محمود كرم / Mar 07, 2008

الإنسان غالباً ما يكون محكوماً باعتقاداته اليقينية المسبقة، وبأحكامه وبتحيزاته الجاهزة حين تفسيره للأشياء من حوله، سواء أكانت اعتقادات وأحكام وتحيزات دينية أم عرفية اجتماعية، ويحاول أن يُسقطها على ما يتداخل ويتشارك ويتعامل ويتعالق معه، لأن الإنسان عموماً يجد سلامته الشخصية وأمنه الإجتماعي وراحته العقلية في الشائع والسائد والجاهز من الأقوال والتفسيرات والأحكام والقناعات، بينما المتمردون بطبعهم والموهوبون والخارجون على الأنماط الثقافية السائدة، والرافضون للتفسيرات النمطية المعتادة والمستهلكة والسطحية، يمتلكون قدرةً ذاتية للتعاطي الخلاق والحر مع الحياة والأشياء من حولهم، والنظر إلى الأمور انطلاقاً من وعيهم وفرادتهم الإبداعية واستقلاليتهم الفكرية، منعتقينَ تماماً من أية اكراهات ماضوية أو أيديولوجية أو دينية أو عقائدية أو مذهبية..

 

ويدرك هؤلاء أن التخلص من الاعتقادات التلقينية والأحكام الجاهزة ومن التحيزات الثقافية اليقينية المسبقة، والمضي في الحياة بصفاء ذهني ووعي متفرد ونمط مستقل مغاير للمتعارف والسائد المهيمن، عملية تتطلب الكثير من شجاعة العقل المفكر في تخطّي التصلب العقيم للمفاهيم والمعتقدات والمذهبيات الرابضة طويلاً في بنية العقل الجمعي، وتتطلب في الوقت نفسه المواجهة المباشرة مع الثقافة الاجتماعية النمطية السائدة، ومواجهة الفكر الاستلابي والتسلطي للموروث الديني بيقينياته وغيبياته وأحكامه وتفسيراته واستعراضاته، والمواجهة تلك تضع الإنسان الموهوب بشجاعة التمرد والرفض للأنساق والأنماط الثقافية المعتادة والسائدة والمهيمنة والمستبدة أمام خيارين، فإما أن ينتصر لعقله واختياره وحريته، وينتصر تبعاً لذلك للثقافة الإنسانية والفكر الإنساني الحر، أو أن يترك للاعتقادات المسبقة والأحكام الجاهزة المعلبة والتحيزات اليقينية التي تنتجها العقلية الجمعية المسكونة بالفكر الاستحواذي للثقافة السائدة واليقينية والنمطية والمهووسة بالموروث الديني، أن تسلب منه عقله وقراره واختياره وحريته وإرثه الإنساني الحر..

 

ويدرك الفرد المنعتق من قيود الثقافات الهادمة للعقل والرغبة والإرادة والحرية والجمال والشجاعة والتحديق والنقد والتساؤل والتفكير، يدرك أن ثمة خطورة على إبداعه وتألقه وفردانيته ووعيه وتجلياته، حينما يتم جرّه إلى دائرة التوافق الثقافي والمسلكي والمعرفي وبشكل كلي مع الثقافة الدينية والعرفية السائدة ذات التوجه التسلطي والاستحواذي، فالأشخاص الموهوبون بجمالية التحديق المختلف والمغاير للأشياء والمفاهيم من حولهم، يدركون مدى خطورة التوافق مع السائد والمعتاد والنمطي على الإبداع والتألق والانتاج التفكيري الملهم وعلى تدفق التساؤلات التحفيزية للعقل، ويدركون خطورته من حيث كونه يجعل منهم نسخة زائدة مكررة للاعتقادات والأحكام والتحيزات الجاهزة والمسبقة، كمن يريد منهم أن يقرأوا كتاباً تراثياً ليؤمنوا ويعتقدوا بما جاء فيه، وليس للبحث عن رأيهم فيما يقرأون، ويدركون أيضاً خطورة التوافق ذاك، لأنه يحيلهم إلى مجرد متلقينَ يدورون في فلك الإجابات الجاهزة واليقينية والمعتادة والنمطية، وكل ذلك لأن التوافق الثقافي والمعرفي مع كل ما هو سائد ومبرمج ومتعارف ويقيني يقتل فيهم ثقافة السؤال، ويسد في وجوههم نوافذ الأسئلة، ويطمس فيهم منابع التساؤل والاستفسار والاستنتاج..

 

ولكي يصل الإنسان إلى الفهم والمعرفة بالأشياء، وبالتالي فهم حيثياتها وتكوناتها وظروفها ومناخاتها وسياقاتها الثقافية والفكرية، فمن الطبيعي أن يسبق كل ذلك اجتراحه العقلاني والمنطقي للسؤال، فالسؤال البداية المنطقية للمعرفة والفهم، ومن غيره يبقى الإنسان لاقطاً جيداً للسائد والمتعارف والمعتاد والنمطي، بينما يستطيع أن يملك القدرة على النظر إلى الأشياء بطريقة مختلفة ومغايرة ومبتكرة حينما تتفجّر فيه منابع الأسئلة، ويتهاطل عقله فيما بعد بتدفقات التساؤلات الاستفزازية والتحفيزية والإحراجية، ولذلك يبقى المتمردون على السائد والرافضون له، يبحثون في أعماقهم عن منابع السؤال، ويتحسسون عميقاً نبض التساؤلات في أعماقهم، يتجلّون فيها ويحلقون بها بعيداً، ويجدون في مداراتها لذة البحث والتفكير والاستنتاج والتجريب، إنهم يدركون أهمية أن يكون الإنسان الموهوب والمتمرد مسكوناً بنبض السؤال المفعم بجرأة الخروج عن المألوف واليقيني والدارج، لأنه طريقهم إلى الفهم والنقد والتخلق الفكري، وطريقهم إلى المعرفة المتجددة والمتغايرة والمبدعة، وعادةً ما توجد هناك ثمة مسافة بين تدفق السؤال وبين الفهم أو الاستنتاج المعرفي والذي هو في النهاية محصلة مجهودات البحث في الإجابات والفتوحات والاكتشافات عن الأسئلة والتساؤلات، وهذه المسافة بحكم طبيعتها وتكوينها وتعالقاتها مع الواقع بظرفياته وأحداثه وتشكلاته، تتجاذب بين ما هو ذاتي وبين ما هو جماعي أو جمعي، أي بمعنى كلما كان السؤال استفزازياً وجريئاً واحراجياً ونقدياً ومغايراً واستكشافياً، كانت المسافة إلى الفهم والمعرفة مُنحازة للعقل التفكيري وللذات المفكرة الاستنطاقية والتأملية، ومنحازة أيضاً للاستقلالية الذهنية المتحررة من سلطة الاعتقادات والأحكام والتحيزات المسبقة والجاهزة، وعلى العكس من ذلك، كلما كان السؤال اعتيادياً ومسطحاً ومعلباً وتلقينياً واستسلامياً وتوافقياً، كانت المسافة إلى الفهم أو المعرفة مُنحازة للشائع والسائد والنمطي والمعتاد واليقيني من الثقافات المعيقة للتفكير الحر والاحتجاج والاعتراض المنطقي والتحديق المغاير والشك، وهي ذاتها الثقافات القامعة لشجاعة الشخصية التساؤلية والنقدية والمتمردة، ومن هنا يدرك الموهوبون والرافضون للتفسيرات الثقافية الجاهزة والمعلبة والغيبية واليقينية، أن هذه المسافة الموصلة للمعرفة الخلاقة والحرة والمتغايرة، إنما تتخلق في فضاءات الأسئلة الحائرة والجريئة والاحراجية التي تتأسس على استنطاقات الوعي الإنساني المؤمن بحقه الكامل في التفكير والتفسير والاختيار، وتتجاذب هذه الأسئلة مع التفسير الموضوعي العقلاني المستقل حين النظر إلى الأشياء والمفاهيم والأنساق الفكرية، بعيداً عن هيمنة التفسيرات والتحيزات والأحكام الجمعية الجاهزة والتوارثية والسائدة..

 

ويعرف الموهوبون بفرادة تساؤلاتهم الاستنطاقية الواعية، أن الأسئلة فضاء جاذب للمزيد من خصوبة الانتاج المعرفي التعددي والتنوعي، وفي الوقت نفسه فضاء محصّن بطبيعته ضد التسلل العابث للأسئلة التلقينية الطافحة بنبرة اليقينيات والاستفهامات الدارجة المعلبة، ولكن من ناحية ثانية لا يعني بالضرورة أن نزوعهم الدائم للولادات المغايرة لفضاء الأسئلة المفعمة بنبرة التشكيك والنقد والاعتراض والاستنكار والمساءلة، أشدد أنه لا يعني ذلك أن أسئلتهم وتساؤلاتهم ستقودهم قطعاً وبشكل حتمي إلى حقائقَ كاملة أو نهائية أو أبدية، فالحقيقة وطرائق انتاجها والبحث عنها لم تزل ومنذ غابر الأزمان تمثل صراعاً بين العقل الإنساني من جهة وبين المفاهيم من جهة أخرى، هذا الصراع الذي يتجسّد في الألم الإنساني الذي ظلّ يتواصل في تعاقباته الزمنية من أجل اجتراح الوسائل التفكيرية وأدواتها المتعددة وإعادة تمحيصها وقولبتها وتجديدها، للتأكد من إنها تسير في الطريق الباعث على انتزاع الحقيقة، أو محاولة المقاربة الموضوعية منها، وهذا الأسلوب المضني والمربك في البحث عن الحقيقة، أية حقيقة لا يصيبهم بالتوجس أو الخوف أو التراجع، لأنهم يؤمنون بأن المسألة تعني في الأساس أن تتوالد الأسئلة دائماً في مخاضات الشك والتساؤلات الحائرة، ولأن الحياة في نظرهم تتسع لأكثر من تفسير، وتتشكل في أكثر من لون، وتندرج في أكثر من نمط واتجاه، ولذلك فإن تبني ثقافة السؤال لا يعني في المقابل تبنّي ثمة حقيقة مؤكدة ونهائية وقاطعة، فالسؤال في مجملهِ مجهود حثيث لتهيئة المساحات الحاضنة للاستنتاجات المنطقية حول الحقيقة السائرة أبداً في تموجات الزمن الممتد من القدم وإلى القادم من تفتحات الذاكرة الإنسانية المشرعة على الفضاءات البِكر، وتعقّب تراسلاتها الزمنية في التغيير والتحول والتبدل عبر التاريخ البشري، فالحقيقة ليست في رحم الماضي أو المستقبل، بل تبقى تمور في تحولات التفكير الإنساني المتعاقب والمتجدد والرحب، ولذلك فإن العقل الصانع لفضاء الأسئلة يبقى يسير بالإنسان دائماً في مدارات البحث والتساؤل والتفكير لانتاج السؤال تلو الآخر في عمليةٍ تراكمية تثري جوانبَ مهمة في تجربته المعرفية والفكرية والتساؤلية..

 

وثقافة السؤال ليست مستوى يتحلّق في فضاء التهويمات النظرية، بل هي في حراكها التجددي تتعالق التحاماً مع رؤاها المتسائلة عن تبدلات وتحولات المفاهيم والوقائع المعرفية في عملية تنتهج الخلق والإبداع أسلوباً للتعايش مع صياغاتها المبتكرة والمتجددة، وتكون تالياً عاكسةً لمستوى ذاتي يتشكّل في حالةٍ فلسفية وفكرية منتجة وملهمة ومغايرة أيضاً، فالفيلسوف نيتشه على سبيل المثال من بين فلاسفة عصره كان يعكس حالةً من المستوى الذاتي تفتقت عن رؤى فلسفية متسائلة انتجت مفاهيمَ جديدة عن أهمية أن يكون الإنسان صانعاً لوجوده ولكيانه، مُتحرراً من سطلة النص اللاهوتي، ومُدركاً لمسؤوليته في إدارة وجوده ومصيره، لينتصر تبعاً لذلك لإرادته ولرغبته ولاختياره في أن يكون مناهضاً لاستبداد المفهوم الاعتقادي الديني السائد في ذلك الوقت، وكما يقول عنه المفكر علي حرب :  لم يتعامل نيتشه مع الأقوال كما تقدم نفسها، أي ليس بحسب ما تقوله أو تصرح به، بل حاول دوماً خرق المعلن والمقول والظاهر، نحو ما لا يقال ولا يرى، ربما من فرط وضوحه وبداهته..

 

محمود كرم

كاتب كويتي

tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط