سهيل أحمد بهجت / Feb 27, 2010

يقول المسيري في محاولته إيجاد تعريف للعلمانية:

ولنبدأ الآن محاولة تعريف العلمانية، إذا نظرنا إلى قاموس أكسفورد سنجد أنه يعرف العلمانية في بداية الأمر بشكل سلبي، أي يجعلها نطاقها محصورا بحدود الدائرة الصغيرة الجزئية، "فالمباني العلمانية" على سبيل المثال، هي المباني غير المكرسة للأغراض الدّينية، و"المدرسة العلمانية" هي المدرسة التي تعطي تعليما غير ديني، والواضح أن الكلمة تحمل هنا مدلولا سلبيا وحسب، فهي تعني "غير كهنوتي" و"غير مقدس"، وليس بالضرورة معاديا للدين أو المقدس، أي أنه تعريف يلزم الدائرة الجزئية الصغيرة. ولكن المعجم يورد بعد ذلك تعريفات أكثر اتساعا في نطاقها، مما يجعلها تقترب إلى حد كبير من الرؤية الشاملة، فالعلماني هو ما "ينتمي إلى هذا العالم، الآني والمرئي"، [أي عالم الحواس الخمس] " وهو  ما يهتم بهذا العالم وحسب"، "وينتمي للحياة الدنيا وأمورها"، وبذا يكتسب تعريف العلمانية مضمونا أكثر تحددا، فالعلمانية ليست غير دينية وحسب، وإنما تنتمي للآن وهنا، هذا الزمان والمكان، وزمنية العلمانية هي صفة لصيقة بها منذ البداية، فكلمة "Secularism" الإنجليزية (التي لها نظائرها في اللغات الأوروبية) مشتقة من الكلمة اللاتينية "Saeculum" التي تعني "العصر" أو "الجيل" أو "القرن" وفي لاتينية العصور الوسطى تعني "العالم" أو "الدنيا". ويزداد نطاق مصطلح "علمانية" اتساعا في التعريفات التي يوردها المعجم بعد ذلك، إلى أن تنتقل التعريفات تماما من الدائرة الجزئية الصغيرة إلى الدائرة الشاملة الأوسع، التي تنطوي على رؤية شاملة للكون، يتفرع عنها منظومات قيمية ومعرفية.." ـ العلمانية تحت المجهر ص 58 و 59

يحاول المسيري منذ البداية أن يضع الدين كفكرة ثابتة موحدة وذات معيار واضح و قطعي مقابل اللا دين المادي المحدود، مع أن العلمانية حتى في التعريفات التي أوردها عن معجم Oxford لا تعني التصادم مع الدين، ولكنها ستتصادم بالتأكيد مع "احتكار الدين" أو "التفسير الوحيد للقضية الدينية"، فالعلمانية بما أنها إحدى تجليات الإصلاح الديني الذي ظهر على يدي مارتن لوثر في القرن السادس عشر، فهي ترفض أن يتحول الدين إلى مقياس لإعطاء صفة الحقوق للرعية حسب عقيدتهم، إن زمنية العلمانية يكمن في أنها تتعلق بشأن زمني محدود هو الدولة والحكم و النظام السياسي وهي أشياء وجدت بوجود الإنسان وليست شيئا متعلقا بالمطلق والتجريدي المثالي وهي "أي الدولة" كائن متغير ومتحول بتغير وتحول الإنسان، وكلما زاد وعي الإنسان وازدادت ثقافته، ازدادت الدولة رقيا وتطورا ونظاما، فالدول التي تملك شعوبها حرية واطلاعا هي الأكثر نظاما واستقرارا، بينما الشعوب الفقيرة الجاهلة الأسيرة تسودها الفوضى والجريمة والقوي فيها يأكل الضعيف، ورغم أن العلمانية جاءت كضرورة عقلية تاريخية ولها ارتباط بتوسع الوعي الإنساني، إلا أن المسيري يتعامل هنا معها من الجانب النظري الجامد والمحصور في القواميس والمعاجم بعيدا عن الواقع والتاريخ وصراع الإنسان مع المادة، فانتزاع القداسة هنا عن الدولة و النظام السياسي ـ وهو ما لا يرفضه المسيري نظريا ويرفضه قطعا عمليا ـ هي نزع القداسة عن الشأن السياسي المادي الذي يمثل التجسيد الأرقى للإنسان على الأرض ألا وهو "الدولة".

إن إضفاء صفة مرجعية إلهية "متجاوزة" على النظام والحياة وكل شيء سيساهم لا في استقرار الإنسان بل في تبعيته، لأن كل تعريف ولا بد يحتاج إلى تعريف آخر وهكذا بشكل تسلسلي يكاد يكون عبثيا، وبالتالي لا بد لهذه "المرجعية الفكرية المزعومة" من مفسر، و إيجاد مفسر أو مجموعة مفسرين تعني ضمنيا "دولة ذات تبرير ديني" ينقسم مواطنوها بين مؤمنين وكفار وعلماءها أولياء أو ملاحدة، من هنا كان لا بد من علمنة الدولة ـ الجزئية حسب المسيري ـ وأما العلمانية في جوانب الحياة الأخرى ـ الشاملة حسب المسيري ـ  فهي من متعلقات أو تجليات الحرية الشخصية وليست منتجا مباشرا أو إجباريا قسريا من تجليات الدولة الحديثة، وإذا ما قمنا بإنشاء "حداثة وتنوير" خاصين بنا نحن أصحاب "المرجعية المتجاوزة" فأي منتج سيكون لهذه الحضارة؟ هل سنركب مركبات أخرى "غير تلك الغربية" وتعمل بالأدعية والنذور دون النفط؟ هل ستنور شوارعنا بمعجزة إلهية وليس بكهرباء أكتشفها الغربيون؟ وإلى غيرها من الأوهام؟ الأكيد أنه لا خيار ثالث أمام البشرية، فإما الدولة العلمانية ـ ونحن نعني هنا العلمانية الإيجابية الديمقراطية التي ترعى الحريات الفكرية والدينية وحرية الضمير ـ وأما الدولة الدّينية التي وأن بدت معتدلة في الخطاب فإنها تنتهي بتهميش الآخرين وإلغاء الانتماء الوطني وفي نهايتها "دكتاتورية قائمة على المقدس"، وهنا نجد أن الدولة العلمانية هي وسط بين دولتين تتبنيان "عقيدة"، الأولى: الدولة الدينية التي لها تعريفها المتداول ولها نماذج على أرض الواقع كـ"ولاية الفقيه" و"إمارة طالبان" و"مملكة آل سعود". الدولة الدينية الأخرى والتي تتبنى فيها الدولة "عقيدة" معينة هي الدولة الماركسية ـ كالاتحاد السوفيتي والصين وكوريا الشمالية ـ والنظم القومية، فهذه النظم وإن كانت تتبنى "الخطاب العلماني العقلاني" إلا أنها على أرض الواقع تفرض قيودا قاسية على العقلانية والمنهج العلمي وتحقيق الإنسان لذاته كمخلوق ذي امتياز إلهي أو طبيعي.

إن العلمانية ليست عملية انتقائية نستطيع أن نختار منها ما نريد وما لا نريد، فإذا صنفت الحرية نفسها إلى ممنوع وغير ممنوع فإن هذه الحرية ـ التي لها حدود طبيعية تستطيع الدولة صياغتها ـ ينتفي عنها صفة الحرية وندخل مرة أخرى في تصنيفات الدولة الدكتاتورية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى التطور الاجتماعي والصناعي فهو عملية يجب تقبلها بسلبياتها وإيجابياتها، والتطور كأي عملية طبيعية تنشأ نتيجة التراكم والممارسة الطبيعية لها من قبل الفرد والمجتمع وعلى مستوى عال من حرية الاختيار، أما إذا أخذت الدولة ومن ورائها المؤسسات ذات الطبيعة الدّينيّة في توجيه الحرية، فإن التجربة لن ينتج عنها غير الفشل الأكيد.

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري:

ويمكننا الآن أن ننتقل من التعريف المعجمي إلى محاولة تعريف مفهوم العلمانية، وسنلاحظ نفس الاختلاط ونفس التأرجح بين الدائرتين في واحد من أهم المعاجم المتخصصة، وهو معجم علم الاجتماع المعاصر Dictionary of modern sociology لمؤلفه توماس فورد هلت Thomas Ford Hoult الذي أورد ثلاث مواد لها صلة بمصلح "العلمانية" هي: "علماني Secular" و"علمنة Secularization" و"مجتمع علماني Secular society" وقد بين المعجم أن كلمة "علماني" لها عدة معاني من بينها: "الدنيوي، غير الروحي، وغير الديني، ومن هنا يقف العلماني على طرف النقيض من المقدّس" (وهو تعريف سلبي)، لا يختلف كثيرا عن تعريف آخر للعلمانية يورده المعجم باعتبارها "تراجع وانحسار الإيمان بالعقائد الدّينية التقليدية في مرحلة معينة" ثم يحاول المعجم توضيح هذا البعد بقوله: إن كلمة "علماني" تستخدم أحيانا بمعنى "مُدنّس" أو "غير مقدس"، ولكنه يتحفظ على هذا المعنى بقوله: إن الكلمة الأخيرة تعني "معاد للدين" (بالإنجليزية: Anti religious ) بينما كلمة "علماني" تعني في واقع الأمر "لا علاقة له بالدين" (بالإنجليزية: Non religious) وهذه كلها مصطلحات سلبية، تلزم الصمت بخصوص الكليات والمطلقات والأخلاقيات، ولا تدعي أنها تقدم رؤية شاملة للكون (الدائرة الأكبر)." العلمانية تحت المجهر ص 60 و 61

لا يخفى علينا أن كل نظرية غالبا ما تبدأ بالظهور المتطرف، كالموجة العاتية التي تضرب الساحل ولكنها بعد حين تخف وتضعف، والعلمانية بدأت بنوع من التطرف كردّ فعل عنيف على هيمنة طبقتي النبلاء ورجال الدين، والطبيعي أن مدارك الإنسان حينما تتسع ويتلمس الواقع فإن الوهم يخبو و يتلاشى، وبالتالي أدرك الإنسان أن الدين الذي لا يصنع الرحمة ولا يسعد الإنسان هو دينٌ مزيف، و كان الإنسان في رد فعله عنيفا كالعادة في رد الفعل الإنساني الذي يميل إلى العاطفة، إن الإله في الأديان الثلاثة "اليهودية و المسيحية والإسلام" تحول بمرور الوقت إلى ما يشبه "الإنسان" أكثر من ذلك الإله الذي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى 11 فهو يتحيز و يتعصب لجماعة دون أخرى ويدخل أناسا إلى الجنة وآخرين إلى النار بعبثية لا تستقيم حتى مع أبسط قواعد العدالة المنطقية، وتحول رجال الدين في الأغلب إلى أدوات بيد الحكام يستغلون "المقدّس" في سبيل تحصيل "المدنّس" من عرض الحياة الدنيا، والعلمانية هي نتاج رد فعل إنساني للوصول إلى حل لمشكلة اسمها "خلط الدين بالسياسة"، وهذا ما يزال متغلغلا في العالم الإسلامي حيث يبحث الوعاظ عن "تبرير شرعي" لوجود الحكومة والحكومة بدورها تبحث عن تبريرات لمنع الشعب من إبداء أي نوع من الاعتراض أو الامتعاض لسياسات السلطة، وهو ما أدى إلى تحول تركيا إلى النظام العلماني بعد قرون من "النفاق العثماني" الذي دمر البلاد والعباد.

Email: sohel_writer72@yahoo.com

 Web: www.sohel-writer.i8.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط