د. أكرم شلغين / Mar 01, 2014

في زمن الآباء والأجداد، كان الأمر اعتيادياً فيما لو تخلل الجزء الأكبر من تسامر أطراف أحاديث الناس القضايا الخاصة الصرفة كأن يعبّر أحدهم عن رغبته في فعل شيء ما أو يشتكي همومه ويبوح عما في داخله... وكانت الناس تصغي لبعضها البعض بفضول فرضَه نمط حياة لا قيمة للوقت فيه من جهة، وعدم وجود روح التنافس والاستباق التي تفرضها ظروف حياة رأسمالية من جهة أخرى. فكان هؤلاء يستمدون متعة، يفرغون طاقات، بل ويحاولون تحقيق ذوات من خلال التعقيب والنصح وإبراز المعرفة ـ المحدودة طبعاً ـ في التعامل مع الحياة ومصاعبها في أحاديثهم. 

إن التعرض لهذا الموضوع لا يعني الانتقاد وإنما يعبر عن الرغبة في إبراز أن الإنسان وبحكم اشياء كثيرة لايستطيع أن يجسّد ويروحن حقيقته وطبيعته بصفته كائن اجتماعي له ما له من أهواء، طاقات، تناقضات، هموم ، إرهاصات وإحباطات ....ولو انتفى أو انعدم مناخ التعبير عن هذه الحالات الإنسانية لاختل جانباً هاماً من حياة المرء ولراح الأخير يبحث عنه ربما في كائنات أخرى أو في الطبيعة ! وإن قرأنا أن أحد الشخوص الأدبية نزل إلى الزريبة ليهمس في أذن حماره "ابنتي الوحيدة ماتت يا حماري العزيز" حيث قبع وحيدا لعدة أيام بعد وفاة ابنته دون أن يأتيه أحد ليعزيه بمصابه فإن ذلك ليس من بنات أفكار كاتب أو نسج خيال وإنما نقلاً لبؤس الإنسان ووحدته وشعوره في قول شيء ما بداخله، ولئن حدّثنا أحدهم أنه جلس على شاطئ البحر الذي وجد فيه صديقاً يستمع إليه ويُسمعه كل شي بدون تحفظ، يراقب، ويستمع إلى، تكسر أمواجه التي يترجمها القلب تارة فرحاً وطوراً حزنا فإن دلالات ذلك لكبيرة وتحكي الكثير...

نتعلم من العيش في عالم اليوم أن عواطفنا، انفعالاتنا، احتياجاتنا، أسرارنا هي قضايا خصوصية بحتة وذلك لأكثر من سبب، ربما الحفاظ على صورتنا العامة التي نريد أن نقدمها للبشر عن أنفسنا يأتي في مقدمة هذه الأسباب، ولو اهتزت هذه الصورة قليلاً، لما عدنا في عيونهم وتقييمهم نفس الاشخاص المرسومين ضمن أطر تفكيرهم ولهذا يبقى الحرص على التنسيق ما بين العام والخاص في الشخصية حاضراً؛ من ناحية أخرى، وذلك طبقاً لطبيعة المجتمعات، ربما لا وقت للآخرين للاستماع إلى ما نحن به..! ولكل من البشر انفعالاته وعواطفه واحتياجاته ورغباته غير المتحققة وهمومه...فإن وجد الصديق المخلص والحريص لجأ واحدنا للكلام معه في الشؤون الخاصة، وخلاف ذلك يتطلب أحياناً الظرف منا التكلم مع "..." المختص والذي يعلمنا أن البوح في ما بداخلنا هو نصف "العلاج" ـ إذا صح التعبير ـ أو نصف الراحة من ضغوط أو هموم نحملها في صدورنا. 

وسط هذا يجد الكثير منا الانترنت كوسيلة للتعبير عن أشياء كثيرة، خاصة وأن الانترنت وفّر لنا الكثير مؤخراً، فيعطينا بــ"كرم" و"سخاء"، من ضمن مكرماته، صفحات ندون بها مجاناً، يعطينا صفحات نكتب بها ونتواصل من خلالها مع الآخرين، ناهيك عن برامج الاتصال السمعية البصرية المجانية التي تنتشر وتزداد باضطراد مستمر.  لكن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة لا يقتصر عما إذا كان الانترنت يعوض ما نفتقده على أرض الواقع للتعبير عن مكنونات أنفسنا ولقول ما نريد قوله للأصدقاء! بل ويتشعب ليمتد إلى تداعيات ما نفعله على الانترنت!؟ والجواب هنا لا يستطيع إلا أن يقع في التبسيط إذ يحتاج هذا الموضوع لندوات وليس لخاطرة نكتبها سريعا وننشرها أسرع (وللمفارقة!) على الانترنت نفسه.   ليس بالجديد قولنا أن الانترنت هو المكان الخصب لتجميع المعلومات، ولكن لابأس بالتذكير أيضاً ـ أن تجميع المعلومات هنا ليس أحادي الجانب بالمطلق ولا يقتصر فقط على المعلومات التي نريدها عن الآخرين أو عن أشياء أخرى بل أيضاً يشمل ذلك المعلومات التي يريدها الآخرون عنا. وهذا ما تفعله الشركات ذات الطبيعة الرأسمالية علناً وليس سراً، وكلنا يرى الدليل حين نبحث، على سبيل المثال لا الحصر ـ عن كتاب نرى بعد ذلك كيف تبدأ الاعلانات والدعايات تصلنا مطنبة عن الكتاب وعما يشابهه من كتب وعن اقتراحات قائلة من اشترى هذا الكتاب اشترى يضاً غيره من الكتب وهذه قائمة بها..! أو أن نبحث عن مواصفات هاتف ذكي فيأتينا عروض ولوائح أسعار من أماكن وبلدان مختلفة عما نبحث عنه...!  قد يقول قائل إن في ذلك خدمة مجانية... ولكن لابد من تذكير هذا القائل بأن لاشيء يأتيك مجانا من شركات رأسمالها كذا وكذا...! وكل ماتراه تراه على جانبي صفحتك في الفيس بوك أو الايميل المجانيان لا يتواجد هناك عبثاً أو مجاناً ـ وأيضاً ذلك على سبيل المثال لا الحصر ـ...بل وحتى الدعايات أو الاخبارات الواهمة أو الكاذبة التي تقول لك إن الاختيار وقع عليك وربحت كذا وكذا أو "أنا اسمي فلانة ومصادفة عثرت على بروفايلك ووجدت أنني في غاية الاهتمام بك" إلخ.. لم يوجدها أويرسلها عاطلون عن العمل وليس لهم ما يفعلونه إلا ذلك، بل، في الحقيقة، جميعها تتعلق بالمال والمعلومات.  قد يستهجن أحدنا ويقول إنني أدرك كل ذلك ويقتصر استخدامي للأنترنت فقط لما يعنيني وأبتغيه وأما الباقي فأهمله... لكننا ننسى في هذه الحالة أن حتى هذا الاستخدام المحدود لا يخرجنا من دائرة المعلومات التي تدوّن عنا، فالانترنت يحكي عنا ما لانقوله بأنفسنا، يحدد موقعنا الجغرافي، يبين أين سافرنا ومع من تقابلنا وربما نوع الهاتف الذكي الذي نحمله وفوق كل هذا يبين اهتماماتنا. بالطبع لن أفرط في الحديث عن تجميع المعلومات عنا وكأن كل فرد بيننا هو محور هام لشيء تريده وتتربص له شركات كبرى أو أجهزة استخبارات عالمية ولكن بنفس الوقت لن أبسط الامور لأقول أن الامر اعتيادي.. وسواء شئنا أم أبينا فكل مستخدم للأترنت بيننا هو داخل ضمن دائرة البحث عنه إن اقتضت الضرورة والأرشفة للبحث في حال استدعت الظروف؛ والفرق بين الانترنت والواقع كبير، ففي الواقع قد نصادف اليوم فلان في الطريق وننسى ذلك في اليوم التالي، أما في الانترنت فكل ما نفعله يصبح مدونا وباقياً وشاهداً علينا حتى ولو محيناه من حاسوبنا الشخصي...

كي لا نسترسل أكثر، نعود إلى ما بدأنا به وهو التعبير عن النفس والتشارك بهمومنا وآمالنا وآلامنا، اختلاجات أنفسنا مع الآخر بصفتنا كائنات اجتماعية وبحاجة لإخراج ما بذاتنا ـ وليس دائما للمختص، ونمعن القول بأن ما نفعله في الانترنت بهذا الخصوص هو أيضاً رسم أو تحديد معالم لشخصيتنا نضعها في العلن.  فعند إعجابي بأغنية أو بيت الشعر أو قول مأثور ولي رغبة بمشاركة أصدقائي بهم  يجب أن أولي عناية إلى أن الأمر لايتوقف عند حدود مشاركتنا للآخرين بأغنية أو بأشعار أو بأقول مأثورة أو صور أو رسم كاريكاتوري أو إعلان عن فعالية ثقافية أو علمية أو...أو...بل يمتد ليدل الآخرين على اهتماماتنا ونشاطاتنا ويغوص أكثر ليحدد طبيعة شخصيتنا رومانسية! حالمة! جادة! مأخوذة بالماضي أم تتطلع إلى المستقبل! دينية خالصة أم تتسم إضافة بالتزمت! مضغوطة نفسياً إلى حد الانفجار أم ..! ماذا ينقصنا وبماذا نتغنى! احتياجاتنا! أمنياتنا! إلخ.. إلخ...كل هذا (وغيره) يُستدل به على شخصيتنا من خلال استخدامنا للأنترنت...فإن كنا في الماضي نغني للبحر "كاتم الأسرار" فإن علينا أن نتذكر دائماً أن الانترنت هو "كاشف الاسرار".   لايفوتني قبل أن أختم أن أذكر أن ما يقدم مجاناَ للبشر لم تعد صفة البشر على وجه الأرض (بل "صفة أهل الجنة")، ولا يفوتني كذلك التذكير بأن للانترنت ليس فقط ايجابياته بل وأيضاً سلبياته، ولكن ذلك لا يعني دق ناقوس الخطر لأن رسم معالم شخصية المرء وتحديد سمتها وتمييز خطوط عرض حركتها وسبر أعماق نفسيتها لاتدعي إلى الخوف عندما لا يوجد لدينا ما نخفيه وليس دينا ما نخاف منه أو عليه.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط