مالك مسلماني / Apr 25, 2006

تقوم الجماعات الجهادية في العراق بتنفيذ عمليات إرهابية تؤدي إلى قتل مدنيين عراقيين، بمن فيهم أطفال ونساء. وقد أثارت هذه العمليات نوعاً من «النقد الخجول» من جانب رجال دين مسلمين، لأنها تقوّض دعاوي أخلاقيات الإسلام الرفيعة، وتكشف عن زيفها. ولكن قادة هذه الجماعات الذين لا يعنيهم قضية الرأي العام العالمي، سارعوا إلى مهاجمة رجال الدين الذين همسوا بتأتأة وفأفأة الحملان حول هذه العمليات، متهمين إياهم بأنهم مأجورون للأنظمة العربية، وأنهم يتعيشون من موائد السلاطين. ومن جهة أخرى، قدم المنظرون الجهاديون التبرير «الشرعي»، أو قلْ الحقوقي من منظور الإسلام، لعملياتهم الضد إنسانية. وهذا المبرر الحقوقي، هو رأي فقهي يُسمى في المنظومة الفقهية الإسلامية «التَّتَرُّس»؛ إذْ أعلن الزرقاوي (22/5/2005) بأن عمليات تنظيم القاعدة في العراق تستند إلى هذا المسوغ الفقهي الإسلامي، وأضاف بأن: «حفظ الدين مقدم على مبدأ حفظ النفس، وأن دفع الضرر العام مقدم على دفع الضرر الخاص».

 

ولم يكن إعلان الزرقاوي جديداً في أدب الحركات الجهادية المعاصرة؛ بل كان موقفاً متبنى من قِبل الجماعات الإسلامية، ومدافعاً عنه في أدبياتهم المختلفة، وأبرزها:

 

1 ـ الجماعة الإسلامية في الجزائر ارتكزت على هذه الفتوى في ذبحها للأطفال والنساء والمدنيين.

2 ـ شرعن تنظيم القاعدة استهداف كافة الفئات السكانية وفق مبدأ التَّتَرُّس في بيان «الجبهة الإسلامية لمحاربة الصليبيين واليهود».

وقد أعاد المنظورون الإيديولوجيون للتنظيمات الجهادية التأكيد على هذه القاعدة، وأبرز المنشورات:

أ ـ «حكم العمليات الاستشهادية»، أيمن الظواهر، منظر القاعدة.

ب ـ «نصوص الفقهاء حول أحكام الغارة والتَّتَرُّس»، أبو جندل الأزدي، وهو منظر القاعدة في السعودية (أيار 2003).

ج ـ  «الرد على شبهات حول الجهاد في العراق»، أبو أنس الشامي، دافع فيه عن مبدأ القيام بالعمليات التي تصيب المدنيين.

د ـ  منشور بعنوان: «حكم استهداف أئمة الكفر وهم مختلطون بالمسلمين»، صادر عن «الجماعة الإسلامية المقاتلة» الليبية.

 

فما هي هذه الحجة الفقهية المُسمّاة «التَّتَرُّس» التي تسمح للحركات الجهادية بالقيام بأعمال عسكرية نتيجتها الحتمية ذبح الآمنين من السكان، بدون أن يشعر الجهادي بالذنب، أو حتى بمثقال ذرة من الأسف؟

 

ما هو التَّتَرُّس:

إن الجذر اللغوي للمفردة، هو «ترس»، وحسب «تاج العروس في جواهر القاموس»:

التُّرْسُ: [نوع] من السِّلاح: المُتَوَقَّى بها، ج أَتْراسٌ وتِرَسَةٌ، وتِراسٌ.

التَّرَّاسُ: صاحبُه وصانِعُه. والتِّراسَةُ، صَنعَتُه، وإنَّما أَطْلَقَه لشُهْرَتِه.

والتَّتْرِيسُ والتَّتَرُّس: التَّسَتُّرُ به، أَيْ بالتُّرْسِ، يقال: تَتَرَّسَ بالتُّرْسِ، أَي تَوَقَّى.

 

وقد أخذ الفقه جذر «ترس»، وصاغ منه مصطلح التَّتَرُّس، ليعني به أن قوات العدو إذا تترست (احتمت) بأسرى المسلمين، أو بالمدنيين، وكان ثمة ضرر سيصيب المسلمين في حال عدم مهاجمة القوات المعادية، فمن الواجب مهاجمة الجيش المعادي ولو أدى ذلك إلى قتل الأسرى المسلمين أو المدنيين.

 

إذاً تتعاطى هذه القاعدة الفقهية مع حالة احتماء (تتَرُّس) العدو بالأسرى المسلمين، أو بالمدنيين. وتسمح هذه الحجة بتعريض غير المقاتلين للقتل، وقد اعتمد الفقهاء المسلمون في صياغتهم لمبدأ جواز قتل الترس (الدروع البشرية) على السيرة المحمدية، مستلهمين منها تسويغاً أخلاقياً، فاستدلوا على جواز قتل أطفال ونساء العدو، في سبيل إحراز النصر. وعلى ذلك يوردون وقائع من السيرة؛ ففي حصار الطائف أمر محمدٌ باستعمال المنجنيق، رغم إن ذلك عرّض حياة النساء والأطفال للخطر. ونقرأ في صحيحي البخاري ومسلم «باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد» الحديث التالي:

«سُئِلَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الذّرَارِيّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؟ يُبَيّتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيّهِمْ. فَقَالَ: ‹هُمْ مِنْهُمْ›».

 

لقد اعتبر مشرعو الإسلام أحداث السيرة أساساً لصياغة قاعدة التترس، وبالتالي خدر المسلم ضميره لدى استهدافه الآمنين من الأسرى، أو مدنيي عدوه. وتجذرت لاحقاً شرعة قتل المدنيين في المنظور الإسلامي الحقوقي على يد الفقهاء الذين اتفقوا على جواز إصابة المدنيين، وهذا ما يشير إليه ابن تيميّة في فتاويه عندما يقول: «فإن الأئمة متفقون» على قاعدة التترس. ولا يوجد تنازع فيما بينهم بشأن المبدأ نفسه، بل ينحصر الخلاف في التفاصيل، مثل:

 

ـ في حال تترس العدو بالمسلم، ولم يكن المسلمون عرضة للهزيمة، أو الغزو، بيد أن هزيمة العدو تتطلب تعريض حياة المسلم للقتل، فهل يجوز تعريض المسلمين الأسرى للموت؟ الإجابة: 1ًـ عدم الجواز؛ 2ًـ الجواز؛ 3ًـ الجواز مع «الكراهة».

ـ هل يجب التعويض عن قتلى المسلمين بدفع الدية، أو الكفارة، أو لا يجب.

ـ هل يُهاجَمُ العدو المُتترس بأطفاله ونسائه؛ فكانت الإجابة: 1ًـ جائز؛ 2ًـ جواز بتحفظ أو بتعبير إسلامي مع «الكراهة»؛ 3ًـ جائز بشرط الضرورة. وإذا أخذنا بالاعتبار أن قهر العدو عسكرياً في الحرب ضرورة لبلوغ النصر النهائي، فإنه وفق هذه الفئة «المعتدلة»، يصبح استهداف مدنيي العدو وأطفالهم ونسائهم أمراً مشروعاً في المنظومة الفقهية الإسلامية. وفي الشرعة الصحيحة، حسب السيرة، فإن الجواب: «هُمْ مِنْهُمْ».

 

من أجل رؤية طريقة تعاطي الفقه الإسلامي مع مسألة قتل النفس، ومن أجل تبيان مدى الاستهتار بالحياة الإنسانية، سنورد نصوصاً لأئمة الفقه الإسلامي، وقد اقتبسنا هذه النصوص من الأدب الجهادي، وبالتحديد من عمل قام به منظر للقاعدة، وهو كتاب «نصوص الفقهاء حول أحكام الغارة والتَّتَرُّس»، الذي نُشر في (ربيع الأول، 1424ﻫ/أيار 2003م).[1] ومحتوى الكتاب يهدف إلى تأكيد أصالة حجة التترس في الفقه الإسلامي، ولهذا يبدأ الكتاب بمهاجمة الفقهاء المعاصرين الذي يحاولون إيجاد قراءة «معتدلة» لهذه الحجة، متهماً إياهم بعلماء السلاطين. وهنا تكمن أهمية النصوص المجموعة فيه، ذلك إنها تؤكد على حقيقة وجود قيم العنف في روح التشريع الإسلامي، وتدحض محاولات «المعتدلين» لإخفاء جوهر الإسلام.

 

نصوص من «نصوص الفقهاء حول أحكام الغارة والتَّتَرُّس»

 

الشافعي في «الأم»:

«وللمسلمين أن يشنوا عليهم الغارة ليلاً ونهاراً فإنْ أصابوا من النساء والولدان أحداً لم يكن فيه عقل ولا قود ولا كفارة فإن قال قائل ما دلّ على هذا قيل أخبرنا سفيان عن الزهري عن... ... ... أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سُئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وأبنائهم فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هم منهم وربما قال سفيان في الحديث هم من آبائهم».

 

السرخسي في «المبسوط»:

«وكذلك إن تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم وإنْ كان الرامي يعلم أنه يصيب المسلم... ولكنا نقول القتال معهم فرض وإذا تركنا ذلك لما فعلوا أدّى إلى سد باب القتال معهم ولأنه يتضرر المسلمون بذلك فإنهم يمتنعون من الرمي لما أنهم تترسوا بأطفال المسلمين فيجترؤن بذلك على المسلمين».

 

الكاساني في «بدائع الصنائع»:

«ولا بأس برميهم بالنبال وإن علموا أن فيهم مسلمين من الأسارى والتجار لما فيه من الضرورة إذ حصون الكفرة قلما تخلو من مسلم أسير أو تاجر»

«وكذا إذا تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم لضرورة إقامة الفرض».

 

المرغيناني في «الهداية شرح البداية»:

«ولا بأس برميهم، وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر، لأن في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن بيضة الإسلام وقتل الأسير والتاجر ضرر خاص ولأنه قلما يخلو حصن من مسلم فلو امتنع باعتباره لانسد بابه وإنْ تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى لم يكفوا عن رميهم لما بينا ويقصدون بالرمي الكفار لأنه إن تعذر التمييز فعلاً فلقد أمكن قصداً والطاعة بحسب الطاقة وما أصابوه منهم لا دية عليهم ولا كفارة لأن الجهاد فرض والغرامات لا تقرن بالفروض».

 

القرطبي في «تفسيره»:

«قد يجوز قتل التُّرْس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء اللّه، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية. فمعنى كونها ضرورية، أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس. ومعنى أنها كلية، أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة. ومعنى كونها قطعية، أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعاً».

 

الجصاص في «أحكام القرآن»:

«قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري لا بأس برمي حصون المشركين، وإن كان فيها أسارى وأطفال من المسلمين ولا بأس بأن يحرقوا الحصون ويقصدوا به المشركين وكذلك إن تترس الكفار بأطفال المسلمين رُميَ المشركون وإن أصابوا أحداً من المسلمين في ذلك فلا دية ولا كفارة».

 

ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»:

«بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم إلاّ بقتل هؤلاء لقتلوا أيضا، فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على مسلمين إذا لم يقاتلوا: فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار. ولو لم نخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضاً في أحد قولي العلماء. ومن قُتل لأجل الجهاد الذي أمر اللّهُ به ورسوله ـ وهو في الباطن مظلوم ـ كان شهيداً، وبُعِث على نيته، ولم يكن قَتْلُه أعظم فساداً من قَتْلِ من يُقْتَل من المؤمنين المجاهدين. وإذا كان الجهاد واجباً وإن قُتِلَ من المسلمين ما شاء اللّه، فَقَتْلُ من يُقْتَل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا».

******************

 

يقدم منشور الجماعة الإسلامية المقاتلة: «حكم استهداف أئمة الكفر وهم مختلطون بالمسلمين» بعضاً من هذه الفقرات، وفي ختام المنشور يرد السؤال التالي:

 

سؤال: إذا أنشأ العدو معسكراته بين مساكن الناس واضطر المجاهدون إلى تفجيرها بحيث يؤدي قطعاً أو بغلبة الظن إلى إصابة وقتل بعض المقيمين حول تلك المعسكرات، فهل هي من صور التَّتَرُّس التي ذكرها الفقهاء، علماً أن تلك المعسكرات تكون غالباً بين الأحياء السكنية لتفادي ضربات المجاهدين؟

جواب: ... إنها صورة من صور التَّتَرُّس حتى لو لم يجبرهم على البقاء، وقد تكون المصلحة في ترك هذا حتى لا يؤدي الضرر بالمسلمين أو هناك طريقة حتى يخرج الأعداء من مكانهم، لكن يجوز أن يقصد بالقتل العدو فقط ويحتاط في عدم إصابة مسلم، والله أعلم.

 

خلاصة

أربكت هذه الحجة الفقهية أنظمة إسلامية، ورجال دين يلتفون حولها، فقاموا يتلعثمون قائلين إنّ ثمة شروطاً محددة لتطبيق هذه القاعدة الفقهية. وتقوم محاولاتهم على عملية تأويل مخادعة للنصوص القاطعة في الفقه الإسلامي، ومن هنا كان ضعفها «الشرعي»، وعدم تأثيرها في الوعي الإسلامي الشعبي؛ دعْ عنك إنها لم تكبح قط عمليات الجماعات الإرهابية.

إن المبدأ الوحيد الذي يمكن به تفكيك هذه القاعدة الفقهية هو أنسنة العقل العربي والإسلامي، وعوضاً عن نقد التأويل الجهادي، ووضع شروط من أجل التخفيف من وحشية هذه القاعدة الفقهية، من الواجب نقد مبدأ الجهاد من أساسه، ودحض تصور انقسام العالم إلى دار إسلام ودار كفر. إن أي رفض لقراءة جهادية، مهما كان الرفض بليغاً، إنْ لم يعالج الأساس الفكري في العقل الإسلامي، يبقى أولاً وأخيراً محاولة دبلوماسية للتقرب من العالم الغربي لا غير، وليس لها مفاعيل في الحياة الفكرية للمسلمين، لأن كل قراءة «معتدلة» تصطدم بسيرة مؤسسي الدولة الإسلامية الأوائل، وتتعارض بشكل جلي مع روح الإسلام، ونصوصه القاطعة المؤيدة للعنف.

إن التَّتَرُّس تعبير مهول عن الصيغة الإسلامية التي تقبل التضحية بالمدنيين في سبيل الانتقام من الآخر. ربما لا يوجد في تاريخ العقائد من نظرية تقبل التضحية بالذات خدمةً لمشروع انتحاري أيضاً. في التَّتَرُّس تتجلى حجم الكراهية في روح وعقل وقلب المسلم للآخر، بحيث يقبل تدمير الذات (أسراه، وأطفاله) في سبيل تدمير الآخر (العدو).

فلنتصور للحظات مصير العالم تمسكه مخالب نووية إسلامية!

 

[1] أبو جندل الأزدي، صاحب مجموعات تصانيف أساسية في الأدب الجهادي، وعناوينها ذات دلالة، منها:

«نصوص الفقهاء حول أحكام الغارة والتَّتَرُّس»، (10.600 كلمة)؛

«أُسامَةُ بن لادِنْ ـ مُجددُ الزمانِ وقَاهرُ الأمْرِيكَانِ»، (194.600 كلمة)؛

«الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث»، (23.500 كلمة)؛

«تحريض المجاهدين الأبطال على إحياء سنة الاغتيال» (29.200 كلمة).

==================