نضال درويش / Sep 09, 2005

"أنا إنسان ولا شيء مما هو إنساني بغريب عني"  

مقولة قديمة أصلها في الأدب اللاتيني

 

يضمر العنوان تأكيدا واعترافا بالمأزق المعاش أولا، وما يرافقه من هواجس مختلفة ثانيا، كما يؤكد راهنية ووجوب التحدي ثالثا، ولا ينفي بالنتيجة اللحسة الإيديولوجية رابعا.

 

تدخل الأزمة العالم العربي مرحلة متميزة ونوعية، حتى طالت كل مساحات الواقع ، بما فيها الفكرية والروحية والأخلاقية، ليفقد بذلك المجتمع عناصر توازنه، مما يضع المثقف أمام تحديات تاريخية متفردة فرضتها العوامل الداخلية والخارجية عبر تداخلها و تخارجها، "فاقدا" بذلك وهمه الذاتي بموقعه الحيادي تجاه قضايا الإنسان والوطن، كما اكتسب العامل المعرفي الموقع والأهمية القصوى التي يستحقها، بعد أن تم إهماله وتهميشه تاريخيا.

بجملة هذا الاعتراف الأولي والمبدئي علينا أن نبدأ، إذا ما ادعينا إننا نحاول التأسيس – لعقلنة الوعي العربي – العقلنة هنا ليس بالمعنى الوضعي للكلمة – والحد من الانهيار المعمم، وتجاوز تظاهرات التأخر العربي.

 

وفيما يخص بحثنا، البداية و محاولة التأسيس، تحيل إلى قضية المنهج، التصور، أي كيفية ذهاب الـ " أنا " العارف إلى الواقع، إدراكه، تفسيره و كشف قوانين حركته واحتياجات تقدمه هذا من جهة، ومن جهة ثانية منهجية التعامل مع النص المكتوب.

على ضوء ذلك تندرج محاولتنا لقراءة العلمانية، وفهم مضمونها ومقاصدها وغاياتها ومستقبل العمل بها، هذه القراءة، المستندة إلى ثلاثة معطيات أساسية:

الأول: التقدم المعرفي والمنهجي والعلمي، الذي يعتبر مكتسباً إنسانياً، علينا الاستفادة منه، ومحاولة إغنائه ودفعه إلى أقصاه الممكن تاريخيا.

ثانيا: تفردن المرحلة التاريخية التي يمر بها العالم بمرتسماته المختلفة، التي دفعت بأغتراب الإنسان وانخلاعه إلى حدود التشيؤ، وتحوله عبدا لوضعاته الخاصة، وفقدان مصداقية كثير من الأوهام بالخلاص الأرضي المرتبط بالعلم و الرأسمالية و السوق.

ثالثا: الواقع في العالم العربي وما يعنيه من انسداد في الأفق في ظل مناخ الأزمة المعبر عنها في حالة الإرهاب المعمم وارتهان الجميع للجميع. مع وعينا لما تشكله العلماني والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، من مدخل ضروري، وإلى حد ما لا بديل عنه، لوضع حد لكل أشكال الاستبداد والقهر والإرهاب، ووضع أسس وركائز معرفية وسياسية واجتماعية للاعتراف المتبادل، وحق الجميع في المساهمة بهذا القدر أو ذاك في صياغة مستقبل هذا الوطن.

 

وباعتقادي، إن المقاضاة الأساسية في هذا الموضوع، هي مقاضاة الفكر والوعي، قبل أية بداية، لذلك تكتسب الساحة الثقافية أهمية قصوى / تشكل الآن الركيزة والرافعة لما هو سياسي / اجتماعي، ولكن عبر علاقة مركبة - معقدة تشاكلية تداخلية تخارجية، أي الآن بمحدداته التاريخية، تشكل الزحزحة المعرفية ركيزة وخلفية للزحزحة السياسية – الاجتماعية.

 

والزحزحة المعرفية، هي بحد ذاتها إحالة إلى الصفر، بتعبير إلياس مرقص، هذا الصفر العظيم الذي هو انبساط، وحامل اللانهاية، أي أن الصفر ليس العدم، العدم المعرفي، بل هو انبساط النقد في سياق الفكر عبر نقد ذاته وحقائقه المزعومة، لأننا إذا لم نبدأ بأصنام اللغة والفكر، أصنام وآلهة الـ "أنا العارف" كأننا لم نبدأ، و تنهدم بذلك كل الركائز المحتملة للحوار القائم على احترام حق و حرية الآخر، وإعادة إنتاج الوعي الغارق تحت هاجس الماهية الجوهرية، بإمانه المطلق بأن قوانين العقل هي نفشها قوانين الواقع، فيفترض معها أن يبلغ هذا الوعي: النفس، العالم، الله، ويتحول العالم عنده إلى عالم الماهيات والجواهر، والتناقض والاختلاف الاجتماعي إلى صراع بين آلهة الخير وآلهة الشر، فالجوهر الذي يحركه يبعده عن جذره الإنساني، ويستغرق في أحد انتماءاته (إسلاميا، مسيحيا، يهوديا، ماركسيا، قويا، علمانيا،..)، ويضعه في معارضة ما يعتبره آخرون جوهرهم، معتبرا سواه تجسيدا ملموسا للخطأ المطلق والشر المطلق، الذي ينبغي حذفه والابتعاد عنه بصورة نهائية.

ترتكز منظومة هذا الوعي على ثنائية ضدية حدية، تميز بشكل حدي وقاطع بين الصح / الخطأ، الخير / الشر، المادي / الروحي، المتعالي / المحسوس، المشروع / غير المشروع..، التي شكلت بدورها التحديدات الثنائية للانظمة اللاهوتية بتلاوينها المختلفة (الدينية، الماركسية، القومية،..)، مؤمن / كافر، حلال / حرام، طاهر / نجس، وطني / خائن، اشتراكي / برجوازي،..إلخ، أي يؤكد ارتباطه بشدة وصرامة بمجموعة من المبادئ العقائدية، بعد أن يضعها في خانة الصح والخير والحق، ويرفض بنفس الشدة والصرامة مجموعة أخرى يضعها في خانة الخطأ والشر والباطل، فيعتبرها لاغية لا معنى لها، فينسجم تأويله للواقع مع مبادئه الأساسية بقسره على طاعة حقائقه المزعومة، وإذا ما امتلك أي سلطة، يرهب الواقع و يبتره، ويعذبه، فلا يعترف بتغيره، تنوعه، اختلافه، تعقده، صدفه وعشوائيته، أي كل الذي يشكل عاملا أساسيا في زحزحة صنمه الأيديولوجي والتشكيك به، والكشف عن استبداده "1".

فتتغذى بذلك معارك النفي (الحذف) المطلق المتبادل، بين الأفراد والجماعات والطوائف والأحزاب، حيث تحسم قضايا الخلاف السياسي، الفكري، الأيديولوجي، اللاهوتي، بواسطة الإرهاب المدفوع أحيانا إلى حد شرعية الوجود.

هذه العلاقة التحاذفية، تعبير موضوعي عن التعصب الأعمى للذات التي تتطرف في تحويل ذاتها إلى مطلق، وتُكسب ما ينبثق عنها الصفة الاطلاقية والتقديسية (كلماتها، أفكارها، حركاتها، شعاراتها، براغماتيتها)، وتفرض على الآخرين، المُستطفلين، الضالين، الذين عليهم أن "يرتقوا" إلى سن الرشد المزعوم، وطلب الغفران والرجوع بعد الضياع، إلى "فردوس" الواحدية المقدس والمخلص.

على هذه النهاجية الإيمانية يتمحور الوعي العربي السائد، على اختلاف تلاوينه، التي تجاوزت سمة النظريات والأيديولوجيات، واصبحت عامل موجه في علائقنا الحياتية اليومية.

نعم: إن وثنية الروح، تقيم شيئة المعرفة، استبدادية الممارسة.

 

من هنا، يكتسب الصفر بالمعنى المذكور سابقا، أهميته وراهنيته ووجوبه، ليشكل لحظة تمفصل، بين زحزحة العقلية الحاذفة، القائمة على الثنائية الضدية الاستبدادية، وبين التأسيس لمشروع عقلنة الوعي العربي ودمقرطته، عقلانية أكثر اقترابا من الواقع، أي أكثر اعترافا بكل عناصر الواقع ومقوماته، عقلانية أكثر انفتاحا، تفتح المجال لاحتمال وامكانية الخطأ والصواب، دعوة لقراءة جديدة للأشياء، نحاول عبرها فهم الظاهرة بكل جوانبها وابعادها، واكتناه الكائن بكل أنماطه وتجلياته، وذلك لتشكيل رؤية أكثر رحابة ومعنى أكثر اتساعا، وهوية أقل بساطة وتطابقا، أي أكثر تركيبا واختلافا، ووحدة أقل حذفا وتهميشا وانشطارا، إذن أكثر تعددا وتنوعا وتكاملا. "2"

 

لذلك نرى ضرورة الانطلاق من مبدأين أساسيين، نرفع بهما لواء المفهوم – الفكر، وإقامة الحد على شيئية وصنمية اللغة والفكر، هذا بمستوى، وبالمستوى الآخر إقامة الحد على تحويل تضاريس الواقع وتبايناته، ذاتيا،؟ إلى سطح أملس قائم على الواحدية، المعبرة عن "العقل لسليم" و "الخط المستقيم".

 

المبدأ الأول: إعادة الكلمات إلى حقيقتها، إلى  ظيفتها: فكر، مفاهيم، وهي رموز بدائل عن الفكر أوالمفاهيم، "فالعلامة اللغوية" حسب دي سوسير، عبارة عن وحدة نفسية مزدوجة يترابط فيها العنصران (المفهوم والصورة السمعية – التصور الذي تنقله لنا حواسنا للصوت أوالرمز المكتوب) ارتباطا وثيقا، أي أن العلامة اللغوية لا تحيل إلى الواقع الخارجي الموضوعي إحالة مباشرة، ولكنها تحيل إلى  "التصورات" و "المفاهيم" الذهنية القارة في قلب وعي الجماعة – وفي لا وعها – فمعنى ذلك أننا مع اللغة في قلب "الثقافي"، فالعلاقة بين اللغة والعالم محكومة بأفق المفاهيم والتصورات الذهنية الثقافية "3"، و بالتالي فالمفردة اللغوية ليست كائنا مفردا موجودا أمامنا، بل "عكسه" إنها تعبر عن كلي، عام، عن فكر ومعنى، لذا للكلمة أكثر من معنى ومن اتجاه من قصد، المعنى المحدد يحدده سياق محدد، ومحكوم بعلاقة الكلمة مع كلمات، ولنقل مع مقابلات أو معارضات، فمعنى الكلمة لا يجتر مرّة واحدة والى الأبد، بل إنها تخضع وباستمرار لضغط الزمان والمكان. وتحتاج إلى التصويب المستمر من قبل الفاكرة، عبر حوار خلاق ومنفتح مع الواقع، فتفقد بذلك الكلمة قدسيتها والوهيتها، فتكف أن تكون العلمانية كلمة تحيل إلى الإلحاد والزندقة، والدين يحيل إلى الشر والتخلف التاريخي، ونتجاوز التضمين المسبق لهذه الكلمات الذي لعب دورا تجييشا يساهم في إدارة اللعنة المتبادلة، ودليلا على الشقاء المعرفي والمنهجي في الساحة الثقافية في المنطقة العربية، بعد ذلك تأخذ هذه الكلمات المعنى المحدد، بعلاقتها العضوية بالفضاء السوسيو – ثقافي التاريخي العربي، فنلعب بذلك دورا في تبييء وتجوين المفاهيم التي تم نحتها في سياق تجربة أخرى، وفي إغناء المفهوم ليكون أكثر رحابة وانفتاحا أمام مساهمات التجارب المختلفة، ليفقد المفهوم عنصريته الضيقة، ويكتسب بعده الإنساني.

المبدأ الثاني: الاعتراف بالواقع كجملة، ككل حي، مجتمع وعالم وانتاج وطبيعة وتاريخ، قوامه الاختلاف والمغايرة والتنوع والتعدد والتغير والنفي المستمر، والفكر، فكرنا إزاءه من أجل معرفته، معرف الوجود – الاختلاف، باعتبار أن الوجود بلا الاختلاف هو فكر وليس سوى الفكر، هوية كاملة مطلقة، هوة الهوية.

في العمل، الواقع يعارض الهدف، المطلوب توقعن الهدف، من هنا تأتي أهمية معرفة الواقع، معرفته كجملة حية، ككل متناقض، كجمع يتضمن فكرة اللانهاية، وهذه المعرفة لن يؤديها إلا الجدل: فكرة الجملة، فكرة التناقض كمفهوم.

على عكس الوعي العربي السائد، ذاتوي النزعة، الذي تقوم عنده مقولة الجماعة، الشعب، الأمة، الحزب،... كهوية نابذة للأفرادية، ولاختلاف الأفراد الحقيقي، للمغايرة والتعددية، مخفضا الواقع إلى محض "موضوع"، إلى مادة و "مادة أولية" يملك قوانين عملها، وما عليه إلا أن يفرض إرادته واهدافه على حساب الواقع، أي منطقه وذاتيته وحياته، وهذا بحد ذاته حرب ضد الوجود، الواقع، ضد كل آخر (سياسي، أيديولوجي، فلسفي، لاهوتي، قومي،..) فارضا اللون الواحد، الرأي الواحد، وهو موقف استبداد وارهاب وعدم.

وعلى النقيض من هذا الموقف، يشكل الاعتراف بالواقع جزءاً أولياً وبسيطاً في التصور العلماني والديمقراطي للعالم والسياسة، التي هي ميدان مصائر الناس مع التاريخ، الذي هواحترام للواقع، للمجتمع، للناس، لفهم الناس وعقلهم ومذاهبهم.

 

على أرضية ما سبق، يمكن أن نكوّن أرضية لفتح الحوار والانخراط في عملية تستحق أن تسمى الجهاد الأكبر (النفس والمعرفة)، متجاوزين اطلاقيات مقولاتنا وقدسيتها وقدرتها التعبوية والتجييشية، عدا ذلك تنقطع كل أشكال الحوار، وتتعمق الخنادق التتولوجية، وتنكفئ الذات داخل سياجها الدوغمائي، فلا "ترى" سوى داخل بطنها مصدرا للحق والحقيقة، وبالتالي لا يكون لوجهة النظر المختلفة أية أهمية تذكر.

وعليه، أدعي، أن الانخراط في عملية الجهاد الأكبر (جهاد النفس والمعرفة) تشكل مدخلا ضروريا لا بد منه للخوض في موضوع العلمانية، الذي لا يكتسب أهمية نظرية فحسب بل أيضا حياتيه و معاشية. 

 

لماذا من أجل علمانية أكثر انفتاحا؟

يضمر هذا التساؤل كثيراً من النقاط، أبرزها: أن هناك علمانية أو بالأصح فهماً ما للعلمانية فقد مصداقيته نظريا وواقعيا وتاريخيا، على الأقل هكذا أرى، عبر تزمته وانغلاقه، لحذفه كثير من أبعاد الإنسان (الروح، العاطفة، الخيال، التقديس..) بالاضافة لعدم استيعابه لكثير من الأحداث التاريخية الأخيرة، فتحول إلى خلفية أساسية في إدارة عجلة الإرهاب والديكتاتورية، بالرغم من بناء شرعيته تاريخيا بنضاله ضد إرهاب وفساد رجال الكنيسة ووعودهم الخلاصية.

كما يؤكد هذا التساؤل، على الأزمة العالمية التي تعاش بربريا، كما أوصلت البشرية إلى  "إكتشاف" وهمها الذاتي، بإنجازها المعركة الأخيرة تحت لواء "العلم" و "العقل".

وتأخذ هذه الأزمة مظاهر أكثر قبحا في العالم العربي، ويمكن أن نعبر عنها تكثيفا: ضحالة وفقر في الثقافة، وثنية في الروح، فساد وتذرر وارهاب في المجتمع، استبداد ولا عقلانية في السياسة، تبعية وارتهان للخارج في الاقتصاد.

بالإضافة إلى هذه النقاط، يدعوالتساؤل، دعوة صريحة لفهم  أكثر انفتاحا، أكثر جذرية، أكثر واقعية، أكثر قربا من الإنسان التاريخي، أكثر واقعية، يكتسب هذا الفهم راهنيه من راهنيه الأزمة وتعمقها واتساعها وشمولها.

***************

تدخل المسيحية ظافرة إلى العالم الهلنستي – اللاتيني، وتنتشر في مناطق شمال المتوسط بنشاط روحي مكثف، رغم كل أشكال الاضطهاد الذي تعرض له الداعين لها، في القرنين الثاني والثالث الميلاديين تتحول الكنيسة لاحتفاظها بممارسة اللغة اللاتينية في الصلاة، واهتمامها بالقواعد والأدب اللاتيني، إلى أكبر قوة خلاقة في ثقافة العالم الروماني، والى مركز للحضارة الجديدة بين القبائل البربرية، ويبلغ الإنجاز الثقافي وجه في أواسط القرن الثالث في عهد كليمنت واوريجين في الشرق، وترتليان وسبريان في الغرب، عصر نشوء و تطور حياة الرهبنة والتجرد، عصر أثناسيوس وباسيليوس، وغريغواري الترينزي، غريغوري النيسي، امبروزي، هيروئيم واغسطين، والذهبي الفم، عصر العماة والفن المسيحيين، الأدب والفلسفة التي كانت محاولة لتفسير الكون من وجهة نظر المسيحية.

في نهاية القرن الثالث، يدخل المسيحيون في المعادلة السياسية والعسكرية والاقتصادية، فيتم التزاوج بين الامبراطرية الرومانية والكنيسة في عهد قسطنطين، فتدخل الكنيسة مرحلة جديدة، تلعب فيه دور "الدولة" ويتحول البابا إلى إمبراطور فوق الإمبراطور، فتزداد قوة وبطشا، من خلال ضبطها لحياة الناس في كل لحظة، حتى طالت قوانينها التصرفات اليومية للناس العاديين، لتشكل محاكم التفتيش عنوانها الأبرز، "تقتل" أي محاولة ابداعية تزحزح ركائزها الأساسية، من فلسفية ولاهوتية وعلمية..، مؤسسة لتصور مرعب للدين يقتل في الإنسان حس المبادرة والحركة، ويدعوه للاستكانة والاستسلام ورفض الانخراط في العالم.

أي أن لمسار الكنيسة أكثر من وجه، من اتجاه، رغم محاكم التفتيش كانت الخلفية والركيزة الثقافية والروحية، للنهضة الأوروبية والانعطاف الأوروبي، فبدايات النهضة لم تكن خارج الكنيسة، التي كانت بحد ذاتها  بدايات تراجع هيمنتها، توما الاكويني، كالفن وتمجيد العمل، مارتن لوثر وتحطيم وحدة أوروبا الدينية وتقوية الشعور الديني، زوينغلي، إراسموس والطباعة، كوبر نيكوس، فرانسيس بيكون وتقديم التجربة على جدلية القياس المدرسي، غاليلو، كبلر، سبينوزا والكتب المقدسة و كل تعيين هو نفي، ديكارت " أنا أشك، أنا أفكر، أنا موجود "، هوبس، هنري الثامن والكنيسة الوطنية الإنكليزية، جون لوك، الديمقراطية والتسامح الديني، نيوتن، جيمس واط وجورج ستيفنسون وتطور الإنتاج ووسائل النقل، آدم سميث والعمل المجرد، مونتسيكو، جان جاك روسو، فولتير، كانط، كوندورست، روبسبير والثورة الفرنسية، دافيد هيوم، نيتشة، غوته، بلزاك، هيغل، ماركس، داروين، كونت..إلخ.

وبسبب من موقع الكنيسة المحوري، كان من أهم أهداف الثورة البرجوازية من القرون الوسيطة إلى نهاية القرن الثامن عشر، الكفاح ضد الكنيسة وحتى ضد الدين والمتدينين، أخذ هذا الكفاح أشكال مدمرة و ظلامية، فراحت دولتها الوليدة، تحذف الجانب الثقافي والروحي في الدين، مثلما تقضي على الجانب المذهبي أوالدوغمائي المغلق أوالسلطوي، مدعية أنها تخلص البشرية، بهذا العمل، من كل أسباب الشر والفساد والاضطهاد، إلا أن التاريخ يعيد الانطلاق في العواصف، مع المقصلة والانتفاضات واستعمار الشعوب والحروب المتجددة.

في مناخ هذا المسار المعقد الآخذ شكل العلاقة الزورية الابادية "حياتك هي موتي، وحياتي هي موتك"، تبلورت تدريجيا التجربة العلمانية الأوروبية، حتى أخذت شكلها الأكثر تزمتا في القرن التاسع عشر، باندراجها في النظرة الوضعية أوالوضعوية التي فرضت نفسها كدين جديد لا يناقش ولا يمس، رامية كل التراثات الدينية و مصدرها (الوحي) في دائرة القديم والمستهلك، على أنها تنتمي إلى مرحلة الطفولة في تاريخ التطور البشري، وما على البشرية لكي تعبر عن "نضجها" و "رشدها"، أن تحذف هذا التراث وهذا البعد وتنتقل إلى الحالة الوضعية الإيجابية العلمية، التي حملت معها وعدا نقيضا للدين التقليدي، بالخلاص الأرضي، الذي يتحقق بواسطة العلم الذي سيحل المسائل الأساسية للإنسانية.

هذا الانتقال، المبني على الإقصاء الحاد والحامي، لم يحصل بشكل حدي وفوري، وانما كان نتيجة سيرورة تاريخية طويلة ومعقدة، كان الفصل فيها نتيجة لعملية جراحية صعبة جدا، طالت كل مساحات الواقع –النفسية (البسيكولوجية) المعرفية، السياسية، الروحية، القانونية..إلخ.

 

الإنسان / حياة، "الإنسان السياسي" (الاجتماعي) بمعنى أرسطو، يتراجع أمام الفرد المعزول في الجمهور الكتلة، أمام الإنسان / التقني العلمي، بسبب من اغتراب الإنسان و تشيؤه، متحولا وعمله إلى سلعة تباع و تشترى، تراجعا يقيم قاعدة كبيرة لقهر شمولي، فالحضارة الرأسمالية المعممة تكشف عن بربريتها المتوحشة، التي تأخذ أشكالا متباينة بالنسبة لشعوب المعمورة، منفلتة من جذرورها الإنسية والتنويرية، معرية الإنسان من قيمه الإنسية المكتسبة تاريخيا، كاشفا عن ذئبية متفردة، مهددة الإنسان والطبيعة بالانتحار والفناء، وهذا ما عبر عنه وبشكل ملفت رينيه هويغ في كتابه المشترك مع ديزاكوايليدا "إن الأزمة التي تهدد البشرية اليوم ليس مصدرها الخارج، إن المنزل الذي نعيش فيه ليس مهددا بإعصار ظاهر في الأفق، وانما يهدده شاغلوه – البشر، المتنافسون في سياق الكسب – الذي يتخاصمون على أثاثه، ويقتلعون سقوفه واخشاب أرضيته و ينخرون ركائزه، فيهددونه بالانهيار" ( 4 )، ولِما لا طالما الفلسفة الذرائعية والوظائفية تقبع خلف الممارسة السياسية، والتي تعني بالوجه الآخر تلوع الضمير والأخلاق، حيث تشكل المردودية الاقتصادية والربح المادي محور علاقاتها، دون أي اكتراث بالآخرين، الأفراد أوالشعوب الأخرى، التي تئن تحت وطأة الجوع والحرمان والفقر، أي، بمعنى آخر، إن هذه العقلية السائدة الآن في الغرب الرأسمالي وبعلاقتها مع وحدانية السوق، لم تحذف فقط الغائية الآخروية للأديان، وانما حذفت أيضا كل غائية اخلاقية وروحية، بعد أن أنتجت آلهة واوثان جدد، المال، السلطة، "الفرد"، "العلم"، "العقل"..إلخ، وهنا تأخذ مقولة ماركس حقها واستخقاقها، عندما يتحول المال إلى إله تتحول كل آلهة البشر إلى سلعة.

 

الآن، ونحن في بداية الألفية الثالثة، قضية ومعضلة "المجتمع الإنساني" أصبحت راهنة وكلي وكوني، فثمة كلية قهر وجدلية قهر، تنهار فيه وعود الأنوار وعام ( 1789) بالخلاص الأرضي والفردوس المفقود على الأرض، كما ينهار الوهم الذاتي بقدرة العلم والأيديولوجية العلموية على حذف كثير من أبعاد الإنسان (الروحي، التقديسي..) علميا، بعد أن ساهمت في اختزال الإنسان إلى جسد، قائم على بعدين وحيدين، الإنسان / منتجا بالمعنى الضيق للكلمة، ومستهلكا.

فيواجهنا التاريخ بحقيقة يجب وعيها على الدوام، ليس هناك معركة أخيرة تم خوضها أو سيتم خوضها، ليس هناك نهاية له، مؤكدا أيضا، أن الكائن له عقله ومكره، وقوام الواقع ليس مكر البشر مهما مكروا، وثأره: الموضوعي يغلب الذاتي، يؤكد و يحد وهمه.

وبالتالي ليس عبثا، أن كثير من المظاهر الاجتماعية تعود لتفرض نفسها واقعيا على نظر المهتمين والدارسين، فتاريخ البشر ليس خطا مستقيما، بل إنه اعقد بكثير، وهذا التعقد لا ينفي بالضرورة الخط.

وهذا ما ينطبق، تماما، عل ظاهرة التقديس (Lesacre  ) أي حاجة الإنسان إلى التقديس، والانفتاح على التسامي، التي تنتمي إلى التراث الجيني والثقافي للنوع، والتي تم إغفالها ووضعها جانبا، على أساس إمكانية الإنسان "العلمي" على القطع مع هذا الإثم العلمي، نراه ينبثق الآن أمامنا، في الغرب والعالم أمتداده، على أرضية الشدة الواقعية، مع ضروب من الفوضى والاضطراب والتهديد بالإرهاب.

 

التاريخ، وباستمرار، يفرز أسئلته التاريخية، ركيزة جدل الإجابة والنتيجة، إلا أن الإجابات تنتمي إلى دائرة الذاتي (فرد، حزب، أمه..)، والنتائج تنتمي إلى دائرة الموضوعي، ذات الموضوع، لتؤكد بالتالي حدود الإجابة و نقصها ومرحليتها، فالإجابة ليس عابرة للزمان والمكان.

 

لن أتعرض، في هذا البحث لتاريخ العلاقة المباشرة وغير المباشرة بين الغرب والعالم العربي، وما أثارته من ردود في محاولة الإجابة على السؤال المقلق، لماذا تقدم الغرب وتخلف المسلمون؟، والعلمانية ليست خارج مضمار هذا التساؤل، وهنا تندرج محاولة شبلي شميل والكواكبي والطهطاوي والأفغاني وعبدو والمسار طويل، إلا أنني يمكن أن أتكلم عن الخطوط العريضة في كيفية تعامل الوعي العربي السائد مع هذه القضية، وكتابات كثير من الباحثين والمفكرين ليست خارج هذا الوعي، بل يمكن أن تكون أكثر ارتكاسا وشقاء.

فمن موقع الإتكالية والاستلاب المنهجي / المعرفي، كنا ندعي تاريخيا، بأن التطور الأوروبي قد أجاب على كثير من الأسئلة التي أفرزها التاريخ، إجابة شافية ووافية، ومنها بالطبع موضوعة العلمانية، هذه الإجابة التي شكلت مرجعية للوعي العربي السائد، بتياراته العريضة، على أهمية التياينات في خلفيلتها الأيديولوجية – السياسية، فمنها من تبناها جملة وتفصيلا، وما على الشعوب الأخرى، سوى تطبيق الوصفة الأوروبية لتدخل "ملكوت السموات والأرض"، ومنها من تعامل معها باللامبالاة، كونها تمثل ترفا برجوازيا نزقا، وتشكل مرحلة تاريخية غابرة، لذلك لم تدنس وعيها بالتعرض لها، لأنها تمارس مهام تاريخية مهمة وهي على عتبة الفردوس الاشتراكي، أما التيار الآخر فقد رفضها جملة وتفصيلا، فهي من نتاج الغرب الصليبي والرأسمالي الغازي، فتوجه إلى بطن الذات، باحثا ونابشا قبورها، ليبعث فيها الحياة، ففيها ما يفي بالغرض، واذا ما دعت الحاجه، يقوم بتغليف المعايير والعلوم والمعارف والمفاهيم بمخلفات بطن الذات، ليؤكد، وبوهم ذاتي، على أن الـ "أنا" النقي والصافي، غير "مدنس" بالآخر وملوثاته.

هذا الاستلاب والشقاء المنهجي / الأيديولوجي، أسس موضوعيا لعلاقات الحذف المتبادل (نفسي، فكري، سياسي،..) واعاد إنتاج العلاقات ما قبل المدنية، لأن كثيراً من العداء في مجال الفكر بصفة خاصة يرتد إلى "عدم الفهم" أو الى عمليات "التباس" ناتجة عن سيطرة نزعة تتصور أن "ما في الأذهان مطابق مطابقة تامة لما في الأعيان" وتزيد درجة "الالتباس" وما تفضي إليه من عدم الفهم وما يترتب عليها من عداء ورفض، حين يكون "ما في الأذهان قديم وراسخ، لأنه يكتسب من القدم صفة العراقة التي تفضي عليه المشروعية التي لا يجوز المساس بها أوالاقتراب منها، لأنها مشروعية مقدسة" (5)، فتحت مقولات الحاكمية لله والاشتراكية، الطبقة، الوحدة، القومية، العلمانية..، يكفر ويخون كل آخر، إلا إذا كف عن أن يكون آخرا مختلفا، ليسود بذلك مناخ دائرة العنف، باسم هذا المقدس الديني الطائفي القومي الماركسي العلماني العشائري..، الذي يشكل إحدى بؤر الاستنزاف الاجتماعي الأكثر التهابا في الجسم العربي.

وهذا يرسم لنا، إلى حد ما، الملامح المأساوية التي تميز الواقع العربي، و يؤكد لنا مدى راهنية ووجوب التحدي، الذي هو على أرضية ما سبق، تحد منهجي / معرفي بامتياز، وسياسي- اجتماعي – اقتصادي بالضرورة.

فالفكر عندما يعي ماهيته، كفكر، يضع، وباستمرار، مساره أمام المسائلة، في عودة نقدية على ذاته، ناقدا أخطاءه، معنيا بالتصويب المستمر، طالما الخطأ يميز مملكة الفكر، فالفكر هنا حالة تساؤليه لذلك اتصافه بالمرونة والجرأة الاقتحامية.

فالواقع يحمل مسألته وقضيته على شكل آخر، دائما، وفي كل مكان وزمان، وما على الفكر إلا أن يعي هذا الأساس، وذلك دون إهمال ما هو كوني وعام، والمكتسب الإنساني، والبعد التاريخي والمنطقي / المعرفي، في مقاربته للقضايا التي تطرح عليه.

بهذا المسار تندرج قضية العلمانية، فالعودة النقدية على علمانية القرن (19) بعد أن تأكد ضيقها وتزمتها، هذا لا يعني بالضرورة هجرانها نهائيا، بل استنباط الجوهري والإنساني والمعرفي، وتعرية التاريخي (المرحلي) والعرقي والأيديولوجي، وخصوصا الجوانب "السلبية" المرافقة للنظرة الوضعية أوالوضعوية، ومسلماتها اليقينية الثابتة والضيقة.

 

بهذه النهجية، وعبر الانخراط في عملية الجهاد ضد الذات وعلى الذات، يمكن أن تشكل العلمانية مدخلا ضروريا وركيزة أساسية لانتقال المجتمع من دائرة العنف المرتكز على عدم الاعتراف المتبادل، وذلك بمشاركة الدولة / السلطة، إما طرفا في الدائرة أو حارسا لها ومساهما، إلى هذا الحد أو ذاك، في إعادة إنتاجها، إلى مناخ السلام الاجتماعي القائم على الاعتراف المتبادل، احترام حرية وحق الآخر، بالإضافة إلى تقويم العلاقة بين الدولة والمجتمع، دولة الحق والقانون، هذا الانتقال الذي هو بحد ذاته انتقالات متداخلة يستدعي بعضها الآخر، معرفية، نفسية، اجتماعية، سياسية، ثقافية، اقتصادية و قانونية.

أي  أن قضية العلمانية، كما نفهمها وندعو اليها، أوسع واعمق بكثير من قضية تضاد الدين والدنيا، فهي أولا وبداية قضية لغوية – فلسفية، قضية واقع، قضية شعب، قضية حضارة على عتبة الزوال، وأمه في مناخ الانتحار الجماعي.

"العلمانية من منظور مختلف"

بسبب من طرحنا القضية بهذه النهاجية، تشكل دعوة للدخول في الموضوع، الإشكال، في الراهن، في منطق وعقل الواقع، حيث تتموضع العلمانية في المسار المؤكد على موضوعيتها، كتظاهرة فرعية للمجتمع العقلاني، وغصن من شجرة المعرفة، نتاج فرعي، أي ليست ظاهرة منفصلة أو تيارا مستقلا، هذا ما تؤكده دروس التاريخ (فرنسا..، تركيا..) هذا خيار الجذرية والراديكالية، المسار الأعقد والأطول، ومنطق هذا الخيار، كما يقول الياس مرقص، وعي الذات من أجل وعي الواقع، وعي الآخر، واستقلال الوجدان وجهاد المعرفة (النفس والعقل) من أجل الحق و (الحقيقة)، فالمعرفة هنا، عتلة وركيزة لتجاوز الأزمة المعاشة، واذا كان الفكر لا يصنع التاريخ، فليس هناك تاريخ بلا فكر.

من جانب آخر، يتم التقريب بين الفكر والعمل، والرفع من مردودية نشاطنا اليومي، حينما نعي إن تحليل المفاهيم يشكل الوسيلة الأساسية لتنوير الذهن وتقويم المنطق، حيث إن الكلمات تجسّم مجالات مفهومية تشير إلى تجارب، والتجارب لا تترجم إلى الواقع الاجتماعي إلا إذا تم التعبير عنها بطرق مستساغة لدى الجميع. "6"

 

فمفهوم العَلمانية ـ بصرف النظر عن قيمته الفكرية واهميته الاجتماعية والسياسية ـ يشكل واحدا من أكثر المفاهيم غموضا والتباسا وحساسية في الوعي العربي السائد، بأخذه في تغطية مضامين مختلفة وغير محددة بالنسبة إلى جميع الناس، مثل العداء للدين والتغرب والاستلاب..إلخ، فاقدا بذلك والى حد ما قيمته الفكرية الإجرائية، مما شكل حائلا أمام اشتغاله بشك إجابي في تنقية المناخ الاجتماعي السياسي. بل تحولت عقيدة العلمانية، في الساحة العربية إلى طرف إضافي في الصراع العقائدي، ومصدر جديد لتوليد الخلاف وتعميق الانقسام الأيديولوجي السياسي الاجتماعي "7"، ومصدرا إضافيا لتنامي الديكتاتورية وتبريرها "8".

من هنا تكتسب في ساحة الفكر العربي قضية الفكر – المفهوم أولويتها واهميتها، ضد أشباح الحسّ والجوهر الآتية إلينا من ماضٍ سحيق، ومن حاضر متأخر وموات في إطار الامبريالية البربرية. والمدخل اللغوي يشكل مدخلا ضروريا، للوضوح والتحديد المفهومي، لا معرفة دون اللغة ولا مفهومية، إنها توسط بين الفكر والواقع، انطلاقا من نقد مفهوم التمثل أوالتمثيل، واصبحت إمكانا للوجود، تحيل إلى تجارب اجتماعية – تاريخية، حتى إنه يمكن القول: [ان اللغة هي مفتاح الوعي، وبأن الوعي بالأشياء نشاط رمزي لغوي] "9".

 

إن كلمة "عَلمانية" بمعنى حالة أو وضع هي ترجمة عربية للكلمة الفرنسية "Laiciteََََََ" أو "Secularisme"، أما كلمة "Laicite" فهي مشتقة من كلمة Laicos  اليونانية، التي تعني عامة الناس و تميزهم عن رجال الدين، والتي اشتقت منها "Laique" للدلالة على المدني العادي، إبن العامة، غير المتعلم، و ذلك مقابل كلمة "Clerc" التي استخدمت للدلالة على رجال الدين، الكاهن، المتعلم. وفي لاتينية القرن الثالث نجد أن كلمة Laicos  تعني الحياة المدنية أوالنظامية، حيث يعيش الناس حياتهم بكل معطياتها، وتعارضهم مع محاولات رجال الدين المستمرة للتدخل من أجل ضبطها irijular . وظهرت كلمة Laicite بمعنى مذهب أو عقيدة، وكلمة "Secularisme" التي تعني دَنيوة، المشتقة من "Seculier " التي تعني الزمن، الدهر، في مقابل اللازمن أوالروح أوالدين.   

كما إنها ترجمة للكلمة الإنكليزية "Secularism"، أو Secularizatian   بمعنى تحويل أو عملية، تشتق من كلمة Socular  (المدني العامي) ذات الأصل اللاتيني "Seculris"  المشتقة من Saeculum  التي تعني  القرن، الزمن، العالم. وثمة لفظ آخر لاتيني يعني العالم هو mundus  ، والفرق بين اللفظين، الأول ينطوي على الزمان، العالم متزمن بالزمان أي له تاريخ، أي إنه محكوم بالزمان والتاريخ، أما الثاني فينطوي على المكان، أي إن التغيير حادث في العالم وليس لـ العالم، وهو لهذا يعني في اللاتينية أيضا لفظ Cosmos أي الكون أوالجمال أوالنظام.

وقد أفضت هذه الازدواجية في اللغة اللاتينية إلى مشكلة لاهوتية، وهي الخلاف الحاد بين الرؤية المكانية للوجود عند اليونان، والرؤية الزمانية عند العبرانيين، وقد رفع هذا التناقض في مفهوم العالم في العصر الوسيط، بتقدم العالم المكاني أوالديني على العالم التاريخي، واصبح لفظ علماني محصورا في معنى ضيق، إذ أطلق على الكاهن "الديني" الذي يتحمل مسؤولية إدارة أبرشية، فيقال في هذه الحال إن الكاهن قد  "تعلمن"  "Secularized  ". ثم اتسع استخدام اللفظ عندما استقل الإمبراطور عن بابا روما وسمّي هذا الانتقال ب "العلمانية". "10"

أما كلمة "علمانية" واشتقاقاتها في اللغة العربية، حيث تشكل حركة العين نقطة خلاف بين المهتمين العرب، وهي ليست خلاف محض شكلي، بين من يؤكد على إنها مشتقة من "العِلم" (بكسر العين)، إدراك الشيء بحقيقته، ومعرفة منظمة تدور حول موضوع معين، وتقوم على منهج مقرر وتؤدي إلى نتائج وقوانين كتطابقة، وبين من يؤكد على اشتقاقها من "العَلم" بمعنى العالم، العالم الدنيوي، عالم البشر، والعلماني من يعني بشؤون الدنيا.

 ولكن مهما يكن، فبقدر ما هناك من اختلاف وتباين بين الاشتقاقين، هناك تقارب وتقاطع، يؤكد على عضوية العلاقة بين العَالم، صانع العِلم، موضوع العلم، وبين العِلم.

رغم هذا التعدد الاشتقاقي، والتطور اللغوي والاصطلاحي "للعلمانية"، إلا أنه يمكن أن نلاحظ، ناظما محوريا يربطها، على أهمية التباينات في الفضاءات السوسيو _ ثقافية، وهوالإحالة إلى العالم، إلى الحياة ونبض الحياة، والاعتراف بالإنسان وعالم الإنسان ومسؤولية الإنسان، هذا بمستوى، والإحالة إلى جدل محاولات الضبط المستمرة (الضبط بالمعنى الواسع) ومحاولات الإنفكاك التاريخي منه، والبحث عن مساحات أوسع "للحرية" والاستقلال بالحدود التاريخية بمستوى آخر.

وضمن هذا الجدل تندرج نشاطات الإنسان المختلفة، الفلسفية واللاهوتية والعلمية والفنية و..إلخ.

ولما كان البعد الإيديولوجي _ الميتافيزيقي، هوالبعد المهيمن في النظام ما قبل الرأسمالي، لذا فقد كان محورا لهِم ونشاط الإنسان، دون فرق بين المنتمين إلى الإسلام أوالمسيحية أواليهودية، أو البوذية..إلخ، وهذا يجعلنا نستنتج استنتاجين مهمين، الأول: لا يجعل العلمانية بمستوييها (مستوى الحياة والعالم، ومستوى جدل الضبط والانفكاك) تستغرق بهذا البعد وبهذه المرحلة التاريخية، والثاني: لا يجعل العلمانية مسيحية – غرب الهوية، والا لا معنى لهذا الموضوع، ولفتح هذا الملف الآن، إن كان في الغرب أو في العالم بتبايناته المختلفة.

 

من هنا فالعلمانية، من وجهة نظرنا، تشكل تنويعة على مفهوم العقل، حيث ترتبط أوثق ارتباط بقيم العقلانية والعلمية والحرية النقدية بمستوها المعرفي / الأخلاقي، أي إنها تتموضع على النقيض والتعارض مع كل ما يمكن أن يقيم حدودا على العقل والضمير، عبر تهديم أصنام الفكر والروح، والخروج من أسر الأيديولوجيا واستبدادها السياسي. بكلام آخر، تتموضع على النقيض من كل أشكال السلطات، مع سلطة رجال الدين وتدخلهم السافر في شؤون الإنسان، ومع سلطة رجال السياسة والدولة وديكتاتوريتهم الشمولية، مع سلطة النص المقدس و غير المقدس، أي مع الاستبداد الديني والسياسي والمعرفي، نازعة طابع القداسة عن النصوص والأفكار، وطابع العصمة عن البشر.  بالتالي تجاوز قراءة العلمانية بدلالة الدين ورجال الدين إلى قراءتها بدلالة العقل والمعرفة الساعية وباستمرار إلى الحقيقة.

أي أن العَلمانية موقف معرفي، أخلاقي، وجداني، وعودة مستمرة إلى نقاء الضمير، عبر جهاد النفس وجهاد المعرفة المنفتحة والحرة إلى الحد الأقصى الممكن تاريخيا، بحمل جدل الشك والإيمان والذهاب إلى أعماق الأشياء، إلى الجذور، من أجل تشكيل رؤية أكثر صحة وعدلا ودقة عن الإنسان وعالم الإنسان، بذلك تتموضع وباستمرار في لحظة السلب بالمعنى الهيغلي، تلك اللحظة المبدعة والخالقة (التي تحولت في الوعي العربي السائد إلى لحظة حذف واستبداد) التي تخترق كل المعيقات والحواجز المقدسة وغير المقدسة، تصورها أن الدنيا – تاريخ، الدنيا نفي باستمرار، تشكل، تغير، تكون، وليس الدنيا – دنيا، أي إنها أوسع بكثير واعمق من فصل الكنيسة عن الدولة.

ثمة في الإنسان الواقعي التاريخي، كما يقول محمد أركون، حاجات ودوافع، متزامنة، تتجه عموما في اتجاهين أساسيين مترابطين، توجد أولا مرتبة الرغبة Limstame du desir   التي تتأرجح من الرغبة في معانقة المطلق (الله) مع كل القوى التي أثارتها على مر التاريخ، وصولا إلى الرغبة البسيطة المتمثلة في الإنجاب والغنى والهيمنة..، أما المرتبة الثانية أوالبعد الثاني فهوالحاح الفهم والتعقل Lexigence de Lintelligcilreit ، هذا الإلحاح الكامن في أعماق الإنسان، الذي يشق طريقة ويؤكد نفسه ضد القوى المتمثلة بالرغبة. ضمن هذا المسار المعقد من الجدل والتداخل بين المرتبتين وسعي الإنسان ونضاله المستمر من أجل الفهم والتعقل، يندرج تاريخ العلمنة بالضبط، وقفة الروح الإنسانية أمام مشكلة المعرفة "11"

أي إن تاريخ الإنسان في أحد مستوياته ومساراته العميقة، تاريخ الاتصال والانفصال، التجاذب والتنابذ، التداخل والتخارج، بين السحر والمقدس والأسطورة.. من جهة، والعلم والفلسفة والعقل من جهة أخرى.

وبالتالي فإن الأسطورة والمقدس والخيال والعاطفة والشعور و.. في النوع البشري المسمى بالعارف، أصيلان أصالة الشك والعقل، ولا يمكن طردهم من مملكة العقل والإنسان مكللين بالزهور،كما فعلت عقلانية المناخ الوضعي، التي اختزلت الإنسان إلى الإنسان التقني / العارف، وحولته إلى جوهرٍ، مجردٍ، كامن في مكان ما خارج هذا العالم، وحولت العلمانية، بالضرورة، إلى دين جديد متزمت، يكفر ما عداه، وتحول هاجس العلمانية إلى طرد الدين والرغبة في المطلق والحلم والخيال من مملكة الإنسان غير مكللين بالزهور.

وعلى هذا لا يمكن الفصل بين نقدنا للعلمانية المتزمته والضيقة، ونقدنا للعقلانية الوضعية. هذا النقد، هو دعوة من أجل علمانية أكثر انفتاحا، وعقلانية أكثر اقترابا من الإنسان وعالم الإنسان، تعترف بتعقده الإكولوجي والثروات الملازمة له، فتتجاوز مدلول الإنسان التقني (الصانع) بأن تضم إليه، ضما لا يقبل الفصل، مدلول الإنسان الخيالي (المتخيل، الحالم، الإيهامي، الإسطوري)، وهذا وحده يسمح بتأمل قدرة الإنسان العارف على إنتاج الشعر والفن والحلم.." 12 ".

فالعقلانية لا تقتصر على تماسك البناء النظري المبحوث عنه والموجود، ونقدها للعقلاني فقط، بل اعترافها به ومحاورته، ومحاولة تصوره (كل إبداع يتضمن شيئا من فوق عقلاني، تستطيع العقلانية، احتمالا، أن تستوعبه  بعد حدوثه) وفي إرادة الحوار المفتوح مع الخبرة، ومع العالم الخارجي بصورة أوسع، فتفترض دائما، أن معرفتنا لم تكتمل وان جديدا سيأتي لتعديلها. " 13 "

على ركيزة انتقالنا الأساسي من نهاجية العقل الوضعي وعلمانيته، إلى نهاجية العقل (وحسب) الجدل وعلمانيته الإنسية، ننتقل عند الحديث عن التقديس والتعالي والعقل والأسطورة والتاريخ..إلخ كأنها هوّيات جوهرانية جامدة لا تتغير، عابرة للزمان، وموضوعة فقط في خدمة الخطابات الدينية واللاهوتية والقانونية والعلمانية التي تقتصر على نوع من العقائد الدينية التبسيطية، تشكل سببا ونتيجة للشدة الواقعية والحذف المتبادل، وذلك من أجل امتلاك السلطة، رغم الغطاء الأيديولوجي الذي يغلف به مشروعها السياسي. ننتقل إلى تتبع آليات التقديس والتعالي والعقلنة والأسطورة..، داخل الوجود المحسوس للبشر، ودراسة التداخل والتفاعل والارتباط الوثيق، بين تجليات التقديس والتصورات الدينية والثقافية والسياسية، وبين الحقل الاقتصادي – الاجتماعي لمجتمع من المجتمعات.

فالتصورات الدينية ليست محض إلهيات، فالدين بشري، والإلهي له وظيفة تسويغ البشري بعد تأكيد حدوده، فالمطلق لا ينحل في نسبيات البشر (الدين، الحزب، الأمة..) أي إن الدين ابن الإنسان والتاريخ، وهذا ما يؤكد نسبيته، ويفسر تعدده وتطوره التاريخي ومرونته التاريخية، ومن جهة أخرى يحيل إلى وهم تحرير الأديان من دنس الإنسان.

بهذا التصور للعَلمانية، ننتقل وعلى كل المستويات، من استبعاد التناقضات إلى الالتحام معها، وهو بحد ذاته اعتراف برحابة الحياة وغناها، واعتراف بكل أبعاد الإنسان، بذلك لا يستبعد هذا التصور الدين و (تجليات التقديس أوالحرام) (Sagre) من ساحة الدراسة والاهتمام، كما تفعل النظرة التقليدية والعلمانية (العلموية) المتزمته التي تدين الدين سلفا، بل يأخذ هذا البعد (الظاهرة) حقه واستحقاقه و يندرج كعامل من عوامل أخرى، فاعلة و مؤثرة على المسار التاريخي للمجتمعات البشرية، حيث إن فهم ما للدين في مرحلة تاريخية ما وضمن شروط اجتماعية بعينها، يمكن أن يشكل عامل إعاقة وتأخر وتبرير، وبالوجه الآخر يمكن أن يكون عاملا أساسيا في التغيير والنهوض.

وبذلك يمكن أن نتجاوز التضاد الاستبعادي بين الرؤيا الدينية / والرؤيا اللادينية، بين العقل / والأسطورة، والنظر إلى جملة هذه العلاقات والإشكاليات بطريق تساؤلية منفتحة لا دوغمائية، ونؤكد عل العلاقة الوثيقة والعضوية، بين الرؤيا العلمية والتاريخية للعالم، وبين البعد الروحي أوالرسالة الروحية للإنسان، فيمكن أن نتوصل بذلك إلى إيمان جديد يتجاوز الإيمان القديم ويحتضنه ويكون بحجم حداثة العالم. "14"

وعليه، بهذا الفهم والتصور للعلمانية، يتم التأكيد على اشتراطها البشري (جدل الفهم والرغبة) وارتباطها بكل التجمعات البشرية، فلا يمكن أن تكون غائبة تماما عن أي تجربة تاريخية لجماعة بشرية ما، حتى لو تجلت أحيانا في صور ضعيفة وغير مؤكدة هنا، أو ذُهب بها أبعد ما تكون تاريخيا هناك، إلا أن هذا لا يكسبها جنسية محددة، تربطها بهذا الدين أو ذاك أو بهذا المجتمع أو ذاك.

 

العَلمانية، الديمقراطية، المجتمع المدني  

 

في دائرة "المجتمع المدني" عثر ماركس على مفتاح التاريخ، في المجتمع المدني وليس في الدولة، السياسة، الأيديولوجيا، فلسفة الحق..

عندنا من يريد "العلمانية السياسية" بدون "العلمانية الاجتماعية" وكبديل عنها، علمانية "الولاية" بدون وضد علمانية "الكينونة"، اجتماعية الدولة بدون اجتماعية المجتمع، كائنية الشكل بدون كائنية كائنه، يريدون دولة تكون مجتمعا مع تقرير أن المجتمع يجب أن يبقى جماعات..، بل، أحيانا، تأتي قومية الدولة مع "لا" لقومية المجتمع واندماج المجتمع، هذا لحن عربي سائد و معروف. "15"

قضية العلمانية، هي قضية الإنسان، الإنسان – تاريخ، قضية الدنيا، الدنيا – تاريخ، وبعد ذلك، فقط، قضية مجتمع، وطن، هو واقع وروح وانتاج واعادة إنتاج وتعامل وعقل وعقالة. قضية جرّد وتجريد، قضية معرفة، ومشكلة معرفة. المنطلقة من جدلية العلاقة بين الوعي والوجود، بين الذات والموضوع، ووحدتهما في الممارسة الحية (البراكسيس) لحظة التوسط الديالكتي بين الفكر والواقع، أو لحظة التركيب ونفي والنفي، نقطة انطلاق التاريخ وصيرورة العالم والمعرفة، وشرط الانتقال من الضرورة العمياء إلى وعيها، أي إلى الحرية.

 

أي أن المشروع العلماني في أحد مستوياته الأساسية، بمنظورنا، هو نضال من أجل حرية الميول والاتجاهات، السياسية واللاهوتية والفلسفية والأيديولوجية، وهذا يحيل على إنه نضال من أجل الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، بوصفها ممارسة الحرية في المجتمع والدولة، في علاقة الاقتران والجدل هذه، بين العلمانية والديمقراطية، يكتسبا أبعادهما الرحبة والغنية، على المستوى المعرفي / الأخلاقي والاجتماعي / السياسي، ويؤكدان بالضرورة على الجذر الدنيوي الواقعي للإنسان والحرية التي هي الضرورة عندما تفهم.

 

فالعلمانية والديمقراطية، بأحد مستوياتهما البسيطة، سمة الواقع والعالم والوجود، قبل أن تكونا سمة المعرفة والأيديولوجيا. فتقوم بذلك فكرة المجتمع على فكرة "الاجتماع"، الاختلاف، التعدد، الحرية، الحق، والتشارك القائم على مبادئ ثلاثة: مبدأ التفرد (الحرية)، ومبدأ الخصوصية (الانتماء إلى ثقافة) ومبدأ الجامعية (العقل)، وعلى فكرة التشكل، فكرة البشر ينتجون يوميا وجودهم ومجتمعهم.

ويمثل بذلك الوطن شكل جدل الوحدة والتنوع، الحرية والتوجيه، حيث يقرن بين أكبر قسط ممكن من التنوع الثقافي وبين أوسع نطاق ممكن من استعمال العقل، وارتكاز مفهوم الأمة على مفهوم الديمقراطية والعلمانية، بكل منطوياتهما المعرفية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.

فاحترام الحريات وحق التعبير عنها، وتنوع المعتقدات والأصول والآراء والمشاريع، تعتبر من الشروط الأساسية والضرورية، التي تضمن أو تساعد على إطلاق الحركة والصراع داخل عملية التحول لتجاوز المأزق الأزموي المعمم، على نحو سلمي، وتفسح بالتالي لقيام مؤسسات المجتمع المدني، وتحصينه ضد كل أشكال التسلط والاستبداد وخطر الحروب الأهلية الكامنة والظاهرة هنا و هناك. حيث تنتظم العلاقات بين الأفراد والجماعات على أساس حرية و حقوق الإنسان ( ذكر وانثى ) بصفته مواطنا ذا حقوق، يرتبط بعلاقات مؤسساتية مع الدولة من جهة، ومع مختلف أشكال التنظيم والولاءات العصرية (مهنية، سياسية، ثقافية، اجتماعية،..) على حساب أشكال التنظيم والولاءات التقليدية من جهة أخرى.

أي أن جدل العلمانية والديمقراطية يشكل مدخلا وركيزة في نفس الوقت للاندماج الوطني، القائم على التعدد والتنوع والتعارض، ونموالمجتمع المدني بوصفه التجسيد الواقعي والعياني للأمة، الذي تنتظم فيه علاقة الإنسان واحواله الشخصية مبادئ وقوانين مدنية، تنمي استعدادات الفرد وميوله في مجالات العلم والثقافة والاجتماع والسياسة.. إلخ، معززة بذلك الحرية الشخصية، التي لا يمكن أن تتحقق على نحو مجرد، وانما على نحو عيني أي بتحقيق دعواها في الحق في الحقل السياسي والاجتماعي.

بلا هذا الاقتران، والتصور البسيط، تتحول الديمقراطية إلى ديمقراطية شكلية مخصيّة، دون مضمون، كناية عن حرية الاستهلاك وعن بازار سياسي، ديمقراطية عطاء، تموه حقيقة السلطة واستبدادها، وتتحول العلمانية إلى علمانية سياسية، براغماتية مرحلية واعلامية، تعيد إنتاج الاستبداد و تبرره.

و يكون السقوط " الأصلي " في عقيدة الجوهر والجواهر، عقيدة عالم الأصنام، عقيدة إلغاء الفروق واعدام التنوع والاختلاف، ولن يكون لدينا سوى "جوهر"  وهمي (للأمة، المجتمع، الوطن، الحزب،..) يلغي حرية المجتمع واستقلاله وذاتيته، والعلاقات التي تشكل جوهر أفراده وماهيتهم، منتجا حالة من التناثر الاجتماعي تحكمه شريعة الغاب وشريعة الحظ..الخ.

ويتحول الوطن، كما يقول الشيخ عبد الله العلايلي، إلى حفنة من التراب لحفنة من الناس دونما فروض ولا أقداس، وتنضح العلاقة بين أبنائه بالشك الخفي، ويمشي الاتهام المغلف بين جانب منه وجانب، وتظل فئاته في يقظة ترقب ومكايدة.

فأي نظام عندما يقوم على حساب الحرية، الحق والقانون، هو نظام استبداد واستبعاد "فالفرد والمجتمع والإنسانية حدود يكون لها قيم متساوية، إن قيمة أحدهم لا يمكن أن تتوطد بإخضاع الآخر وافنائه" وهم النهوض والتقدم، المبني على الحذف والإلغاء، هو نهوض للوهم وتقدمه.

هذا هواحد دروس التاريخ، والدرس الذي يجب أن نعيه جيدا، على الأخص في تاريخنا المعاصر، ليس هناك مجتمع حر يستعبد أبناءه، واكثرية حرة غير آبهة بحقوق الأقلية، ورجل حر يضطهد المرأة، ودولة حرة تعتقل شعبها وتنتج شوارع الصمت باسم الاشتراكية والثورة والتنمية والتحرر وحماية الثورة..، كما ليس هناك حرية وديمقراطية مع اللادولة، وهكذا، إلغاء الفردي والخاص هوالغاء للعام، إلغاء التعدد إلغاء للوحدة، والغاء النسبي هوالغاء للمطلق والعكس صحيح.

إن فصل الديمقراطية عن العلمانية، دلالة من دلالات الشيئة المعرفية  والاستبدادية الفكرية – السياسية، ويتحولان (الديمقراطية والعلمانية) إلى ركائز للديكتاتورية، عبر إعادة إنتاجها و تبريرها.

أما جدلهما المؤسس على مفهوم الإنسان وحقوقه، بوصفه وحدة الفرد المتناهي والنوع اللامتناهي المثالي، يكسبهما أبعادا ومضامين رحبة وغنية، ترتبط ارتباطا وثيقا بتصورات وامال ومعاناة واشكاليات المجتمع  بعينه، وهذا ما يشكل مضمون المجتمع المدني والدولة الوطنية شكل المجتمع السياسي.

الدين، السياسة، الدولة

يعلمنا مسار الحضارة البشرية، تاريخيا، بأن شروط أي فتح ما (علمي، فكري، سياسي، ديني..) تتغير من فضاء اجتماعي – ثقافي إلى آخر، ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى، دون أن يعني هذا هجران الكونية في هذا الفتح أو ذاك، وذلك على النقيض من الرؤية الأوروبية التمركز و نقيضها السلبي. ونرفع بذلك الحصار في وعينا عن مفاهيم وتصورات، كان "العلم" الاجتماعي الأوروبي الخاص بتحديات الواقع الأوروبي يقمعها فينا قمعا كونيا، حيث جعلنا من إجابات التجربة الأوروبية إجابات جامعة شافية، كما جعلنا من "العلم" الاجتماعي الأوروبي "العلم" العام والمطلق، "العلم" الذي يجب أن يكون كل شيء فينا مطابقا معه. برفع الحصار هذا، يتم التعامل مع مقولات وانجازات، بعقلية ناقدة، تفقدها إطلاقياتها، وذلك بإدراجها في مسارها النسبي والتاريخي، وهذا ما ينطبق، تماما، على جملة من المفاهيم، كالعلمانية، الدين، السياسة، الدولة، الديمقراطية، المجتمع المدني..إلخ.

بهذه النهاجية تعاملنا مع مفهوم العلمانية في الصفحات السابقة  ونتابع، وبنفس المنظور، علاقة الدين بالسياسة والدولة، وتحديد ملامح هذه العلاقة يشكل أحد الأبعاد المهمة في رؤيتنا للعلمانية. فالدعوة لفهم العلمانية بمنظور أنسي منفتح، هي بحد ذاتها، وضبطا، دعوة لقراءة السياسة بمنظور مختلف، وكذلك الدين، أوالبعد الديني، وذلك ليكون بحجم الحداثة من جهة، وبحجم المأزق العالم العربي من جهة ثانية.

 

إن وعي الناس ليس هوالذي يحدد و جودهم السياي، بل إن وجودهم الاجتماعي هوالذي يحدد وعيهم ذاك، وخاضع هو نفسه لمنظومة منطقية من العلاقات الحدية القاهرة، هذه المنظومة تبقى حاضرة عبر مختلف أشكال المؤسسات القانونية أوالفلسفية التي يناظر كل نوع منها بنية اقتصادية معينة، وذلك لأنها، أي تلك المنظومات، ليست من نفس طبيعة تلك المؤسسات. فكما الشعور، حسب دوبري، لا يشكل جوع الحياة النفسية للفرد، فإن المؤسسات والتصورات السياسية لا تؤسس جوهر الحياة السياسية للمجموعات البشرية.

فالناس لا ينتجون هذه العلاقات من خلال الروابط التي يقيمونها بينهم، بعضهم مع بعض بـ "حرية"، بل إنهم هم أنفسهم نتاج هذه العلاقات التي تتولد فيها ترابطاتهم تلك، وكما هوالحال بالنسبة للأفراد، ولكن بصورة أخرى، فإن الجماعات البشرية المنظمة لها لا شعور نوعي خاص بها (اللاشعور السياسي). تشكل الديانات وما يقوم مقامها من الأيديولوجيات أكثر أعراضه وضوحا، وهو ليس من طبيعة سيكولوجية ولا روحية، يتحدد بأشكال ثابتة في التنظيم المادي، ليست الأشكال الرمزية تلك إلا رسوما لها وبصمات "16"

واذا كان اللاشعور السياسي يحكم الظاهرة السياسية من الداخل فإن المرجعية العامة لـ "العقل السياسي" هو "المخيال الاجتماعي" "17"، وهذان المفهومان الإجرائيان، اللاشعور السياسي والمخيال الاجتماعي، يربطان العقل السياسي بمحدداته ويغذيان تجلياته.

إنهما يشكلان الجانب النفسي / الاجتماعي، أو العنصر الذاتي / الموضوعي في الظاهرة السياسية "18"، أي إن الحياة الفكرية والنفسية (الذاتي والوجداني واللعبي) للفرد والجماعة، هي أساس العلاقات السياسية، الشيء العام والمشترك بين الأفراد والجماعات والفئات.

وتتخذ هذه العلاقة، أشكال أكثر وضوحا، في المجتمعات التي يستحيل فيها التمييز بين البنية التحتية والبنية الفوقية، كما المجتمع العربي، فتتداخل عناصرها (الاقتصادية، الاجتماعية، الدينية، الأيديولوجية، السياسية، النفسية) بصورة تجعل المجتمع برمته عبارة عن كل معقد، جملة، تقوم بين عناصره علاقات جدلية قوامها تبادل التأثير والمواقع، ومن جهة أخرى، إن الروابط التي تشد الناس بعضهم إلى بعض في هذه المجتمعات ليست ذات بعد واحد، بل هي عبارة عن شبكة من العلاقات (دينية، أخلاقية، سياسية، اقتصادية، طائفية، عائلية،..) متداخلة ومتخارجة إلى هذا الحد أو ذاك. لذا نلاحظ العلاقة الجدلية الكامنة بين العامل الديني بالمعنى التنزيهي والواسع للكلمة (ذروة السيادة العليا)، وبين العامل السياسي (ذروة السلطة السياسية)، وفك الارتباط بين الدين، بالمعنى السابق، والسياسة، على أرضية فصل الدين عن الدولة، يحول السياسة إلى مجال خاص للسلطة والأحزاب، عبر الفصل المتزايد للمجتمع في المساهمة بفعالية في صياغة مستقبله، و "بتحرير" السلطة من وسائل الضغط بين المعدمين من السلطة والعلم، والتي يأخذ الدين الشكل الأبرز فيها، ويتحول الفصل المذكور، أثناء الممارسة، إلى تقسيم خادع للكفاءات، ما بين السلطة العقائدية والسلطة التنفيذية، نجد فيما يخص الإسلام، إن "العلماء" (فقهاء الدين) يغذون الوهم بامتلاكهم سيادة ذات قانون إلهي، في الوقت الذي توظف فيه دولة الخلافة أوالسلطة أوالإمارات المختلفة، هذا الوهم من أجل أن تمارس سلطة استبدادية مطلقة "19".

وبذلك تحولت السياسة إلى نزاع مكشوف ومفتوح على السلطة التي باتت مصدرا للثروة والجاه، و كذلك نزاع مكشوف على المشروعية الأيديولوجية من جهة أخرى، معبرة عن سياسة نخب متحاجزة ومنفصلة عن المجتمع والناس وفوقهما، مما دفع المجتمع إلى مزيد من التفتت والتشرذم، تتكور أشلاؤه على انتماءات ما قبل حديثة، إضافة إلى تتريث السلوك والأخلاق والعودة بهما إلى الوراء، وانتقال المجتمع من مرحلة الإسلام – دين إلى مرحلة الإسلام – ملجأ وملاذ، منتجا خطابه الانفجاري، بسبب ما يتعرض له من كبت ومهانة، واحتقار ووصاية مفروضة عليه، لأنه لا يستطيع أن يتكلم بشكل طبيعي ومن خلال القنوات الملائمة. ويتحول الدين إلى نوع من الأيديولوجية الظلامية، تهدد السلام الاجتماعي، وحيث يتراجع بعده الروحي التنزيهي لصالح النفعية والانتهازية.

ضمن هذه الشروط، تبدو لنا إعادة التفكير جذريا بالإسلام بمثابة البداهة والضرورة التاريخية والفلسفية، وهو حيز مهم من حيزات مشروع عقلنة الوعي العربي والمجتمع العربي، وهو مشروع معرفي / فكري في الأساس والجوهر وسياسي في دلالته و مغزاه، ليشكل محاولة لفهم عصري متحرر ومنفتح للإسلام بوصفه صيرورة تاريخية اجتماعية، يعاد إنتاجها باستمرار، ليكون بحجم الحداثة، وركيزة أساسية من مشروع النهضة العالم العربي.

 

وان مشروع عقلنة الوعي العربي، هو بمعنى آخر، مشروع إعادة بناء السياسة بمنظور مختلف، فبدلا أن تكون السياسة متمحورة حول السلطة، تتحول لتتمحور حول المجتمع، بحيث يكون الإنسان والشعب منطلقها ومستقرها. فالسياسة فعالية، رغم أنف التخصص، بوصفها التعبير عن الشأن العام، المرتكز على المشاركة والمسؤولية والحرية، وهذا شرط واساس لانتقال الناس من هامشيتهم وسلبيتهم إلى ذات تاريخية وسياسية تساهم في بناء المجتمع والدولة.

فالسياسة تعبر عن ما هو مشترك بين جميع الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية والطبقات والتيارات الفكرية والأيديولوجية، ففي كل جانب من الجوانب الاجتماعية عنصر عام يدفع بهذا الجانب إلى أن يصير سياسيا عند مستوى معين، فيرتقي الأفراد من مستوى فرديتهم البدنية والذهنية والنفسية وعضويتهم في العائلة والعشيرة أوالطائفة إلى مستوى عضوية المجتمع المدني والدولة، هذا الارتقاء لا يجب ما تحته وما سواه، بل يضفي على باقي الانتماءات أبعادا وافاقا رحبة، ناقدا الفكر العشائري، الطائفي.. المنغلق والمتزمت.

من هنا هذا الارتباط الوثيق بين السياسة والمعرفة، بما هي مسعى نحوالحقيقة، وركيزة كل الحقائق من جهة، وبينها والمعيارية الأخلاقية من جهة ثانية، وذلك تأسيسا لفعل أخلاقي مطابق للعقل، فالإنسان وحده القادر على تخطي الحالة الاستلابية لإنسانيته الحقيقية، عبر جهاد المعرفة وجهاد النفس، النفس الأمارة بالسوء، الجهاد الذي يستند على اعتراف، تصور، بأن المطلق لا ينحل في نسبيات البشر والتاريخ ( الديانات، الأحزاب، القوميات، الطوائف..) وهذا موقف أخلاقي بامتياز قبل أن يكون موقفا معرفيا / سياسيا، وهو شرط إقامة مملكة الحرية الإنسانية التي هي في الوقت نفسه مملكة الأخلاق.

ثمة نفي، تكوّن، تشكّل، المطلق والنسبي ليسا شيئين، لا النسبي شيء، ولا المطلق عفريت، المطلق والنسبي مفهومان وحدان، المطلق حد، يحد النسبي فمن ليس عنده المطلق يحول نسبيه إلى مطلق وهذا هو جذر الاستبداد وعدم الاعتراف، كما يقول الياس مرقص.

 

بهذا المنظور للعلمانية، السياسة، الدين، الديمقراطية، المجتمع المدني، تتغير بالنتيجة الأرضية التي كانت تطرح عليها مسألة العلاقة المعقدة بين الدين والدولة، الفرد، المجتمع، الدولة.

فكل فرد منا يكتشف الدولة قبل أن يكتشف الحرية، فتجربة الحرية تحمل في طياتها تجربة الدولة، فالدولة وجه، موضوع قائم، في حين الحرية تطلع إلى غاية غير محققة وباستمرار "20".

إن التساؤل حول الدولة يتجدد باستمرار دون أن ينتهي إلى جواب ثابت، منذ قرون والناس يطرحون الأسئلة نفسها، إن كان بهدف التبرير أو بهدف الكشف والتعرية، بهدف الأيديولوجيا أو بهدف النظرية ؟. رغم تعدد الإجابات المرتبطة بتجارب بعينها، إلا أن الهدف هذا لا يضمن الحصول على الإجابة الشافية والنهائية.

فالدولة ظاهرة اجتماعية أساسية، وليس هناك تمييزا بينها وبين المجتمع، واذ نرفض التمييز مبدئيا، لا ننفي المنهجية، ما يفعله الفكر الإنساني تلقائيا عندما يتعرض لكل ظاهرة اجتماعية على حدة، إنما نؤكد أن التمييز من عمل الفكر وليس من مكونات الأشياء. لا بد من الفصل، التمييز، للفهم والإدراك، للعرض والتفسير، لكن لا يجب أن نجعل منه حقيقة كيانية تبرر بها تمييزات أخرى، تجعل التأمل في الحرية من شأن الفلسفة الماورائية الأخلاقية، والتأمل في العقل من شأن فلسفة العلوم، والتأمل في الدولة من شأن الأيديولوجية السياسية، هذا التخصص المعبر عنه موضوعيا بتساكن الفرد والدولة، كعنصرين متقابلين متعارضين، مما يسبب الانعزال عن الواقع واليأس من إدراكه، واختزال الدولة إلى جهازها القمعي التسلطي.

 

إن المجتمع ينتج وجوده الاجتماعي وثرواته المادية والروحية، ويتوج ذلك كله بإنتاج وجوده السياسي، أو شكل وجوده السياسي، أي بإنتاج الدولة. و بالتالي فإن الحديث عن الدولة، حديث عن المجتمع، حديث عن التداخلات والتخارجات إلى هذا الحد أو ذاك، فقضية التقارب بين أهداف المجتمع واهداف الدولة، أوالتعبير عنها قضية مفتوحة.

فإن جدل العلمانية والديمقراطية، يتيح إلى جميع التيارات (روحية، سياسية، فلسفية..) المساهمة الفعالة في بناء المجتمع والدولة، دولة الكل الاجتماعي، دولة الحق والقانون، التي مهمتها إدارة شؤون المجتمع التعددي، بالمعنى الديني والقومي والفلسفي والسياسي للكلمة، دون أن تنزلق وتصطبغ بأية صبغة حزبية أو دينية أوايديولوجية محددة، أوان يشكل قاعدة لها، وتتخذ موقفا استبعاديا واستئثاريا تجاه الآخر، فالدولة العقلانية لا تستطيع أن تكون إلا شيئا عاما، وتلحق بالأخلاق بعد أن توحد أهدافها مع أهداف المجتمع، وبمقتضاه تكون الدولة، دولة المجتمع والشعب، ولا يكون المجمع مجتمع الدولة والشعب شعبها.

هذه الدولة، كما قال ماركس، لا تحتاج إلى دين بعينه من أجل اكتمالها السياسي، بل تضعه بين سائر عناصر المجتمع، بعد ذلك تستطيع أن تُفَعِّله لأن َّ فيها القاع الإنساني للدين، موقّعن بشكل دنيوي، بتأكيدها على الحرية الضميرية والروحية والفكرية والسياسية للمجتمع، فهي حيادية بالمعنى الإيجابي للكلمة، وتقف فوق الجميع وتعاملهم على قدم المساواة، فلا تفرق بين أفراد المجتمع من حيث انتماءاتهم المختلفة.

وبالتالي كل إكراه من قبل الدولة أوالجسم الاجتماعي، من أجل فرض الإيمان والممارسة الدينيين على الفرد، يشكل اغتصابا للضمير، وليس في نهاية الحساب، إلا "تطفيلا" للإنسان المعتبر قاصرا في خياراته الميتافيزيقية، ونفي فكرة الإنسان، كذاتية مفكرة و حرة.

وبالمقابل فإن كل إكراه من جانب الدولة أو فئات اجتماعية متنفذة، لنزع دين الضمائر، أو عرقلة العبادة، أو تخفيض اعتبار الدين، يجب أن تكافح. "21"

فالدولة بالمنظور العلماني المنفتح، تتيح وتكفل حرية الضمير وتصون التعددية الأيديولوجية للمجتمع، وكذلك تؤمن للاعتقاد الإمكان ليضطلع بنفسه وينتشر، وليس لها أن تمنعه تحت أي ذريعة كانت.

وبالتالي فإن تحديد العلاقة بين الدين، الدين – تاريخ والدولة والسياسة، التي تحيل كلها إلى الجذر الاجتماعي التاريخي، تنزع طابع القدسية عن نشاط وممارسة الدولة والحكام واخضاعهما للمناقشة العقلية والمسؤولية والمحاسبة البشرية. ويضمن، بالضرورة، جدل التلاقح الخلاق بين قيم واهداف ورغبات المجتمع، وقيم واهداف الدولة، أي رغم الفصل والتمييز البحثي، إلا أنه هناك علاقة جوهرية بين الدولة وبعض عناصر السلوك الأخلاقي والاجتماعي، وبنية الشخصية الاجتماعية.

لا يمكن بالفعل شق الإنسان إلى شقق فيها الانفعال وحس الجماعة والاندفاع الإلهي والعقل المحاكم والمعرفة، تتراصف أو تتراكب بلا وصال، الإنسان أيضا وحدة جامعة ولأنه فعل على الإنسان الكل نجح الدين "22"، فلا تراصف وتوازي بين الخاص والعام، بين المطلق والنسبي، بدون ذلك تكون العلمانية مصدرا إضافيا لتنامي الديكتاتورية و تبريرها.

 

على أرضية ما سبق، يمكن القول: بأن العلمانية ليست بالظاهرة التي يمكن وصفها ببساطة ويسر، فهي جملة من التحولات التاريخية المعاشة كتوتر مستمر من أجل الاندماج في العالم الواقعي، فتكون بذلك تابعة لتحولات سابقة في مجالات الحياة المختلفة، وهذه الحركة الدنيوية، كما لاحظنا، لا تعني التصفية الجذرية للدين كما يتوهم بعضهم، ويريد أن يوهم الآخرين، وتندرج في أطر أوسع من تضاد الدين والدولة (المقولة الملتبسة).

وبالتالي ليست بالوصفة الجاهزة، يمكن أن تطبق هنا أو ترفض هناك، لجملة من الاعتبارات التاريخية، بل هي اشتراط بشري بامتياز.

على الرغم من أخذها أبعادا واسعة في الغرب، إلا أن ذلك لا يجعلها أوروبية الجنسية، كما أن حلها لإشكالية العلمنة ليس نهائيا ولا شافيا، على الرغم من إيجابياته التحريرية التي لا تنكر، وتحول كثير من عناصرها إلى مكتسب إنساني، أي يجب أن تتحول رؤيتنا لما ينجزه الغرب، من رؤية انبهارية واعجاب بالمطلق، إلى التأكيد على تاريخية التجربة والإنجاز، فتتموضع كتجربة، واجابة جديرة بالنقد.

بذلك لا نكون، كما يقول عزيز العظمة، مرتهينين بالتجربة الأوروبية، ولا نرى فيها نهاية التاريخ، ولسنا ملتزمين بحدود تجاربها التاريخية، بل نحن جزء من مشروع تاريخي كوني يتجاوز حدود الغرب، وهذا على النقيض من المنظور الاستبعادي والحاذف بين الكونية والخصوصية والرؤية الاستشراقية أوروبية التمركز، والاستشراق المعكوس في الساحة العربية.

 

وعندما ندعوالى علمانية أكثر انفتاحا، أكثر واقعية، أكثر جذرية، أكثر إنسانية، ندعوالى عقلانية أكثر اقترابا من الإنسان وعالم الإنسان ومن الحياة ونبض الحياة، تعي تماما بأن الواقع يحمل قضيته بشكل آخر. أي أن مشكلة العلمانية، هي مشكلة المعرفية بما هي نضال من أجل امتلاك الحقيقة أوالتوصل إلى الحقيقة، وبمستوى آخر لا يصبح المقصود منها تأنيس الإله وانما الإنسان، وتأنيس الإنسان يعني جعله يفقد بالتحديد هذه الرغبة بتأليه نفسه بأي شكل من الأشكال.

فالموقف العلماني، موقف عقلاني، ديمقراطي، وجداني، أخلاقي بامتياز، وهدف يتطلب افتتاحا مستمر.

================

المراجع

 

1 ـ محمد أركون: الفكر الإسلامي قراءة علمية، مركز الانماء القومي 1987 ص (5-6)

2 ـ علي حرب: لعبة المعنى، فصول في نقد الإنسان ـ  ص (10)

3 ـ نصر حامد أبو زيد: النص، السلطة، الحقيقة ص (80)

4 ـ رينيه هويغ و ديزاكوايكيدا: شرق و غرب حوار في الأزمة المعاصرة  ص (13)  ترجمة عيسى عصفور، منشورات وزارة الثقافة (سورية) 1995

5 ـ نصر حامد أبو زيد: نفس المصدر ـ ص (67)

6 ـ  عبد الله العروي: مفهوم الحرية ـ ص (7)

7 ـ برهان غليون : نقد السياسة، الدولة والدين ـ ص (503)

8 ـ  برهان غليون : نفس المصدر ـ  ص (527)

9 ـ علي حرب: الممنوع والممتنع نقد الذات المفكرة  ـ ص (34، 35)

10 ـ  انظر في هذا الموضوع: عزيز العظمة: العلمانية من منظور مختلف ص (17-18-19). مراد وهبه: العقل العربي والعلمانية، في كتاب قضايا فكرية العدد (25- 26) لعام 1995. رشيد اشقير: حول علمانية الدولة الحديثة: مجلة الوحدة العدد 13. محمد أركون: تاريخية الفكر الإسلامي ـ ص (290)

11 ـ  محمد أركون: تاريخية الفكر الإسلامي  ـ  ص (290-291)

12 ـ إدغار موران: مقدمات للخروج من القرن العشرين  ص (111) ترجمة أنطون حمصي، منشورات وزارة الثقافة (سورية) 1993

13 ـ إدغار موران: نفس المصدر ـ  ص (136-255)

14 ـ محمد أركون: أين هوالفكر الإسلامي المعاصر ـ ص (31)

15 ـ الياس مرقص: مقدمة و ضعها لكتاب من ترجمته حمل عنوان، المرأة في العالم العربي لـ جوليت منس ص (15 – 19)

16 ـ محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته ـ  ص (2)

17 ـ محمد عابد الجابري: نفس المصدر ـ ص (14)

18 ـ محمد عابد الجابري: نفس المصدر ـ  ص (17)

19 ـ  محمد أركون: تاريخية الفكر الإسلامي ـ ص (171)

20 ـ  عبد الله العروي: مفهوم الدولة  ص (5)

21 ـ  هشام جعيط: الإصلاح والتجديد في الدين، مجلة الواقع العدد الثاني 1981

22 ـ  هشام جعيط: نفس المصدر 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط