محمود كرم / Apr 26, 2013

 

ها أنا ذا الآنَ في السنة الثانية بعد الخمسين من عمري. أقفُ برهافة الخمسينيْ، محدقاً في الماضيات من سنيني، وهنَّ يتناثرنَّ أمامي ورقاتٍ هنا وهناك في منحنيات الذاكرة. كيف عبرتني كل تلك السنون، ولا تزالُ تصرُّ أن أسابقها وتسابقني في خطواتنا المحمومة بالشغف والتطلعات والأفكار والتمنيات. وكم سأبقى بعد عمري هذا، لا أدري. كل ما أعرفهُ أنني في لمحةٍ مشهدية عابرة، أحسبُني وكأني قد طويتُ خمسيناً من الأوهام والخيبات والخسارات، وخمسيناً من النزوات والأحلام والأمنيات، وخمسيناً من الذكريات والأوجاع والتلويحات والبهجات، وخمسيناً آخر من العشق والحب والجنون..

 

فيما مضى من أيام سنيني، لم أكن أفكر نهائياً كيف عليَّ أن أستقبل المرحلة الخمسينية من عمري، استعداداً لمرافقتها ومعايشتها والتواطؤ معها كما يجب، وما هي أساليب الاحتفاء بهذه المرحلة العتيدة، وهل عليَّ أن أبادلها الحميمية والود، أم يجب أن أحترز من جديتها وأثقالها واكراهاتها من حيث كونها ربما هيَ مرحلة صارمة في تحديد ملامحها وتكويناتها وفروضاتها. في الحقيقة لم أكترث بكل ذلك، ولم أفكر به أيضاً. كل ما أشعرُ به الآنَ وأنا في العتبات الأولى من سلّمها الخمسيني، أني أكثر تألقاً وأكثر تحمساً للحياة، وأكثر عشقاً للجنون، وأكثرُ تعلقاً بالعزلةِ والهدوء، وأكثرُ تلهفاً للموسيقى والحب، وأكثر ارتياداً للكتابة والأفكار والقراءات. وليسَ كل ذلك لأني أصبحتُ أشعرُ بأن العمر أخذَ يتسربُ من بين أصابعي، ولا لأنني اقتربتُ من الموت أكثر، بل أفعل ذلك، لأني ربما لم أشعر بالهزيمة بعد أمام تراسل السنين، ولم يتوقف ومض الحياة في أعماقي، وربما لأنه لم أعد أتحسَّرُ على ما فقدتُ من الآمال أو الأمنيات، وربما لأنني لم التفت للانكسارات والندم في ما سبق من حياتي، وربما لأنني على موعد لاحق مع الانتصارات والمسرّات والغوايات، وربما لأنني أخذتُ أستوعبُ أكثر بأن الحياة نريدها كما نريدها أن تكون دافقة في أعماقنا نهراً من التجدد والتوثب والاشتهاءات..

 

لا أدري، ولكني أصبحتُ أشعرُ الآنَ أنني أقترفُ سنيني الخمسينية من عمري بمزيدٍ من الهدوء والتأمل والتذوق والتفلسف، وربما بمزيدٍ من الشغف والتواصل الحميمي، وربما أصبحتُ أبادلها بمزاجية متنرجسة، تلك المزاجية الفارهة التي تؤثث أيامي بالهدوء والانسيابية والإحساس والتودد، وذلك الهدوء الذي أشعر معه بسلاسة التناغم مع ذاتي، والاشتياق لمعاودة التواصل معها بذات الشغف المتوقد. إنه الهدوء الذي يوفرُ فرص التحاور مع الذات في مناخات صافية ونظيفة ورحبة، ويمنحها تالياً طرق التفكّر بسلاسةِ وعمق، وليسَ الهدوء الذي يحبسني مطمئناً في يقينيات تفكيرية أو في شرنقة الأبديات اللازمنية، بل هو الهدوء الذي يأخذني لمساحةٍ أرحب من التفكير، ويدفعني لمعاقرة الفكر بالسؤال والبحث والمتابعة والترصد، ويلهمني مقارعة الحياة بالجديد من الخيارات والأفكار والفلسفات والانشغالات والمغامرات..

 

هل عليَّ الانَ أن أتباهى بأنني الخمسيني العتيد، أخطو في الحياة مزهواً بانتصاري على الوهم، أم على العكس من ذلك، أن أحمل فوق كاهلي خيبتي معترفاً بهزيمتي أمام الحقيقة، لا أدري. ما أشعرُ به الآنَ أنني أحتفي بذاتي الخمسينية وهي لا تزالُ تدفعني مراراً وتكراراً إلى مزاولة الحياة بالشغف والجنون والأفكار والاشتهاءات والمحاولات والتعثرات. وأحتفي بذاتي التي تضعني دائماً على قيد الاشتغال بحقيقة كوني أني نفسي، ولستُ أحداً آخر. فلم تعد تشغلني تلك المعارك الخاسرة التي تتعمّد أن تشوّه صفاء الذات في تجاربها ومغامراتها ومجازفاتها وتصوراتها وانشغالاتها الخاصة، وأمضي ضاحكاً من كون الآخرين لا يزالون يبحثون عن هويةٍ تطمسُ الإنسانَ في أعماقهم، ويخالون أنهم بذلك يحققون لذواتهم انتصاراً على الأوهام والضياع والتشظي..

 

أعترفُ بأنني الخمسينيُّ الحالمُ والرومانسيْ، فما زلتُ أتشبثُ برغباتي الوقادة في أن تكون الحياة محض إنسانية، تنتصر للإنسان في الإنسان. ولا زالَ  يستهويني من الحياة ذكاء الأنثى، ويسحرني منها اعتدادها البهيْ بشخصيتها وحريتها وأنوثتها، ويأسرني فيها ذلك العري الشفيف المترع بالفتنة والألق. ولا  يزالُ الطفلُ في كل مكان من العالم يُبهجني بضحكتهِ الساخرة من عبثية الحياة. وما زلتُ في سنيني هذه أعشق ذاتي ووسامة عقلي وأناقة منطقي وبهاء تمردي، ولا يعني ذلك أنني بالغ المثالية، أبداً. فقط يدفعني ما أنا عليهِ إلى أن أقف دائماً أمام ذاتي متيقناً من وجود الإنسان في أعماقي،  محاولاً أن أرعاهُ بمزيدٍ من الأخلاق والإنسانية والقيم، وأن أحرسهُ بالانتباه والاهتمام والترويض، وأبقى متأكداً من استمراري في إنسانيتي، عاشقاً لحرية خياراتي في هذا الاتجاه..

 

أعترفُ بأنني الخمسيني الوفي لعاداتي المتجذرة، فلا زلتُ أحبُّ ممارستي للمشي في الليل، أخامرهُ بهذياني وجنوني وحتى ثمالتي. ولا زلتُ أتغزلُ بزوجتي، وأترصدها شغوفاً في موعد غرامي. ولا زلتُ أحترمُ طقسي المسائي المعتاد في الانعزال بالكتاب الورقي، أحضنهُ في شغفي وأهيمُ به عالماً من الأفكار والتصورات والتخلقات. ولا زلتُ أعشق الصباحات المشرقة، مستمتعاً برفقتها الأنيقة وانسيابها الرشيق واستحواذها الناعم على بقية يومي. ولا زلتُ وفياً لسيجارتي، لم أتخلَّ يوماً عن مرافقتها، تبادلني الهمسات والاحتراق الشهي، وكأنها تمارسني وجوداً في رابعة الهذيان والجنون. ولا زالت الموسيقى تأخذني عاشقاً متلهفاً في صباحاتي ومساءاتي إلى ايقاعاتها المتخمة بالاشراقات والأنغام الساحرة، تتركني متيَّماً للحظةِ حزن شفيف، أو لفرحةٍ غامرة، أو لتلهمني خيالاتٍ غارقةٍ في أمل بارق، أو لتغمرني بإحساسها المترف كأنثى فارهة الحضور..

 

وأنا الخمسيني الآن، أصبح لا يعنيني أبداً ما أسمعه عن أزمة منتصف العمر، وهل هناك ثمة أزمة حقيقية ستعترض حياتي الخمسينية، وحتى أني لم أفهم ماذا يعني أن يُصاب الإنسان في هذه المرحلة بأزمةٍ عمرية.  لم أشعر إلى الآن بأي أزمةٍ قد أصابت سنيني الحالية بالعطب أو الوهن أو التراجع أو الخوف، فكل التفاصيل التي كنتُ أحتفي بها سابقاً، لم تزل كما هيَ تتجمهرُ أمامي ومن حولي، وتتدفق في يومي، وتأخذني معها إلى تلويناتها واشراقاتها وتقلباتها وحتى تناقضاتها. فلم أزل أمارس سنيني الخمسينية بأفكار وتعالقاتٍ متجددة، وأمارسها أيضاً بتجاربَ جديدة، ولم تزل رغباتي الكثيرة تُشحن أيامي بالحميميةِ والاشتهاءات والحلم. ربما قد يُصاب  الإنسان بأزمة منتصف العمر كما يقولون في المرحلة الخمسينية، حينما يخالها رقماً عددياً يُضاف إلى عداده الرقمي العمري، وهنا قد يدخل الإنسان في حسابات الربح والخسارة وفي حسابات العد التنازلي وفي حسابات الظفر بما قد يتبقّى من سنين العمر، ليبقى متعثراً في شرنقة التأسفات والندم على ما فات من سنينه وعمره، وقد يبدي البعض إنزعاجاً وتذمراً من بعض الشيب الذي أخذ يكسو شعر رأسه، ومن بعض التجاعيد التي أخذت تأكل من وجههِ، فيشعر معها بأزمة منتصف العمر، فهولاء دائماً ما يجدون في تقادم العمر عبئاً نفسياً وجسدياً عليهم، يُفتتُ أجزاءً من أرواحهم وإرادتهم وحماستهم ورغباتهم..

 

في الحقيقة، لا أعرفُ ما الذي ينتظرني في الغد، ولكن أحسبني قادمٌ من الغد، وذاهبٌ إلى ما يليه من غد، فلا أريد أبداً أن أكون قادماً من الأمس. فقط أستطيع أن أؤكد أمام ذاتي في مشهدية الأمس والغد، أنني أجتزتُ فيما سبق من يومي هذا بشيءٍ من الجنون والحب والاشتهاءات خمسيناً من الخطوات والعثرات والهفوات، وخمسيناً ربما من الانتصارات الصغيرة. حتى انتصاراتي الصغيرة تولدُ عادةً من اشتياقي لمصاحبةِ نهاراتي القادمة بالجديد من الأفكار والترصدات والخيالات. ففي غدي يشغلني الرحيل إلى ما يتراءى لي من خلف الغياب، وما تتراءى لي من سفوحٍ مشرعةً على غواياتٍ تقترفُ ترف البوح الشهي. فهل أدركتُ من الحياةِ شيئاً من شهواتها الدافقة بمذاقات اللذة والجمال. لستُ أدري، فقط أعرفُ بأنني أدركتُ منها جمال حريتي ولذتها المُلهمة وفتنتها المفعمة بالإبداع والألق والضوء. أهيمُ بها معراجاً يأخذني إلى شرفاتهِ السابحة في رحابةٍ لا تنتهي، ويسير بي آفاقاً مضيئة، لا تنكفأ في أسوار موصدة، ولا تتحشرجُ في مسالكَ ضيقة، ولا ترتادُ دروباً خانقة، ولا تتمزقُ في أغلال مُظلمة..

 

محمود كرم، كاتب كويتي

tloo1996@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط