د. أكرم شلغين / Feb 27, 2014

انتهى عرض الفيلم وراقني اقتراح بقية الأصدقاء أن نتناول شيئاً ما في المقهى المجاور، فلسنا مضغوطين بالوقت إذ أننا في مساء يوم السبت، وإن تأخرت، فبإمكاني أن أستخدم الباص الليلي الذي يذهب مباشرة من ذلك الحي ببرلين إلى منطقة راينيكندورف في شمالها حيث أسكن بدون التبديل إلى باص آخر، ففعلت...

في المقهى لم تكن جلستنا لتخلو من الكلام عن الفيلم الذي شاهدناه للتو، ولكن الأحاديث الأخرى عن مسائل كثيرة أخذت الجزء الأكبر من وقتنا فكان أن تأخرت أكثر، ما اضطرني أن أنتظر بعدها للباص الليلي بالفعل.

بعد أقل ما يزيد على النصف ساعة في انتظاره، وصل الباص الذي أراحني من الوقوف منتظراً فصعدت إلى الطابق العلوي من الباص لأن السفلي كان مليئا بالعائدين من السهر المتأخر حتى تلك الساعة. في الطابق العلوي كنت أجلس مستعيداً بعضاً مما تخلل أحاديثنا في المقهى وبعضاً آخر من الفيلم، ولكن عيني كانت تنظر عبر نوافذ الحافلة.

عند زاوية من شارع، رأيت أحدهم يجلس على الأرض ويداه تتفحصان سطح الأرض بجانبه وكأنما يتلمس شيئاً ما كان قد وضعه هناك من قبل وتاه عنه...! شدني منظر ذلك الشخص لسبب ما؛ وعندما تعمقت أكثر في النظر إلى وجهه عرفته... إنه "جابر" العربي الذي جاء برلين قبل عقود للدراسة وبعدها طلب اللجوء السياسي...! لم يكن المشهد ليمر بشكل اعتيادي ولم أكن لأفهم ماذا حل به... وبنفس الوقت، لم أشأ أن أنزل من الحافلة في الموقف التالي وأعود أدراجي إليه لأستطلع عما حصل...!

وصلت سكني تلك الليلة لم أستطع النوم  قبل بزوغ الفجر.  في اليوم التالي اتصلت بأحد الأصدقاء الذي يعرف جابر ورويت له ما شاهدت.. فأخبرني أن جابر مكتئب لسبب ما ويحاول الابتعاد عن البشر ولا يجيب على المكالمات. يبقى في شقته نهارا وفي الليل يخرج... واتسم بقية حديثنا بمزيج من الشفقة ورغبة في مساعدة شخص شبه وحيد في بلد لم يستطع أن يتخذ منه وطناً فقررنا أن نتكلم معه هاتفياً ونحاول بعدها رؤيته.

اتصلنا.. لم يجب على مكالمتينا، فما كان منا إلا أن مضينا قدماً في تنفيذ ما اتفقنا عليه في حال لم يرفع سماعة هاتفه، فالتقينا بالقرب من مسكنه بعد ظهر اليوم التالي ووجدنا باب العمارة مفتوحاً فصعدنا إلى أمام شقته وبدأنا نقرع الجرس لكنه لم يفتح وكررنا المحاولة مرات عدة. فقال الصديق الآخر بصوت عال بالعربية أولا وبعدها بالألمانية أخاف أن مكروها قد أصابك ولهذا سأخبر البوليس ليتصرف... سمعنا بعدها حركة وراء الباب من الداخل. نظرنا لبعض وصرخ الصديق افتح الباب إني أسمعك أنا (فلان)...!

تباطأ جابر في الداخل.. لكنه شرع بفتح الباب... وعندما التقت الأعين كان المشهد حزيناً جداً ومقلقاً... دعانا للداخل... كان جابر يمشي بتثاقل وتمتم برغبته لنا بالدخول. أكثر ما يلفت النظر هو التوافق التام بين جابر الحالي وما بدت عليه شقته حينها... تراكمت الأغبرة على الأرض ولا يمكن لك أن تعرف أو تنجم لما هذا الشيء موضوع في هذا المكان أو ذاك أو كيف ولماذا وصل هذه النقطة بالتحديد من سكن جابر...!! لم يكن كسر الجليد بالبداية بالكلام عن صلب الموضوع بالعثير حيث سأل الصديق الآخر قائلا: " أخوي جابر..! قل ماذا نستطيع أن نخدمك؟ هل ذهبت إلى المختص؟ ماذ قال لك وماذا أعطاك!؟" وأما جابر فقد بدأ يسرد قصته قائلاً ذهبت الى البسيوشاتا (المختص النفساني) مرة كل أسبوع لمدة أشهر ولم أستفد منه شيئاً وفي النهاية قال لي لا أستطيع أن أساعدك لأنك حالة خاصة لا أستطيع التعامل معها... ذهبت لواحد آخر بعد جلستين بدأ بالصراخ في وجهي ووصفني بالعنيد وقال كسابقه أنه لايستطيع مساعدتي... احترت وفعلت كذا وكذا وكذا ولم ينفعني أي شيء. وأقول لكما بصراحة أنني مرة ذهبت إلى أمام الكنيسة في زاوية الشارع وهناك رأيت تمثال المسيح ووجدت نفسي أقول له بصوت عال: " يا مسيح ما أنت أبو المعجزات دي ساويلي معجزة واشفيني! [أي ساعدني بمعجزة أيها المسيح]" وأعدت الكلام مرات ومرات قم انصرفت وأتيت بعدها وقلت له يا مسيح اشفيني! لم يشفني.. ووجدت أنني أتكلم مع الحجر. ثم قلت في نفسي سأجرب أن أستجير بالإسلام فطلبت قرآناً من شاب عربي هنا فأعطاني قرآنا وأوصاني بما يتوجب علي عمله فأتيت به إلى البيت واغتسلت بعد أن قلت في نفسي إنني سأقرأ في كتاب الله... تذللت بشكلي.. ونظرت بخشوع... وغيرت من نبرة صوتي... ونظرت للأعلى وقلت يا ربي اشفيني...! ثم فتحته القرآن لأقرأ... صمت جابر لبرهة وبعدها تنهد ثم تابع بلهجته العامية: "فتحت القرآن أقرأ بيه ما قدرت أتحمل أكثر من دقايق لأني لقيت أخو القحبة قاعد يهدد بيا ويقللي: يا جابر إن تعمل هيتش آني مخوزقك! وإن تعمل هيتشة آني الك بالمرصاد.. وإن تعمل هيتشة هَم آني واقف فوق راسك أذبحك وأذبك بالنار...! [أي وجدت أن (...) الله يهددني ويقول إنني أراقبك في كل ما تفعله.. ويهددني بمعاقبتي وادخالي نار جهنم]... وهذا أنا كما ترونني ... ثم تابع في الحديث قائلا هذه هي المرة الثالثة التي أصاب بها بالاكتئاب ولكن هذه المرة كانت الفترة أطول وأخشى أن تصبح أبدية... تكلم جابر الكثير مما عنده وكأنه كان بحاجة أن يتكلم.... !  غادرناه واعدين أن نتواصل....

بعد أشهر من ذلك بدا جابر وكأنه بدأ يتعافى من اكتئابه.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط