سهيل أحمد بهجت / Sep 24, 2010

لو قرأنا أي عصر من عصور الدين وحتى في أزمنة الوحي، سنجد أن الضمير الروحي الديني لا يقل شراهة عن ذلك المادي، فقصص الأنبياء في التوراة وأصحاب المسيح ـ وأولهم يهوذا الأسخريوطي الذي خان أستاذه بدراهم فضة ـ والبابوات وفي الإسلام نشهد الفتوحات "المبررة بالدين" التي كانت أساسا للغنيمة والسلب والنهب واستعباد الناس وقتل الصحابة بعضهم بعضا وقتل الحسين وآله و أنصاره ـ وهو إبن بنت النبي ـ في القرن الأول للهجرة وقذف الكعبة بالمجانيق وحرقها واستباحة المدينة النبوية واغتصاب 1000 من بناتها تحت شعار "وجوب طاعة أولي الأمر"، كل هذا وغيره من بحار الجرائم والفضاعات التي يزخر بها تاريخ الأديان كافة، هو دليل على أن الضمير لا يمكن له أن يعمل مع دافع كالخوف والتهديد بعذاب القبر أو الآخرة، وأوضح مثال على ذلك هو شيوع ثقافة الالتزام بالقانون والمواعيد والعهود في الدول العلمانية وعلى نقيض ذلك نجد مجتمعاتنا "التراحمية حسب المسيري والتزاحمية حسب رأينا" مليئة بالرشوة والوساطة ونقض العهود وخرق القوانين، بل وتشريع قوانين مجحفة بحق المواطنين والتمييز بينهم على أساس الطائفة والمذهب والعرق والقومية والجنس ـ ومن ضمن ذلك المرأة ـ وهذه مقارنة مهمة لمعرفة نتاج كل ثقافة.

يقول المسيري:

"ثم يوسّع العظمة من نطاق تعريفه بحيث تصل العلمانية إلى مستوى الظاهرة العالمية الكاسحة والحتمية فيسميها ((الزمانية العالمية)) (هل ـ السؤال للمسيري ـ تختلف هذه عن العولمة؟) ثمّ يؤكد لنا أن مسيرة التاريخ الكوني آيلة إلى العلمانية الّتي تتبدّى ـ حسب وجهة نظره ـ في تاريخ الإنسانية بأسره، فهي ذات ((وجهة تاريخية، على نحو مقرر، لا انفكاك عنه على جميع الصعد))، وهو أمرٌ تمليه ((القيم العالمية)) أي أن الدائرة الشاملة تتسع لتشمل كل الزمان والمكان في العصر الحديث. (وهنا يحق لنا أن نسأل ـ المتكلم هو المسيري ـ مرة أخرى: ما هي هذه القيم العالمية؟ ما مصدرها؟ ما مضمونها؟ هل أشم هنا رائحة الميتافيزيقا ((والرؤى الماهوية؟)) أين ذهبت ((الأولوية اللانهائية))؟ يبدو أن هذه ((القيم العالمية)) مفهوم هيجلي يشبه العقل المطلق، أو الحتمية التاريخية وكل هذه المطلقات التي تحرك التاريخ بأسره، ولكنها مع هذا كامنة في المادة والطبيعة والزمن، وغير متجاوزة لهم، ومن ثم لا يمكن أن نتحدث عن عدم اتساق هنا بين ((القيم العالمية)) من جهة و ((الزمن و التاريخ)) من جهة أخرى." ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 75 ـ 76

وكما فعلنا من قبل فإن تعقيبنا هنا لا يعني تأييدا للمادية بمفهوم الدكتور عزيز العظمة وإنما يعني من جهة أخرى أن نقد المسيري للعلمانية مبني على جملة تناقضات، فالمفاهيم التي يربطها المسيري بالمادة والطبيعة قسرا ليست أشياء أو ماهيات خارج المادة لتحل في المادة، فالإنسان في العصر الحجري وإنسان الكهوف كان يقدس النهر وجريانه، بل إن حضارات قديمة نظرت إلى النهر كإله واهب، وتقديس النار والحيوانات، مثل تقديس الفراعنة للقطط و التماسيح والصقور، كان مرده إلى جهل وضيق الوعي الإنساني بهذه الظواهر، بل إن الأزتيك Azetics وهنود أمريكا نظروا إلى الفاتحين الأسبان كـ"آلهة" لامتلاكهم الخيول ذات الدروع ودوي مدافعهم وبنادقهم، فهل كان الأسبان آلهة  حقا حينما اعتقد الهنود أنهم كذلك؟ وهل أصبح الهنود مادّيين بعد أن علموا أن لا ألوهية كامنة في هؤلاء الأسبان؟ أم هل أصبح الفراعنة ماديين حينما تحولوا إلى عبادة الإله الواحد ـ بعد تطور الوعي ـ بدلا من عبادة مظاهر الطبيعة؟ إن إدراك قوانين الطبيعة وفاعلية قانون العلّة والمعلول وقوانين المادة الذاتية لا يعني أن يتخلى الإنسان عن الإيمان بالإله، فلو أدخلنا الله كجزء من المعادلة المادية لأتهمنا الإله الذي هو غير المادة ـ والمسيري نفسه يُصرّ على أن الله مفارق للمادة كعادة السلفيين في تعاملهم مع فكرة الله كمادة ـ بأنه السبب وراء كل ما نراه من تشوهات المادة وضررها، ولا يمكن قطعا إيجاد معادلة تضع حدّا واضحا بين أفعال المادة وأفعال الله، فالمادة وقوانينها والله معاني تتحد وتنفصل في آن معا، أو بعبارة أخرى أن هذه الأفكار تمتلك قابلية الحلول والانفصام في آن واحد، فهلا أخبرنا المسيري عن ذلك الجنين الذي يتشوه ويولد مسخا بفعل دواء تعاطته والدته، هل يقع هذا التشوه على الله أم على الشركة المصنعة للعقار؟ وهل حوادث السيارات التي يذهب ضحيتها كثير بسبب إهمال الشركات أو الأشخاص أو الافتقار إلى القوانين، هل الله مسؤول عن كل هذا الموت والدمار أم القوانين المادية والبشرية؟ إن مشكلة الإنسان ليست السؤال: ما إذا كان ملك الموت "عزرائيل" هو من يتخطف الأرواح؟ أم ملاك آخر أو الله مباشرة؟. بل السؤال هو: كيف نوقف أو نقلل أسباب الموت على هذه الأرض؟ وعدم طرح هذا السؤال، والذي سيعتبره المسيري ـ لو كان حيا حين هذا الخطاب ـ وأضرابه من قبيل "الكفر" و"التعدي على الصلاحيات الإلهية"، لكنه حينما ينظر إلى مشاكل الغرب لا يعتبرها ـ قدرا إلهيا ـ بل سلبيات واقعية هي من نتاج الغرب و نظامه العلماني.

يقول المسيري:

"وعلى كل يكفينا العظمة مئونة التفكيروالتخمين حين يخبرنا بأن ((الكونية الفكرية)) (أو الزمانية العالمية) ليست مؤسسة على أية قوانين أخلاقية أو مطلقة، غير خاضعة لقوانين التطور المادي (التاريخ والزمن)، و إنما تستند إلى ((مركّب علماني من النفعية والعلموية والتطورية)). (هل التطورية هذه، محاولة لبقة من جانبه لتحاشي ذكر ((الداروينية))؟). مهما كان الأمر فإن الفلسفات الثلاث التي ذكرها هي فلسفات ذات مرجعية زمنية مادية، لا تهمّش الدين وحسب وإنما تهمش المطلقات والغائيات الإنسانية، وفكرة الكل، وأي شكل من أشكال الثبات، وأي شكل من أشكال الخصوصية، فهي ((كونية)) و((عالمية)) و((حتمية))." العلمانية تحت المجهر ص 75

الحقيقة التي ينبغي أن نتنبه لها هنا، هو أن المسيري قد فشل في إيجاد حل لكل ما أسماه بسلبيات العلمانية ـ خصوصا تلك التي أسماها شاملة ـ فالقضية التي نطرحها هنا ليست ما إذا أفحم المسيري خصومه أم أن خصومه قد أفحموه؟ وهو المنطق اللاهوتي السائد في الشرق الأوسط الكبير الممتد من المغرب وحتى إندونيسيا، بل السؤال هنا هو: سواء كان أي الطرفين خاطئا فهل يحق لهما أن يُعبّرا عن رأيهما بكل حرية وأمان و دون أي خوف؟ أم لا!! الحقيقة هي أن المسيري والعظمة (وكتاب العلمانية تحت المجهر الذي ألفه الإثنان مناصفة خير تعبير عما نراه) يمثلان العقل الشرقي الذي يسعى لا إلى تطوير الفكرة واستنتاج فكرة جديدة منها، وإنما إلى إفحام الفكرة الأخرى والاستعانة بالقوة = السلطة لقمعها وإلغائها، فالعلمانية العربية كانت على الدوام الأغلب سلاحا في يد السلطة لقمع الحركات المعارضة، وأغلبها هنا كان من "الإسلام السياسي"، ولكن حينما بدأت نخب علمانية معتدلة "ديمقراطية لبرالية" بالظهور، أخذت هذه الأنظمة والنخب الحاكمة تنحو منحى دينيا متطرفا، أن الأنظمة العربية بكل نظمها الملكية والجمهورية على السواء، دعمت التدين الخرافي والإيمان بالقضاء والقدر، وفي نموذجي العراق ما قبل 2003 وفي النموذج المصري بعد انقلاب عبد الناصر، نجد أن السلطة تسعى في الغالب إلى دعم النقيضين، إسلامي "إيماني" ضد علماني "مادي"، وكلاهما مدعو هنا للتطرف لكي ينجح تفكيك المجتمع وتمزيقه من قبل السلطات، ولكن المسيري يصر على تحويل كل سلبيات مجتمعاتنا إلى الغرب وسياساته، وإذ بدى للوهلة الأولى للباحث أن هذا الموقف هو نوع من تنزيه الشرق وجعله "مثاليا" وبدون أخطاء!! إلا أن النتيجة الواقعية هي نقيض لهذا الاستنتاج، فالشرق بهذه الكيفية لا يعدو كونه متأثرا بالغرب دون أن يكون هناك أي فعل للشرق أو تأثير على محيطه الحضاري.

سهيل أحمد بهجت ـ الولايات المتحدة

www.sohel-writer.i8.com
www.sohelahmedbahjat.blogspot.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط