمل والاجتهاد والصدق وغيرها من القيم الأخلاقية والإنسانية التي تؤثّر على السلوك اليومي وعلى العلاقات الاجتماعية.

يتطلّب الإصلاح السلوكي أيضا نشر ثقافة الديمقراطية، وتجاوز بعدها المؤسسي إلى بعدها الثقافي. وهو من أهم أدوار السلطة السياسية. فالديمقراطية لا تقف عند حد تقسيم السلط بالتساوي وإقرار القيم الإنسانية العامة، بل تتجاوز ذلك إلى كونها سلوك يومي، يظهر في طريقة التعامل مع الآخر. ويمكن إقرار البعد الثقافي للديمقراطية من خلال تكريس مبدأ المساواة بين الأفراد وتجاوز العلاقات الأفقية سواء بين الأفراد بعضهم البعض، أو بين السلطة والأفراد.

بالإضافة إلى هذه النقاط، تمثّل ثقافة الاستهلاك الثقافي أحد دعائم الإصلاح. حيث تنقسم الحاجات الثقافية إلى نوعين، الأول يشمل السلع الثقافية التجارية، والتي يدفع المواطن مقابلا ماليا للحصول عليها، مثل شرائط الموسيقى والكتب واللوحات التشكيلية وارتياد المسارح، والثاني يشمل الخدمات الثقافية غير التجارية، والتي تتمثّل في التعليم الفني والانخراط في الورشات وارتياد دور الثقافة. وفي حين أن النوع الثاني، أي الخدمات الثقافية، تتكفّل بها الدولة التي توفر المؤسسات الناشطة في المجال الثقافي، إما بدون مقابل أو بمقابل رمزي، فإن النوع الأوّل يكون عادة عبئا على المواطن الذي لا يملك تقاليد الاستهلاك الثقافي والذي تشهد قدرته الشرائية تراجعا مستمرّا. وبالتالي على الدولة والمنظمات غير الربحية القيام بدور توعوي تجاه المواطن لتحفيزه على الاستهلاك الثقافي والانفاق في سبيل الثقافة الذي تبرز أهميته في التثقيف من ناحية، وفي المساهمة في الاقتصاد الوطني عبر الضرائب المفروضة على المواد الثقافية التجارية من ناحية أخرى.

تبدو هذه الشروط التي يتطلّبها الإصلاح الثقافي مجرّدة ورمزية، ويمكن كذلك أن تبدو للبعض نسبية وغير مضمونة من حيث إمكانية تحقّقها ونتائجها إن تحقّقت. ولكن النهضة الثقافية والالتحاق بالركب الحضاري لا يمكن أن يكون دون ذوات اجتماعية سوية ومعتدلة سلوكيّا. فالتطوّر التكنولوجي مثلا، الذي تسعى جميع الدول إلى مجاراته، يمكن أن ينقلب إلى خطر، لا يهدّد الشعوب المالكة له فقط، وإنما العالم بأسره إذا لم يتمّ اعتماده وفق قاعدة سلوكية عامة تحمي الأفراد من مخاطر التكنولوجيا المتطوّرة، خاصة في مجالات الإعلامية والأنترنت والأسلحة المتطوّرة والآلات الحربية.

وتتدخّل عدة عوامل في عملية إصلاح السلوك العام للأفراد، وتأتي التربية في المرتبة الأولى في صفّ العوامل المتدخّلة في هذه المرحلة، ولا يقلّ عنها الاستهلاك الثقافي من حيث الأهميّة. فالممارسة الثقافية تمثّل مجالا مفتوحا وحرّا أمام الأفراد لإثراء زادهم المعرفي من ناحية، ولتطبيق معارفهم المكتسبة بالتربية من ناحية أخرى. كما تساعد الممارسة الثقافية والفنية على نشر قيم الجمال وصقل الذوق وتنمية المهارات وتهذيب السلوك واكتشاف القدرات والمواهب لدى الأطفال خاصة. ويمثّل توفير الحق في الممارسة الثقافية وضمانه أحد أهم أدوار السلطة السياسية التي تتولّى وضع وهيكلة المؤسسات الثقافية وهو ما سميناه بالمرحلة الهيكلية في الإصلاح الثقافي.

الإصلاح الهيكلي

هي مرحلة أقلّ تجريدا من المرحلة السلوكية، وتتمثّل في وضع الهياكل والمؤسسات وإقرار النصوص القانونية وتبنّي المفاهيم الضامنة للممارسة الثقافية. ويتدخّل في هذه المرحلة طرفان رئيسيان هما الدولة والمجتمع المدني. وتتحدّد مهام الدولة في هذه المرحلة في توفير البنية التحتية الضرورية للممارسة الثقافية، وهو ما شرعت في القيام به تونس منذ الاستقلال عن طريق بناء دور الثقافة ودور الشعب. وإن كان بناء هذه الدور يبدو ظاهريا في إطار دمقرطة الثقافة وتقريب الفعل الثقافي من الأفراد، إلا أن التوظيف السياسي لها حال دون قيامها بدورها الثقافي والتثقيفي، وحوّلها إلى دور مهجورة لا يرتادها غير المنخرطين في الثقافة الرسمية أو الموالين للسلطة السياسية، فدور الشعب والثقافة مرتبطة هيكليا باللجان الثقافية التي أولت لها السلطة مهمة وضع البرامج ورسم التظاهرات الثقافية وفق السياسة العامة والسياسة الثقافية للدولة، إضافة إلى الترويج لإيديولوجيا الحزب والثقافة الرسمية. كما أن تركيز دُور الثقافة في مناطق معينة، ودُور الشعب في المناطق الأخرى عكس النظرة الدونية التي كان ينظر بها السياسي إلى سكان الأرياف. فدُور الثقافة كانت مركزة في المدن، باعتبار أن السياسيّ يعتبر سكان المدن مؤهّلين للممارسة الثقافية، في حين أنّ دُور الشعب بُعثت في الأرياف. وهي كما بيّننا سابقا، خلايا حزبية أسسها الحزب الاشتراكي بغاية نشر ثقافة الحزب في المناطق الريفية. مما يفسّر أن الحاجة الأولية للريفيّين، في نظر السياسي، هي التأطير الحزبي وليس الثقافة.

ومن ناحية أخرى، لطالما مثّلت محدودية الإمكانيات المادية لدور الثقافة ودور الشعب عائقا رئيسيا أمام اتّساع وتنوع أنشطتها. وفي العموم يمكن القول إن دُور الثقافة والشعب كانت دون انتظارات الأفراد، ولم تَفِ بحاجياتهم الثقافية. ومثّل تبنيها وترويجها للثقافة الرسمية أحد أهم الأسباب التي دفعت بالأفراد إلى تفضيل هجرانها عن ارتيادها.

وتتمثّل الأولوية الرئيسية اليوم، في إقرار استقلالية دور الثقافة عن العمل الحزبي والسياسي، وتشريك المختصين الثقافيين وعلماء النفس والاجتماع في تحديد أنشطتها بما يتماشى مع الفئات العمرية والاجتماعية المستهدفة، في سبيل تطوير آليات عملها وضمان استجابتها لحاجات مرتاديها. كما يمثّل أيضا تشريك المستفيدين من دور الثقافة ومرتاديها في وضع البرامج والأنشطة عاملا مساعدا على ضمان ملاءمة البرامج للحاجيات.

ومن ناحية أخرى، تلعب الجمعيات الثقافية والفنية دورا هاما في مجال التنمية الثقافية، ويمكن للدولة أن تسهّل استفادة هذه الجمعيات من دور الثقافة من خلال دعم أنشطتها داخل الدُّور، ولكن مع استمرار مراقبة هذه الجمعيات ونوعية أنشطتها من طرف الدولة والمختصين في علوم التربية والنفس والاجتماع.

أما في ما يخصّ الموارد المالية التي تمثّل عائقا رئيسيا أمام سلطة الإشراف وأمام دور الثقافة في قيامهم بأنشطتهم، فإن البحث عن موارد خاصة أصبح ضرورة مُلحّة. فالتوجّه نحو إبرام عقود واتفاقيات الشراكة والتمويل مع الشركات التجارية والاقتصادية الكبرى يمثّل أحد الحلول الممكنة من أجل تجاوز العائق المادي، وإن كانت هذه الشركات اعتادت دعم التظاهرات والمهرجانات الثقافية التجارية التي ستضمن لها الإشهار وبالتالي ضمان عائدات مادية أكبر، فإنّ تجاوز النظرة التقليدية إلى الممارسة الثقافية على أنها عبء ثقيل تتحمّله الدولة وتتكفّل بتوفير جميع لوازمه أصبح ضرورة لضمان النهضة الثقافية وخطوة هامة في سبيل الإصلاح الثقافي. وهو ما يندرج ضمن ما أسميناه في المرحلة السلوكية بثقافة المسؤولية. فالممارسة الثقافية هي مسؤولية جميع الأطراف، وتوفير الحاجيات الضرورية لممارسة الثقافة هو واجب مشترك بين الدولة والجمعيات والمنظمات غير الربحية والشركات الكبرى الخاصة، بالنظر إلى نتائج الإصلاح الثقافي التي ستضمن لجميع الأطراف بيئة اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية مناسبة للتنمية الشاملة وللمحافظة على وحدة المجتمع واستقرار مؤسّساته.

أما في ما يتعلّق بالنصوص القانونية، فتتمثّل الضرورة القصوى اليوم في تفعيل القوانين والمعاهدات الدولية ذات العلاقة بالشأن الثقافي ومراقبة كيفية ومدى تطبيقها، مثل قوانين ومعاهدات حماية حقوق الملكية الفكرية وقوانين الحيطة الاجتماعية للمبدع. وهو ما من شأنه أن يوفّر بيئة خلق إبداعي وثقافي تدفع بالفاعلين الثقافيين نحو مزيد العمل والإنتاج، ويضمن حقوقهم المعنوية والمادية.

ويمثّل تبني المفاهيم العامة الضامنة للممارسة الثقافية أحد أبرز مداخل الإصلاح الهيكلي في المجال الثقافي. كإقرار مفهوم الحق في الثقافة من خلال تسهيل نفاذ الأفراد إلى السلع والخدمات الثقافية، وتوفير الإمكانيات المادية اللازمة لضمان الحاجات الثقافية، من خلال التعاون مع الجمعيات الثقافية والمنظمات غير الربحية والشركات الكبرى الخاصة. كما يمثل تكريس مبدأ ديمقراطية الثقافة داعما رئيسيا في عملية الإصلاح الثقافي، ويتمّ من خلال تسوية الفرص أمام جميع الجهات في الممارسة الثقافية، وذلك بتمكين الجهات الداخلية من البنية التحتية الضرورية للممارسة الثقافية، كالمسارح ودُور العروض ودُور الثقافة والمكتبات العمومية، والموارد المالية والتظاهرات الثقافية كالمهرجانات والمعارض، وعدم اقتصار وجود هذه التظاهرات في المدن الكبرى، وبعض الأرياف دون أخرى. وهو ما يمكن أن يمثّل سدّا منيعا أمام تغلغل ثقافة التطرّف الفكري التي تستهدف خاصة الفئات الأقلّ تنمية والجهات الأكثر تهميشا.

خاتمة

يمثّل إذا الإصلاح الثقافي خطوة أولى نحو الإصلاح الشامل وإقرار التنمية. ويتطلّب الإصلاح الثقافي، كما بيّنا، تكافل جميع الجهود لإصلاح المنظومة السلوكية العامة أوّلا، ثم لهيكلة مؤسسات الممارسات الثقافية ثانيا، وذلك تكريسا لمبدأي الوطنية والمسؤولية. ويبدو أن النموذج الأمثل الذي يساعد على تطبيق برنامج الإصلاح السياسي في تونس هو نموذج الدولة المانحة، التي توفّر الموارد المادية والبنية التحتية وتسهر على تسهيل عمل الجمعيات الثقافية والمنظمات غير الربحية، وتترك لهم مجالا واسعا من الحرية في رسم التصوّرات ووضع برامج التظاهرات الثقافية، وإقرار الحاجات الثقافية للمجتمع. بما يضمن حيادية الممارسة الثقافية واستقلالها عن العمل السياسي. خاصة في ما تعيشه البلاد اليوم من اختراق للثقافة الوطنية بانتشار التطرّف الفكري، الذي بات يمثّل عائقا كبيرا أمام استقرار المجتمع والدولة والمؤسسات. لذلك يبدو أن إعطاء الأولوية للإصلاح الثقافي واسترجاع مكانة الثقافة الوطنية ضرورة ملحّة يجب إيلاؤها ما تستحق من الاهتمام والجدية، في سبيل محاربة المخاطر الناتجة عن التطرّف الفكري والإخفاقات السياسية المتكررة وحماية المجتمع من الانقسامات وضمان استقرار مؤسسات الدولة.

----------------

1 ـ باحثة في العلوم الثقافية- اختصاص علوم موسيقية-تونس

2 ـ نشريات المعهد الوطني للإحصاء حول التشغيل لسنوات 2011-2012-2013. تاريخ التحيين جوان 2013.\

3 ـ أبو زيد، نصر حامد، الخطاب والتأويل، ط.1، المغرب، المركز الثقافي العربي، 2000. ص. 17.

4 ـ نشريات المعهد الوطني للإحصاء في مجال الإنفاق، هيكلة إنفاقات الأسر حسب وظائف الاستهلاك. تاريخ التحيين جوان 2013.

5 ـ COLBERT, François, les éléments des politiques culturelles, séminaire de management culturel : http://www.gestiondesarts.com/media/wysiwyg/documents/Colbert_Politiquesculturelles.pdf

6 ـ وناس، المنصف، الدولة والمسألة الثقافية في المغرب العربي، تونس، دار سيراس، 1995. ص. 200.

7 ـ الذوادي، محمد، "في معضلة عجز المجتمع التونسي على تطبيع علاقته مع لغته الوطنية"، الحياة الثقافية، العدد 238، تونس، وزارة الثقافة، فيفري 2013، ص. 12.

8 ـ الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، ع. 43، س. 105، أكتوبر 1961.

9 ـ الرائد الرسمي للجمهورية التونسية ، ع. 19، س. 106، أفريل 1963.

10 ـ الرائد الرسمي للجمهورية التونسية ، ع. 19، س. 106، أفريل 1963.

11 ـ Décret Malraux du 24 Juillet 1959, fondateur du ministère de la culture rédigé par André : «  rendre accessibles les œuvres capitales de l’humanité, et d’abord de la France, au plus grand nombre possible de Français, d'assurer la plus vaste audience à notre patrimoine culturel et de favoriser la création de l'art et de l'esprit qui l'enrichisse »

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط