سهيل أحمد بهجت / Oct 12, 2010

لا يمكن لنا عبر استخدام بضعة تعريفات ومصطلحات من ضمن تلك التي تعج بها القواميس والموسوعات أن نحكم على مجتمعات بأكملها على أنها ذات نمط واحد، فالنمطية الوحيدة السائدة في الغرب هي "التعددية" السياسية، الأخلاقية والفكرية، وهو ما يُذكرني بالتعريف العلمي القائل: كل شيء يتغير إلا التغيُّر فإنه لا يتغير..". ولكن في الشرق الإسلامي يكاد يتحكم بالمجتمع نمط واحد لا يقبل التغيُّر، لذلك نجد المجتمعات الشرقية، سواء بالمنطق الديني أو المادي، بقيت راكدة جامدة لا تراوح مكانها و كتبها الفقهية والعقيدة لا تعدو كونها تكرارا سمجا مغفلا لنتاجات الماضين، وما يشذ عن القاعدة التقليدية يكون عرضة للحرق والإبادة والتهميش لمخالفته للنموذج "المستقر، المطمئن" فكل أسئلة الشّك مرفوضة، وكانت كارثة حقيقية حينما أنهى أبو حامد الغزالي سنوات التساؤل والبحث والشّك بأن أصبح نصيرا للسلطة وللإيمان المطلق الذي لا يقبل الشكوك.

فالنتيجة هي أن المسيري يظهر الغرب كنموذج لـ"القلق" وأن نقيضه "الاطمئنان" يكمن في مجتمعات المرجعية الدينية المتجاوزة، بينما الحقيقة هي العكس، فالغرب قلق لبحثه المتواصل وهو بالتالي مجتمع مطمئن "لأن الجميع يملك حق التفكير والتعبير و السؤال"، بالمقابل مجتمعاتنا "مطمئنة" في الظاهر طالما أن لا أحد يأتي بجديد، فلا محمد يسبّ أصنامنا ولا علي أو أبو ذر يحتج على طبقيتنا وسلطاتنا، فالاطمئنان في المجتمع الإسلامي شكلي صوري سطحي بحت ولا يملك الديمومة.

وينطلق المسيري في حديث مطول عن تفكك الإنسان كماهية فلسفية في الغرب وتحوله إلى شيء من الأشياء وأنه يصبح جزءا من المادة و"من خلال عملية التعرية يصل الإنسان إلى حقيقته باعتباره كائنا طبيعيا ماديا ليس له حيزه الخاص، خاضع للقانون الطبيعي، ومن ثم فمحاولة تجاوز الذات الطبيعية وقوانين الطبيعة وتأكيد مركزية الإنسان هي وهم لا أكثر ولا أقل" ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 80

وبالفعل فالإنسان طوال تاريخه على هذه الأرض كان يبحت عن جملة حاجات، فهو يبحث عن البقاء والديمومة وإشباع رغباته و حاجاته والأهم دفع الألم والأذى عن نفسه و متعلقات ذاته، بل إن توجهه للدين غالبا ما يأتي لحاجته إلى تجاوز خوفه من الموت وكونه مخلوقا له بداية ونهاية كأي شيء آخر، ومن ثم لا معنى لانتفاء مفهوم الإنسانية في الغرب ما دام الإنسان في الغالب هناك لا يحتاج إلى الآخرين إلا فيما ندر، بينما نذهب نحن المسلمون إلى الزعم أننا أكثر "إنسانية"!! من الغرب لأن غنيا من "أغنياء المسلمين"!! أعطى فقيرا مائة دولار أو ريال "زكاة"!! دون أن ننتبه إلى أن الإنسان الغربي كرامته محفوظة لأنه يأخذ مساعدة مالية من الدولة أو من منظمة وهو يحل بالتالي مشكلته من دون إهدار كرامته لشخص الغني، بينما يريد المسيري الإبقاء على "تراحمنا الصوري الشكلي" ومعاناة الإنسان بإبقاء الفكر معلقا بالخوف من الآخرة، وكأن الالتفات إلى مشاكل الإنسان الواقعية يتناقض مع سعيه للخلود والاطمئنان الروحي، بينما طبقة الحكام والأغنياء يتنعمون بكل ملذات الحياة المادية والدين يضمن لهذه الطبقة الحصول على الحسنيين (الدنيا وما فيها من سيطرة وهيمنة والوعد بالمغفرة في الآخرة)!!

يقول المسيري:

"أما فعل ((Dehumanization)) (تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية) فتعني إنكار وقمع تلك الصفات والأفكار والنشاطات التي تميز الإنسان من غيره من الكائنات، ومنع تحقيق الإمكانات الإنسانية للإنسان (في مقابل خصائصه الطّبيعية المادّية الّتي يشترك فيها مع غيره من الكائنات)، وتستخدم العبارة للإشارة إلى تلك الاتجاهات في الحضارة الحديثة التي تجرد الإنسان من إنسانيته و تحوله إلى شيء ضمن الأشياء، أي تستوعبه و تنكر عليه حرية الإختيار والمقدرة على التجاوز وتحقيق كلّيته الإنسانية المركّبة المتجاوزة للحتميات الطّبيعية المادية وللأنماط الطبيعية المتكررة." ـ العلمانية تحت المجهر ص 80

إن المصلح Dehumanization لا يمكن له أن يصبح حكما للخط العام لتطور الحضارة الغربية، صحيح أن الرأسمالية في بداية تطورها اقترنت بتبرير ديني للتوسع، فرغم أن العلمانية استحكمت في السلطة أكثر فأكثر، إلا أن الثقافة الّتي كانت تهيمن على العقل الغربي الثقافي والعلمي كانت على الدوام تستوحي نفسها من "الكتاب المقدس" الذي صنف الشعوب على أساس الإنسان الأبيض ذو الدم أو العرق Race الممتاز وبالمقابل  الشعوب السامية semi-species التي يجب أن تبقى تابعة وخادمة لمسيرة تطور العرق الأبيض، ولكن تبين أن هذه النظريات لا تستند على أساس علمي وأنها تنتمي إلى ما يسمى بـ pseudoscientific أو العلم المزيف، فإمكانيات التطور والبناء الحضاري تتجاوز العرق واللون لتشمل كل البشر، ولكن المسألة تتعلق فقط بالظروف والبيئة التي تحيط بالإنسان وهي جملة الشروط التي يُفترض وجودها لكي يستطيع الإنسان إنجاز التقدم وعملية الوعي أنظر ((Encyclopedia of Sociology: Vol 1 P 356)).

إن العلمانية لم تكن عملية سحرية اعتباطية قررت الفصل وبلمح البصر بين الدين والسياسة، بل هي عملية بطيئة كانت ولا تزال مستمرة في البناء، فمثلا حينما كانت بريطانيا وفرنسا تخوضان الحرب مع الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918 م كانت هاتان الدولتان قد أعدتا نفسيهما للحرب وكانتا تتعلمان من أخطائهما، أما الدولة العثمانية القائمة على خرافة "الخلافة الإسلامية"!! فقد أنهكت المواطنين الذين خدموا هذه الدولة بالسخرة والإكراه وأزهقت أرواح الملايين بسبب السياسات الحمقاء للنخبة العثمانية الحاكمة والفساد الإداري الذي ترك الناس يموتون جوعا وبفعل الأمراض بعد أن انتزعت منهم الحكومة كل شيء يملكونه بحجة "دعم المجاهدين" وجيوش السلطان (الذي كان له ما لا يُعد من القصور و 3000 جارية عدى الزوجات).

ترى ما معنى تعبير "الإمكانات الإنسانية للإنسان"؟ وهو التعبير الذي أتحفنا به الأستاذ عبدالوهاب المسيري، إنها بالأحرى كلمات لا معنى لها، فإذا كانت مصطلحات كـ"الحرية"، "الانتخابات"، "حقوق الفرد"، "حقوق المجتمع"، "كرامة الإنسان"، "حرية التعبير" وغيرها من المصطلحات الحديثة التي تمتليء بها القواميس والموسوعات، إذا كانت كل هذه التعابير ـ وهي نتاج العلمانية ـ لا تملك قيمة "إنسانية"!! فما هي تلك "الإمكانات" التي يُعزّيها المسيري إلى الإنسان كنوع؟ وما هو المنتج الحضاري الكامن في خطاب المسيري؟ فالحضارة الإسلامية لم تقم على "سيوف روحية" و"جيوش الملائكة" و"سهام الأدعية"، بل كانت حضارة قوة وغلبة ولم يكن الأمويون والعباسيون والعثمانيون يختلفون عن الملاك والأغنياء في عصور الإقطاع والاستعمار، هذا إن لم يكن مستعمروا العالم الإسلامي أسوأ بسبب تبريرهم الدّيني لكل الظلم والخراب الذي ألحقوه بالعالم الإسلامي.

وما هي الصفات التي قام "الغرب العلماني" بقمعها في الإنسان حتى لا تنطلق؟ وما هو جانب الحرية الذي ألغاه الغرب في الإنسان؟ الذي نعرفه أن الشيوعية متمثلة في الإتحاد السوفيتي السابق والصين الشعبية ونظام كاسترو قامت بالفعل بتهميش الخيارات لدى الإنسان "الفرد" وجعلته محطما بحجة تبعية المصلحة الفردية إلى المصلحة "الجماعية"، والماركسية ـ كما وصفناها سابقا ـ هي دين بلا إله، لأنها تحاول الرد على كل الأسئلة وتحتكر الحقيقة لنفسها وتضطهد حرية الفكر والضمير بحجة العقلنة، وبالتالي ليس هناك مجال محجور على الإنسان في النظام الغربي الثقافي، رغم المحاولات الحثيثة للمسيري و معسكر "الثقافة الموجهة من السلطة" في نقض وثلب ممارسة الحرية في الغرب وكل العالم، فالحرية هبة إلهية ـ حسب تعبير الرئيس بوش ـ ومن ينتقد الحرية كمفهوم ينقض حقه الذاتي في حرية التعبير وأن يقول ما يريد.

إن تعبير Dehumanization لا يصف معاناة الإنسان من آثار التحديث والحضارة بقدر ما يصف الدجل السّياسي الذي كانت تروج له أحزاب عنصرية كالنّازية ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة سابقا، والذي انتهى في أواخر القرن العشرين، إن الزعم بأن الإنسان سقط بمجرد عثوره على نفسه لا يطرح سوى تساؤل آخر، هو: لماذا نعتبر هذه الحرية في التعبير نهاية لإنسانية الإنسان؟ هل كان على الإنسان أن لا يختار التغيير والتطور فيبقى أسيرا للكهف والغابة المطيرة؟ وهل بإمكانه أن لا يختار؟ إن الذي يجعل الإنسان مختلفا هو اندفاع الإنسان نحو التغيير، وهذا السبب نفسه الذي جعل آدم وحواء يتركان كل ثمار الجنة ليأكلا من الشجرة المحظورة.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط