د. أكرم شلغين / Feb 27, 2014

عند تأديتي للخدمة العسكرية في منطقة الوعر بحمص في مطلع عام 1983 دأبت مع مجموعة من أبناء اللاذقية أن أذهب ليل الخميس من حمص إلى اللاذقية وأعود مع المجموعة، بالاتفاق مع سائق باص يحضرنا ويعيدنا، لنكون في الكلية العسكرية قبل درس الرياضة صباح يوم السبت... في تلك المدة القصيرة التي استطعنا بها الخروج هرباً من الكلية العسكرية كنا نحافظ على تماسكنا النفسي لأن الأسبوع كان مليئاً بالقهر والذل...فقد بدأت خدمتنا بسماع عبارات مهينة ومذلة، ومن ناحيتي دخلت باب الكلية بقلب مكسور وأنا أرى عسكرياً(اسمه فنتش) حارساً على المدخل يفتش حقيبتي ليخرج منها المنجيرة القصبية التي كان لها أحلى الذكريات في قلبي ليس فقط لأنها هدية من صديقتي في ذلك الحين بل أيضاً لأنها كانت الوحيدة التي استطعت أن أشعر بحنية القصب في صوتها.... هكذا كانت بدايتي ولكل منا بدايته في تلك الكلية، ناهيك عن التعذيب الجسدي الذي كان يتسبب في كثير من الأحيان بالكسور... فكم من مرة رأيت مدير الكلية اللواء سليمان طراف وهو يدفع بقوة من يتلكأ في درس الرياضة الصباحي ليقع على الأرض... وكم من مرة رأيت الملازم أول، حينها، بسام جرجس يدفع بالزملاء من أعلى الحواجز الاسمنتية ليقعوا وتتكسر أيديهم...! لكن التعذيب الجسدي كان أهون من سماع تلك الكلمات والعبارات التي لا تليق بمن هم في موقعنا وسننا. كان هناك مجموعة مناوبة من الضباط وصف الضباط كل يوم... ولكن الأسوأ على الإطلاق بين تلك المجموعات كانت تلك الدفعة الأعلاها رتبة كان العقيد قصيروف* فقد بدوا وكأنهم يتبارون في السوء والانحطاط والسّقط وانعدام الأخلاق والقيم والمبادئ...! فقد كانوا يتساءلون فيما إذا أدمت أجسادنا بعد الزحف عراة الصدر على الأرض المليئة بالأشواك والحجارة المكسرة الصغيرة الحجم المختلطة بالزجاج المكسر... وبعد ما يسمونه بالحفلة لنا (نحن خريجي الجامعات) كانوا يسمعونا كلمات وعبارات مثل: "اعتز بنفسك يا حقير..." أنا شايف أصبع قدمك الصغير عم يتحرك داخل البوط يا طرطور... "، "ارفع رجلك زاوية قائمة 45 درجة" [لاحظوا أن الزاوية القائمة لديهم هي 45 درجة!] "استرح واستعد بشواربك" لمن كان له شاربين ...مستضحكا.. مستبكيا... إلخ... وأجزم أنه لو قدر لأحد ما أن يراقب ماذا كان يحصل داخل تلك الكلية فكان سيخلص بنتيجة أننا نتدرب لا على حب الوطن والزود عنه عند الضرورة بل كنا نتدرب على أن تكون رصاصتنا الأولى على من يدربنا.... لا أعرف كمّ الأفكار التي راودتني حينها للخلاص من هكذا جو لايليق بالبشر....ولا أعرف كم من مرة قلت في نفسي هنيئاً لذلك الكلب الذي ينبح خارج سور الكلية ليلاً فهو مدني ومهما كان سبب نباحه، أكان لألم ألمّ به، لضيق، لذعر، لوحدة، لخوف.... الإ إنه أحسن حظاً منا نحن من شاءت أقدارنا أن نرى ونخضع لأوامر هؤلاء السفلة....من هنا كانت مغادرتنا للكلية تحمل شيئا من المحافظة على التوازن النفسي بعد أيام من القهر والقمع والذل المستمر، كما أسلفت. عندما كان يتوقف الباص في منطقة ما على الطريق لأجل شراء بعض الحاجيات كنا نشعر بالأنس أننا نتعامل مع بشر... كنا نشعر أن هناك عالم آخر غير ذلك المستنقع العفن الذي وجدنا أنفسنا قسراً وسطه... ومرة، كنا عائدين من اللاذقية فتوقف الباص أمام خيمة يبيع أصحابها المشروبات الغازية والقهوة والشاي فلمحت على شاشة تليفزيون صغيرة موضوع على طاولة صغيرة جداً وبهوائي يشبه هوائي الراديو صبايا ينزلن الأدراج ملوحين بالشالات وميزت أنها أغنية فيروز "عنبية" من فيلم سفر برلك فأسرعت لأنزل من الباص وكأنني خفت أن يفوتني شيئا من تلك الأغنية.. بل من الفيلم نفسه....توقفت أمام الخيمة أسرح في خيالي وكأنني أتقلب بين الحلم والكابوس، ما بين دفء القلب في أغنية فيروز وما بين تجمد الحياة في ثكنة قصيروف و طراف... وبينما أنا على هذا الوضع سمعتهم ينادون أن الباص سيتابع وعلينا أن ننهي تبضعنا بسرعة...فما كان مني إلا أن اشتريت قنينة مشروب غازية يتوجب إعادتها فارغة وذلك في محاولة مني لأطيل بقائي على ما أنا عليه قبل أن ينتهي الحلم ويبدأ الواقع.... ليت الزمن توقف في تلك اللحظة بدلا من أن يمشي ويأخذنا معه من جديد إلى الذل.... إحدى المرات، وبعد انقضاء نصف الدورة العسكرية، ذات ليل يوم جمعة كنا نتجمع في ساحة الشيخضاهر باللاذقية أمام الباص لكي ننطلق إلى حمص عندما توقف اثنين من المارة بالقرب منا وسألونا فيما إذا كنا نقصد حمص في وجهتنا! وعندما كان الجواب بنعم، طلب أحدهما منا اصطحاب الآخر معنا في الباص متكفلا أنه سيجلس على أرض الباص في حال كان هناك دوريات على الطريق....وأضاف ما فيه بعض الإغراء لأن من سيرافقنا يتمتع بصوت جميل وموهبة فنية ولن نتأفف من رفقته ولن يكون عبئاً علينا وهو إنسان حساس ومهذب للغاية.... فكان أن صعد معنا إلى الباص وعندما تحرك الباص كان الراكب الجديد يجلس على الأرض وسط المقاعد هادئاً فنظرنا لبعضنا البعض وقلنا لابد من أن نحدثه...فقام أحدنا (صديق يدعى "تركي") من مكانه وتقدم منه وقال من اين أنت؟ وأين كنت ؟وأين تريد أن تنزل في حمص...؟ فقال عدة جمل استطعت أن أسمع بوضوح واحدة منها تفيد بأنه كان في صلنفة في زيارة لأصدقاء...وسأله تركي بعدها إن كان يريد أن يسمعنا شيئاً مما يغنيه فقال نعم وماذا تريدون أن تسمعوا؟ أجابه تركي نريد أن نسمع لفريد الأطرش...! فقال ليت العود كان معي لسررتكم وقدمت لكم كل ما تريدون... نظر تركي إلى الوراء وكأنه أصبح يشك في أن يكون لدى مرافقنا الجديد أي موهبة! تلقف ذلك صديقنا اسماعيل أبو حمد من الحفة ونظر إلى صديقه ابراهيم مصطفى وقال له شجعه..! يالله ابراهيم اطلع فيها...! ابراهيم اطلع فيها وغني "دربك يالحريقة طلوع ونزول....." (الحريقة قرية في ريف الحفة)، وعند تعزز ابراهيم عن الغناء قال الضيف لن أخذلكم...وسأعزف على العود وسأغني لفريد وبدأ يدندن بفمه ومن ثم شرع يصدر الاصوات المقلدة لرنين أوتار العود وأرفق ذلك بأغنية "دايماً معاك دايماً واتبع خطاك دايما واعشق بهاك دايماً...دايماً معاك دايمن" ولدهشتنا وطربنا كان صوته في الغناء ـ كما في تقليد صوت العود ـ أكثر مما يمكن لنا أن نتوقع... فقد حركنا جميعا ووجدنا أنفسنا نتوقف تلقائيا عندما يغني مقطعاً ما ومن ثم نشكل جوقة لنغني مكررين كلمة "دايماً"...لا ندري كيف انتهت بسرعة تلك الرحلة وعندما نزل مطربنا من الباص كنا جميعاً قد اكتشفنا أشياء كثيرة ومنها على سبيل المثال لا الحصر كم كنا مقموعين مكبوتين ومهانين في تلك الفترة من حياتنا...ولاحظت في عين صديقنا تركي دمعة لم أكن أتوقعها من شخص يبدو بجسده الضخم وشاربيه أنه أصلب من جدران ثكنة قصيروف طراف.

 

*لقصيروف قصة طريفة يعرفها أبناء منطقته عن تاريخ غباء وقلة معرفة ذلك الشخص فيروون كيف أن معلمه في المدرسة سأله "من فتح قناة السويس؟" وعندما لم يعرف الإجابة عاقبه المعلم..فركض قصيروف إلى والده ليحكي له أن آخرين فتحوا القناة في أرض أبو اسماعيل والمعلم ضربه ظاناً أنه هو من فتحها....

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط