محمود كرم / Jun 06, 2006

علينا أن نعترف أن واقع المعرفيات الكونية المعاصر الذي تصنعه وترعاه طبقة واسعة من المشتغلين في الحقول المعرفية العديدة، أفرزَ مجتمعاً شديد الإيمان بثقافة حية خلاقة نابضة، يضج بالحركة ويتسم بغزارة الإنتاج ويتجاوز (الهويات) الضيقة ذات القداسات التراثية والدينية، وأن المثقفين التقليديين أصحاب الاجترارات الثقافية الممجوجة المستهلكة أصبحوا زمرة منقرضة وفقدوا صلاحيتهم..

ولهذا نتساءل: أين موقع أولئك المثقفين اليوم من الانتاج الثقافي وهل طرأ أي جديد على مفهوم الثقافة عندهم؟؟ فمنذ أكثر من نصف قرن والمثقفون التقليديون الغارقون بتهويماتهم وهوياتهم التعصبية الانغلاقية يتحدثون عن ضرورة التغيير والإبداع ومواكبة تحديات المرحلة، ولكن وفق أدبيات ومقولات وأيديولوجيات (ثورية) عروبية ودينية تعود إلى أزمنة غابرة كانت تُعرف بالعهد الثوري، أوعهد (الفتح) الإسلامي الأول، وما زالت تلك المصطلحات الضخمة والرنانة تعشعش في خطابهم الثقافي واتجاهاتهم المعرفية..

في الحقيقة علينا أن نقول لهم: إن واقع اليوم الذي تصطرع فيه شبكات الاتصال الالكترونية ووسائط التبادل المعرفي ويزخر بطبقة المجتمعات المعرفية المشتغلة على مستويات متنوعة من المعرفة العملية لم يعد يعترف بالمثقف (السوبرمان) الذي وحده يملك مفاتيح الثقافة، وعلى الباقين أن ينصتوا له قابعين في كراسيهم كالتلاميذ، ولا يحق بالتالي (للتلاميذ) معارضتهم أو انتقادهم أو القفز عليهم..

واقع اليوم أصبح يقوم على ثقافة خلاقة تبادلية تداخلية معنية أولاً باجتراح الابداع والتميز وتبني البعد الكوني، ويتشارك الجميع في صياغتها وبلورتها ابتداءً من الطبقات المجتمعية العاملة في حقول الصناعات اليدوية العادية ومروراً بأولئك الذين يعملون في مجالات التقنية العلمية دون الحاجة إلى أن يحفظوا شيئاً من معلقة أمرؤ القيس أو أن يقرأوا ثلاثية نجيب محفوظ أو أن ينتظموا في دروس ألفية بن مالك، ومروراً بأطفال العالم في كل مكان، الذين تجري من بين أيديهم جداول الذكاء والمواهب الابداعية، وليس انتهاءً بالسيد المبدع (بيل غيتس) باشا الذي صنع عالماً شاسعاً من المعلومات والأرقام والمعرفيات، ولم يصنع عالماً من (أم المعارك) أو عالماً ما يزال يتبارك بغزوات مانهاتن ومدريد ولندن، أو عالماً ما يزال يصدعنا كل عام بتجليات ثورة يوليو وثورة الفاتح (العظيمة)..

ونظرة سريعة إلى الواقع اليوم نجد أن أولئك الذين يشتغلون في حقول معرفية تخصصية مستثمرين زخم الابتكارات الهائل الذي تفرزه بخصوبة فائقة الفتوحات العلمية في أكثر من مجال، هم الذين يفرضون أنفسهم اليوم على مسرح التحولات المعرفية وهم الأكثر فاعلية في الانتاج والاتجاهات التي تساهم في صناعة الحياة ويمتلكون حيوية ثقافية خلاقة، وهؤلاء يعكسون قطاعات عملية مهمة جداً في مجالات الهندسة الحاسوبية ومجالات الاستثمار المالي وتقنية وسائط الاتصال العديدة ومجالات أخرى متعددة، على العكس من المثقف الذي في مقابلهم أصبح يبدو عاجزاً عن الخلق والتجديد والابتكار منصرفاً بصورة شبه تامة بالانشغال للذود عن أفكاره وقوالبه المعرفية فقط، ويختبأ خلفها في محاولةٍ منه للالتفات على عجزه، قابعاً في عالمه الخاص والمحدود الذي يعتقد أنه الأمثل والأجدر والأصلح لقيادة دفة الحياة، بينما أولئك الذين ينتجون الأفكار ويخلقون المجالات ويهيئون الفرص الحيوية يصنعون العالم من حولهم عبر أدوات معرفية خلاقة كما يقول عنهم المفكر علي حرب في كتابه أوهام النخبة أنهم يخلقون العالم: (عبر اللغة والصورة أو عبر المفهوم والمعلومة أو عبر الرقم والإشارة أو عبر الأداة والسلعة)..

والثقافة اليوم في مفهومها الكوني تسعى إلى ردم الفجوات بين كافة الطبقات والقطاعات والالتحام بالحياة بكل تعقيداتها وتفصيلاتها وتنويعاتها، والمساهمة جميعاً في إنتاج الحياة والثقافة والمعرفيات الخلاقة الناهضة بمستويات الإنسان في أكثر من مجال، ولذلك كان من الضروري جداً لاحتواء الثورة المعلوماتية الهائلة ردم الفجوة الحاصلة بين النخب المشتغلة بحقل الأفكار والطبقات العامة العاملة في المجالات اليدوية والتقنية، لينخرط الجميع في عالم يتسم بأنسنة شبكة العلاقات الإجتماعية التي تحوي جميع الأطياف والشرائح والقطاعات، ومن شأن ذلك أن يُسرع في هضم التحولات والمتغيرات التي طرأت على العالم الإنساني، لخلق ثقافة مشتركة تجترح مناخات طبيعية للتقارب بين المجتمعات التي أصبحت تتوحد وتتخلق عبر الاتصالات الالكترونية والفضائيات وشبكات الأقمار الصناعية..

وليس خافياً على أحد أن مَن يصنع عالم اليوم هم المنتجون للمعلومات التي أصبحت تنتقل بسرعةٍ مذهلة من مكان إلى آخر، (فالعالم يصنعه اليوم أناس كبيل غيتس ورجال الاقتصاد الناعم ومالكو شركات الإعلام الذين يحتلون الشاشة من فنانين وسياسيين أكثر مما يصنعه أمثال تشومسكي أو جان زيفلر أو روجيه غارودي أو حتى فوكوياما) كما يقول ذلك المفكر علي حرب..

علينا أن نقر أن المسافات بين الأمكنة والطبقات انعدمت من خلال انصهارها بالثقافة الإعلامية العالمية ووسائل شبكات الاتصال، وواقع اليوم لم يعد يعترف بزمرة المثقفين أصحاب الأفكار الكهنوتية الماضوية والمتخشبة والعجائزية، ومهووسي اللغة الافتراسية المتوحشة ومرددي الحمولات الأيديولوجية النضالية المستهلكة..

واقع اليوم يؤمن بثقافة الإنتاج والإبداع الإنساني الكوني وليس ثقافة الأموات..

محمود كرم، كاتب كويتي  tloo1@hotmail.com

**************

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط