محمود كرم / May 07, 2006

الموت واحدٌ من أشد الحقائق وضوحاً في عناوين الحياة العريضة، وبقيَ الإنسان على مر التاريخ مشغولاً ومنشغلاً به إلى درجة التفكير في سبل الانتصار عليه لتحقيق أقصى درجات الفعل الذاتي المسكون بهاجس الخلود والبقاء والأبدية..

 

وأعرفُ أن هناك الكثيرين ممن استطاعوا أن يحققوا انتصاراً مذهلاً على الموت وبقوا مخلدين في ذاكرة الحاضر والمستقبل رغم تعاقب الأيام والأجيال والسنين، ولكن في جانب آخر وبعيداً عن هذه البداهة المنطقية أرى أن الموت بمعناه المطلق الذي يعني الفناء والغياب والعدم والفقد، فإن تجاوزه والانتصار عليه يعني أن نكون على خط المواجهة الدائمة معه، وفي هذه الحالة قد يستطيع الموت أن يكون الطرف الأقوى في معركة الحياة والاستحواذ والهيمنة، أو أن يكون في مقدور الإنسان أن يبقى على قيد المواجهة مع الموت إلى درجة انشغاله عن التفكير فيه كواحد من المهلكات لإرادته في الحياة، ولذلك أتساءل كثيراً هل هناك ثمة فلسفة دافعة وراء حركتنا الدائبة في الحياة، الحركة التي لا تتوقف عن الفعل وتحقيق الأشياء وممارستها بكامل الاستقصاد الجسدي والذهني والروحي في محاولةٍ واعية أو لا شعورية لنسيان الموت الذي يتعقبنا ويتربص بنا ويواجهنا بحقيقته القاسية..

 

وإذا ما توجهنا بالسؤال إلى أنفسنا: لماذا في هذه الدنيا (الفانية) نعمل ونتزوج ونحب ونمارس الجنس وننجب ونكتب ونقرأ ونسافر ونجترح الإبداع ونبحث عن الصداقات ونبني الآمال والأحلام ونتطلع إلى الكثير منها ونركض بلهفةٍ عارمة نحو الغد وما بعد الغد وتستهوينا المناصب ونتمسك بها، فقد تكون الإجابة المباشرة والتقليدية على هذا السؤال إننا نعمل كل ذلك من أجل أن نتعايش مع ضرورات الحياة أو لأن طبيعة الحياة الدنيا تقتضي منا هذه الحركة الدائبة والتصاعدية، ولكني أعتقد أن هناك ثمة شعور خفي يتعمّد الوجود في منطقة اللاوعي من مملكة الذات، وهذا الشعور تغذيه أحاسيس نشوانية واسعة الثراء التخيلي تخبرنا أنه علينا أن نكون هكذا من الحركة والتصاعد والانشغال في هذه الدنيا لكي ننسى إننا في يوم ٍ ما راحلون إلى عالم آخر يقع كلياً تحت قبضة الموت، ربما لأن هاجس الخلود يسكننا سواءً أردنا ذلك أم لم نرده، وسواءً تعاملنا معه كحقيقة أم كفرضية محالة، فلا بد أن ننشغل بالغوص في التعاطي المثمر مع حركة الحياة عن التفكير بمأساة الذات البشرية الكبرى وهو الموت، فالموت شئنا ذلك أم أبينا هو مأساة الإنسان على مستوى التفكير فيه والانشغال به، ولذلك قد تبدو فكرة (الأبدية) قادرة على أن تكون مغرية لانشغال الفكر الإنساني بها وقد يُفتنُ بها أيضاً وقتاً طويلاً، ولكن في الوقت نفسه قد تكون مصدراً لقلقه المستمر وعذابه الطويل، لأن ببساطة لا يمكن أن يمتنع العقل البشري عن التفكير في هذه الجدليات الكونية الكبرى مع علمهِ المسبق بصعوبة المحاولة في اجتراح سبل التفكير في هذه السياقات..

 

ولا أدري كيف شطح الفنان العبقري سلفادور دالي بخيالهِ إلى سفوح اللامعقول ذات مرة، فقال مقولته المشهورة قبل موته:

 

(لقد قررت، أن يضعوني في علبة بعد موتي، والانتظار إلى يوم أن يكون بمقدور البشرية إعادة الحياة لدالي العبقري، إنّ إعادة الحياة سيكون ذات يوم عملية عادية، وسانتظر ذلك اليوم بهدوء)..

 

فهل كان دالي يريد الخلود على طريقته الخاصة، ومن ثمَّ كان عليه أن ينتظر بهدوء اليوم الذي يكون فيه بمقدور البشرية أن تعيد له الحياة، ربما ثمة جنون جميل خارج المعقول في هذا الأمر، إلا إننا قد نفهم رغبة دالي المحمومة بالعودة إلى الحياة من أجل متابعة عبقرياته وابداعاته وفنونه التي كان يعرف على وجه اليقين أن الموت سيوقف في يوم ما عجلة دورانها وتدفقها، ولكن ما لا نستطيع أن نفهمه ربما هو رغبته بالعودة إلى الحياة مرةً ثانية ليكون من جديد في مواجهة الموت، وربما قد تكون رؤية دالي الحياتية تقوم على فلسفة انتزاع الحياة من براثن الموت في كل مواجهة معه..!!

 

وفي ذات حوار شيّق مع إحدى الصديقات الأديبات أخبرتني عن إعجابها بفكرة كان قد تناولها بطرافة الأديب الأرجنتيني (خوزيه سارماغو) ملخصها تقوم على افتراض أن الموت قد توقف فعلاً ليوم واحد فقط، وما أثر ذلك على الناس والدنيا وكل ما له علاقة مباشرة معه، وقد تناول الأديب هذه الفكرة بقالب أدبي ساخر يحتوي على الكثير من السيناريوهات الدراماتيكية والتراجيدية والكوميدية، وربما فكرة الموت بحد ذاتها قد شغلت هذا الأديب إلى درجة أنه كان يتمنى أن يتوقف الموت ليوم واحد ليسرد الأعاجيب والمفارقات والمواقف التي ستنتاب حياة الناس وتصرفاتهم أمام أمر كهذا، وقد يتساءل الإنسان حقاً وبعبثية لا طائل من ورائها سوى تبني الفرضيات المحالة كأسلوب ممتع في التعامل مع صيرورة الوجود: ماذا لو كان يومي الذي سأعيشه من الصباح إلى المساء خالياً من استحقاقات الموت الاستقصادية، حتماً سيكون يوماً استثنائياً بجدارة حيث سيسعى الإنسان فيه إلى مضاعفة دفق السرعات في أساليبه التعاملية مع الحياة لكي ينجز ما تأخر عن إنجازه بشكل أسرع، وربما على طريقة المفكر (اسحاق عظيموف) حينما قال: (اذا قال لي الطبيب أنني سأموت في ست دقائق فلن أكتئب بل سأكتب بشكل أسرع)، ولكن أية سرعة ستكون كافية لتحقيق أقصى درجات الطموح الذاتي في سباقه المحتدم مع الموت، لذلك قد تبدو هيمنة فكرة الموت على حياة الإنسان دافعاً (منطقياً) له لتحقيق كل ما يريد في الدنيا وكأنه في سباق شديد الإثارة مع الموت ومَن منهما في النهاية سيكون له سبق الانجاز والنصر..

 

وفي ناحية أخرى قد تستهوي الإنسان لذة الغرق في الأحلام ليبقى بعيداً عن قسوة الواقع المر متجنباً الصحو الأليم من أحلامه في ذات يوم على حقيقة الموت الموجعة، ولذلك ربما مَن يمضي في أحلامه الناعمة لا يريد من أحد أن يوقظه من رقدته اللذيذة هذه، بل يفضل الانغماس أكثر في لذائذ علاقته الغرامية والعاطفية مع الحياة على أن يصحو فجأة على واقع مؤلم..

 

ولكن ماذا عن الموت الآخر، الموت الذي يُقعد الإنسان عن الحركة التفاعلية والانجاز التصاعدي والفعل المثمر والتواصل الجمالي مع الحياة، فقد يتحرك الكثيرون في هذه الدنيا ولكنهم في حقيقة الواقع هم ميتون، في داخلهم يعربد موتٌ يتشكل في مساحات شاسعة من التفاهة والفراغ واللامبالاة وثقافة الكآبة وحقارة الذات وثقافة الاستهتار بقيمة الحياة، فهؤلاء مهما أظهروا حياةً وحركة إلا إن الموت لا يعني لهم تحدياً وطرفاً يدفعهم للتنافس والدخول معه في حلبة الصراع اليومي على مستوى الانجاز الحقيقي واستزراع الذات بقيم الفعل الوجودي للتفاعل الصريح مع حركة الحياة بصورة أفضل؛ وقد يجدر بهؤلاء أن يتعلموا من الطيور وهي الكائنات (الضعيفة) دروساً في التشبع برغبة التواصل الجمالي مع الحياة عبر التمرد على الموت المعلن بمواصلة متعة الغناء الذي من خلاله تتفوق على نفسها وتجد فيه طريقة مثلى لسد المساحات الفارغة بالبهجة والسرور والامتاع، وعن عالم الطيور في تعاملها الإيجابي مع الحياة، يقول الباحث (ديفيد) كلاماً جميلاً مفاده: (أن الطيور يمكن أن تغني لتعلن عن سيطرتها على مساحة من المكان أو لكي تجذب إليها رفيقاً ولأسباب أخرى أيضاً)، وبطبيعة الحال لا نعرف على وجه الدقة ما هي تلك الأسباب الأخرى ولكننا لو استطعنا أن نكتشفها لربما توصلنا إلى عالم أكثر جمالاً مما هي عليه الآن..

 

وهناك موتٌ آخر أشارَ إليه بذكاء الشاعر الانجليزي ت. س. إليوت حينما قال: (إن جائزة نوبل هي التذكرة التي يقطعها المرء إلى جنازته إذ لم ينجز أي شخص أي عمل بعد الحصول عليها)، قد يكون الموت الذي قصده إليوت هنا هو الموت الذي يسير إليه المبدع بقدميه، وعلى الرغم من أن الكثيرين يرون هذا الموت موتاً جميلاً وفاتناً لأنه ينتهي بنوبل، إلا أنه في نظر إليوت يعتبر موتاً هادماً لأنه يعني توقف الإبداع عند الكاتب، لذلك قد يكون إليوت محقاً في أن ثمة موت يتربص بالمبدع وعليه أن يتجنّب الوقوع فيه ومحاولة التحايل عليه بطريقة أو بأخرى، وإن كان موتاً (نوبلياً) باستحقاق وجدارة، وفي الوقت نفسه قد نتساءل لماذا إذن يتسابق الأدباء والشعراء والفنانون إلى معانقة هذا النوع من الموت، رغم التحذير الذي أطلقه إليوت، ربما قد يجدون فيه منجزاً إبداعياً يستحق من خلاله تجربة لذائذه الحسيّة على العكس تماماً من رؤية إليوت، ولكن في مطلق الأحوال إذا سلّمنا بحقيقة هذا الموت علينا أن نعرف كيف تعامل معه المبدعون وهل أوقعهم مضرجينَ فوق دكته أم انتصروا عليه..؟؟!!

 

وقد يتجه البعض نحو تفعيل ممارساته الحياتية بفلسفة خاصة تجعله يستشعر من خلالها نشوة الخلود والأبدية والانتصار على الموت، فحينما يكون الموت هو الطرف الأقوى في الصراع، فلابد من مسايرته بطرق عديدة تحقق للشخص نشوة ما تُفعمه بأهمية الانتصار على الموت، كنشوة النصر على الخصم القوي في ساحة الحرب، أو كنشوة الاستحواذ على قلب الأنثى العنيدة في معركة الحب، أوكنشوة اثبات الذات في حقل الإبداعات الصعبة، وقد تبدو هنا أن للنشوة هذه بعداً عميقاً وممتدداً يتجاوز الزمان المحدود والمكان المحدد وأيضاً الذات المحدودة ليغوص في غمار اللامنتهي واللامحدود، ومن هذه الخاصية تبرز الأهمية القصوى لهذه النشوة المتنرجسة بفلسفة الأبدية في صراعها مع الموت، ولذلك قد نجد بعضاً من الناس يتمتعون بحس عال في التعاطي الجمالي مع الحياة، ويمارسون فعلهم الحياتي وفق فلسفة معينة تمنحهم لحظة الإحساس بالخلود وتجاوز محدوديات الأشياء من حولهم، وقد أثارت مخيلتي مقولة فلسفية جميلة للروائية إيزابيل الليندي تقول: (الرعشة هي تأليه اللقاء الحبي) قد يكون القصد هنا عموماً أن نتجه بكامل كياننا إلى الاستمتاع بتبني الفعل الحياتي الذي يمدنا دائماً بإحساس الخلود، وقد تكون اللحظة المترعة بنشوة المنجز الجسدي بمثابة التتويج المثالي لفعل اللحظة الحياتية الخالدة المفعمة بعلاقة حبٍ تتحد وتلتحم وتفنى في الكيان العشقي الخالد..

 

 في الحقيقة لا أدري ربما أجدني أتساءل الآن: هل ثمة خلاص حقيقي من حتمية الموت، الأمر الذي انشغل فيه الإنسان منذ الأزل وحاول بشتى الطرق الانتصار عليه في صراعه الأبدي معه، وربما أجدني أردد مع الأديب ميخائيل نعيمة قوله الرائع في هذا الصدد:

(لعمري إن كل ما نلجأ إليه من الحيل للخلاص من الألم ليس إلا ضربا من التحذير، فنحن ما زلنا هاربين من أنفسنا، سنبقى هاربين من الألم إلى الألم ومن الموت إلى الموت)..

 

محمود كرم ـ كاتب كويتي  tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط