هشام محمد / Jun 15, 2005

ـ 1 ـ

كنت أيام الطفولة، وعندما أسافر في كل مساء إلى عوالم حكايات ألف ليلة وليلة المشوقة، أتمنى لو أن يدا تخرج من جوف القصة لتحملني إلى ما قبل أكثر من ألف ومائتي سنة.. إلى بغداد حيث الثراء الواسع، ومياه دجلة العذبة، والجواري الحسان، وطرقات المدينة التي تموج بألوان البشر والحكايات المسحورة. كنت أحلم حقاً بالعودة إلى عاصمة الدنيا آنذاك وإلى زمان خليفتها العباسي "هارون الرشيد" الذي كانت يداه تمتدان بعيداً لتحلب غيوم السماء وتصب خيراتها في خزائن إمبراطوريته المترامية الأطراف.
وبعدما كبرت قليلاً، صارت كتب التاريخ الإسلامي وزمن الفتوحات والبطولات تستهويني دون غيرها. كم حلمت وقتها لو أني منحت اختيار المكان والزمان لاخترت وبلا تردد فترة اكتمال عنفوان القمر الأموي الأبيض في بلاد الأندلس، وتحديداً أيام الخليفة العظيم الناصر لدين الله والذي حكم خمسين عاماً (300 –350 هـ) حيث بلغت الدولة
أوجهَ قوةٍ وعلمٍ وثراءٍ قلما تجد له نظيراً.
وفي مرحلة لاحقة، بدأت بالتهام قصص الأنبياء العجيبة منذ آدم إلى محمد، لكن لم يكن بينها ما يبز قصة الملك أو النبي سليمان التي دغدغت خيالاتي. تمنيت لو كنت مجرد نكرة من الدهماء الذين قيض لهم العيش في كنف سليمان. أليس من المثير حقاً أن تعيش في بلاد صارت فيها الجن والطيور والحشرات والرياح والماء والشجر
جزءاً من تركيبة القوى العاملة والعسكرية في المملكة اليهودية؟ فعلاً، أليس مثيراً أن ترى بعينيك سليمان الذي جمع المجد من طرفيه: الملك والنبوة وقد خرت الجن والعفاريت ـ التي طالما أثارت مخاوفنا ـ له ساجدين؟ أليس عجيباً أن يفك سليمان شفرة الطيور والنمل وباقي الحيوانات فينصت لهم حيناً ويتبسم، ويدخل في حوار عاصف مع الهدهد؟ أليس من المدهش أن تتحول ظواهر الطبيعة كالرياح والشمس والقمر والأنهار والأشجار إلى كائنات مسالمة لا تملك سوى السمع والطاعة لسيدها سليمان؟
يصف سفر الملوك الأول العصر الذهبي لمملكة سليمان بالعبارات التالية: "وكان يهوذا وإسرائيل كثيرين كالرمل، الذي على البحر في الكثرة. وكان سليمان متسلطاً على جميع الممالك من النهر إلى أرض فلسطين وإلى تخوم مصر. كانوا يقدمون الهدايا ويخدمون سليمان كل أيام حياته. وكان طعام سليمان لليوم الواحد ثلاثين كر سميذ وستين كر دقيق، وعشرة ثيران مسمنة وعشرين ثوراً من المراعي ومئة خروف، ما عدا الأيائل والضباء واليحامير والإوز المسمن(!)، لإنه كان متسلطاً على كل ما عبر النهر من تفسح إلى غزة، على كل ملوك عير النهر. وكان له صلح من جميع جوانبه حواليه. وسكن يهوذا وإسرائيل آمنين كل تحت كرمته وكل واحد تحت تينته من دان إلى بئر السبع كل أيام سليمان. وكان لسليمان أربعون ألف مذود لخيل مركباته اثنا عشر ألف فارس" لاحظ هنا ما للرقم أربعين من رمزية خاصة في التقاليد التوراتية، فالتيه في الصحراء دام أربعين
عاماً، وحكم كلا من داود وابنه سليمان دام أربعين عاماً. أما الرقم اثنا عشر فلا يقل سحراً من سابقه، وأقل ما يكمن قوله عنه أنه أرتبط بعدد الأسباط وبعدد العيون التي تفجرت من الصخر لبني إسرائيل. وفي مكان آخر من سفر الملوك الثاني يصف كاتبه حجم ثراء المملكة الأسطوري بقوله: ".. وقد بلغ من ثراء المملكة في عهده أن الفضة في أورشليم كانت مثل الحجارة، وخشب الأرز مثل خشب الجميز الذي في السهل لكثرته" كأني بمحرر التوراة، الذي كتبها في وقت لاحق وربما على حواف القرن الميلادي الأول، وبحسه الرعوي الطاغي قد صاغ القصة كما يشتهيها وكما تنسجم عناصرها مع طموحاته وتلهب خيالاته الذاتية. فالذهب، والفضة، والتسلط على الغير، والتزوج والتسري بالنساء هي أهم ملامح الحكاية السليمانية والتي هي في تصوري تعبير غير مباشر لفلسفة محرر التوراة ورغباته. قد تكون المملكة السليمانية في أحدى تجلياتها صورة لجنة الراعي اليهودي وهي بذلك تختلف بشدة عن ملامح الجنة السومرية التي ابتكرتها المخيلة الزراعية. إن جنة سومر كانت ـ على ما يعتقد ـ أرض دلمون (البحرين الحالية). هذه الجزيرة الناعمة والمحاصرة بالماء والهدوء تصفها أحد القصائد السومرية ".. لا تصرخ فيها الحدأة، ولا الأسد لا يفتك، والذئب لا يفترس، الحمل والكلب الذي يفترس الغلة لا يوجد فيها، الطير في الأعالي لا يرمي فراخه، والأرمد لا يقول إنني أرمد، ومن به صداع لا يشكو من الصداع، وامرأة دلمون العجوز لا تشكو من الشيخوخة، ورجل دلمون الشيخ لا يشكو من كبر السن.." (إنجيل سومر، خزعل الماجدي ص 42).

ـ 2 ـ

بعد مئات السنين، وفي سياق ردم الفجوات التاريخية ما قبل الإسلام، اعتمد المؤرخون المسلمون على المرويات التوراتية الشفهية والمكتوبة لإضاءة الحقب التاريخية الغائصة في أعماق الزمن والعتمة. ساهم غياب الاكتشافات التاريخية والتنقيبات الأركيولوجية في اعتماد الأسفار التوراتية كمصادر معتمدة لاستكمال المشاهد التاريخية السابقة لظهور الإسلام. وإذا صح الحديث المنسوب إلى النبي محمد القائل فيه: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" فإننا نستطيع أن نفسر ولو جزئياً لماذا كان المؤرخ المسلم يمتح من الإسرائيليات بلا تحفظ. إن قراءة كيف تعامل المؤرخون المسلمون مع التاريخ القديم تسفر عن ثلاثة ملاحظات عامة:
1 ـ طغيان الرؤية الدينية كرافعة تاريخية وإطار ثابت تتحرك وتتفاعل في داخله الأحداث. فما قبل محمد كان على الدوام صراعاً متأججاً ومتكرراً بين قوى الشر (= الكفر) وقوى الخير (= الإيمان).
2 ـ الاعتماد شبه المطلق على الأسفار التوراتية رغم ما يحتشد في داخلها من مبالغات لا تتجاوز حدود التاريخ فحسب بل لا تتفق حتى مع أبسط المبادئ العقلية. والغريب أننا نجد مؤرخاً مرموقاً مثل ابن الأثير يستسخف ما جاء حول أرقام جيش بلقيس ملكة سبأ لما يكتنفها من مبالغات غير مقبولة في الوقت الذي يتقبل وبلا حرج ما تفيض به قصة سليمان من "فنتازيا" تتصادم مع العقل.
3 ـ استخدام مقص الرقيب لحذف بعض المشاهد التي لا تتماهى مع الصورة الأخلاقية التي يجسدها الأنبياء، أو إعادة كتابتها بما ينسجم مع التصور الإسلامي المسبق، كما في قصة مضاجعة لوط ابنتيه بعد أن سقياه الخمر أو سجود سليمان للأوثان الكنعانية.

لنقرأ
ـ مثلاً ـ ما جاء في كتاب (الكامل في التاريخ) لابن الأثير لماذا طلب سليمان الهدهد، وكيف حمل الهدهد خبر ملكة سبأ المعروفة عند العرب باسم بلقيس.." وأما سبب مجيئها (= بلقيس) إلى سليمان وإسلامها (لاحظ أن المؤرخ الكبير كشأن البقية يصر على أسلمة الشخصيات قبل مجيء الإسلام بحوالي ألف وخمسمائة سنة) فإنه طلب الهدهد فلم يره، وإنما طلبه لأن الهدهد يرى الماء من تحت الأرض فيعلم هل في تلك الأرض ماء أم لا.. وقيل: بل نزلت الشمس إلى سليمان، فنظر ليرى من أين نزلت لأن الطير كانت تظله، فرأى موضع الهدهد فارغاً، فقال: "لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتينّي بسلطان مبين" (النمل:21).
أين كان الهدهد حينها؟ يذكر أبن الأثير "أن الهدهد قد مر بقصر بلقيس فرأى بستاناً لها خلف قصرها، فمال إلى الخضرة، فرأى هدهداً آخر فقال له:
أين أنت عن سليمان وما تصنع ها هنا؟ فقال له: ومن سليمان؟ فذكر له حاله وما سخر له من الطير وغيره، فعجب من ذلك. فقال له هدهد سليمان: وأعجب من ذلك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة (حتى الهدهد لا يرى للمرأة حق الولاية العامة!)، وجعلوا الشكر لله أن سجدوا للشمس من دونه.." لا أفهم كيف لا أعرف كيف فات أبن الأثير وباقي المؤرخين أن الهدهد لكي يقطع المسافة من فلسطين إلى اليمن قد ينفق! من المؤكد أن محاولة خلق مبرر لتمكين سليمان من لقاء بلقيس ومن ثم (إسلامها)، وهي إشارة رمزية لتحول السلطة من الأنثى للذكر، من خلال حشر طائر الهدهد تفتقد إلى الحد الأدنى من المنطق.
بعد حين، جاء الهدهد حاملاً خبر ملكة سبأ العظيمة بلقيس. لاحظ مرة أخرى أن الهدهد سيضطر إلى قطع نفس المسافة الطويلة دون أن يهلك أو يمرض. ومرة أخرى، وبعد أن يقبل سليمان عذر غياب الهدهد، سيناوله
كتاباً شديد اللهجة مخيراً فيه بلقيس وقومها إما بالدخول في الإسلام أو الحرب (هكذا!). وكالعادة سيقوم المسكين الهدهد بالطيران مجدداً إلى اليمن ومن ثم العودة إلى أورشليم، وكل هذا في بحر ساعات أو أيام. استغرب كيف فات مؤرخينا أن سليمان الذي دانت له ممالك الأرض كان من المفترض أن يعلم بوجود مملكة سبأ المشهورة وبعبادتهم الشمسية! واستغرب أيضاً أن يكلف سليمان الهدهد بحمل الرسالة ولديه من الجن والشياطين الذين يستطيعون القيام بهذه المهمة بسرعة البرق!
وبما أن سليمان قد حمل مشعل النبوة قبل أن يرتدي تاج الملك فيجب أن يبقى بمنأى عن الأخطاء والذنوب التي لا تليق أن تلحق بنبي حتى لو اقتضى الأمر تغيير مسار الحكاية التوراتية (أقول حكاية وليس تاريخ) لتتفق مع الرؤية الإسلامية التنزيهية. ومن أمثلة ذلك ما ذكره
ابن الأثير بشأن زوجته جراده (حسب بعض التقديرات كان له 300 زوجة و700 سرية) وعبادة الصنم في داره. تتلخص تلك القصة في أن سليمان سمع بوجود ملك عظيم في إحدى جزر البحر فقرر محاربته. حملت الرياح (!) سليمان وجنده إلى الجزيرة فقتل ملكها وغنم بنت الملك التي لم يرَ الناس مثلها حسناً وجمالاً فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على قلة رغبة فيه. لم يكن زواجها بأعظم ملوك الأرض ليخفف جزع الفتاة على أبيها المغدور. عندما سألها سليمان عن سر دموعها التي لا تجف، قالت إنها تبكي كلما تذكرت أباها، ثم اقترحت عليه كي يذهب حزنها أن يكلف سليمان أحد شياطينه فيصور لها صورة أبيها لتراه بكرة وعشية. وبحسن نية كلف سليمان أحد الشياطين فصنع لها تمثالاً لا يختلف عن صورة أبيها. فكان عندما يغادر سليمان القصر، تذهب الفتاة بصحبة جواريها ليسجدن للصنم كل يوم ولمدة (أربعين) يوماً دون علم سليمان. نمى العلم إلى سليمان بواسطة صديقه الحميم آصف بن برخيا الذي سبق أن جاء له بعرش الملكة بلقيس قبل أن يرتد طرف سليمان. امتلأ صدر سليمان بغضب شديد، فانطلق إلى القصر، وكسر الصنم، وعاقب زوجته وجواريها. وحتى يغتسل من أثر الذنب، أمر بثياب الطهارة، فلبسها وخرج إلى الصحراء وفرش الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللا لله تعالى وتضرعاً، وبكى واستغفر ربه كثيراً إلى أن تلقى المغفرة، ثم عاد إلى قصره منشرح الصدر وهادئ البال. هذه الحكاية المثيرة تتشابه بعض عناصرها مع قصة النبي محمد يوم خيبر. فهو قام بقتل بعض اليهود وإجلاء من بقي، ثم اصطفى الجميلة صفية بنت حي بن أخطب بعدما شهدت موت زوجها وأبيها وأخيها. ويقال أنها أسلمت على كره. وإذا كانت جرادة قد خانت سليمان بعبادة الصنم فإن إحدى نساء خيبر أهدت النبي شاة مسمومة، والتي يرجح أن تكون هي سبب وفاة النبي.
هذه القصة لم تكن إلا "تحريفا" لأصل القصة التوراتية والتي تذهب إلى أن سليمان في أواخر حياته قد مال قلبه بسبب النساء إلى آلهة أخرى غير "يهوه" الإله القومي لليهود، فعبد عشتروت إلهة الصيدونيين وملكوم إله العمونيين. غضب يهوه على عبده سليمان فتراءى له في المنام مرتين، لكن سليمان لم يكف عن عبادة الأقوام الأجنبية. هنا قرر الرب أن يسلط اللعنة على مملكة سليمان فيمزقها بعد مماته إلى مملكتين متناحرتين.

ـ 3 ـ

بالرغم من التباينات أحياناً التي يمليها ضمير المؤرخ المسلم المدفوع بنزعته التقديسية والنافية عن الأنبياء أي شائبة تعتور مكانتهم وشرف الرسالة السماوية المؤداة، إلا أن المؤلفات التاريخية الإسلامية تبنت معظم ما جاء في التوراة وربما ساهمت بحكم التراكم الزمني في إضفاء عناصر جديدة. لكن.. يبقى السؤال قائماً: أين مملكة سليمان من وقائع التاريخ وأحداثه؟ كيف ضاعت هذه المملكة الهائلة في ضباب القرون القديمة؟ ولماذا تحتفظ سجلات التاريخ المنقوشة على الحجر أو المخطوطة على ألواح الطين المطمورة تحت الثرى بتفاصيل هامشية كالمراسلات الملكية دون أن تشير من قريب أو بعيد لمملكة غير عادية ضمت العفاريت والطيور والحيوانات؟ حتى لو قمنا بعملية جراحية لاستئصال الطبقات الأسطورية التي تتراكم فوق جسد تلك المملكة اليهودية فإننا سنعود صفر اليدين!
ظل هذا السؤال يترجرج في رأسي ردحاً من الزمن إلى أن عثرت مؤخراً على كتاب "آرام دمشق وإسرائيل" للباحث السوري الحصيف فراس السواح (منشورات دار علاء الدين: 2002) المعني بالميثولوجيا وتاريخ الأديان. يوظف هذا الكتاب نتائج البحوث الأركيولوجية الجديدة لحل اللوغريتمات التوراتية وإلصاق الشظايا اليهودية المتناثرة في فضاء التاريخ معاً للبحث ليس فقط عن مملكة سليمان السحرية بل لتقصي أصل البدايات مع إبراهيم الجد المشترك لكل الأديان إلى اكتمال مشروع الأسفار التوراتية على تخوم القرن الأول للميلاد. يعتمد الدكتور السواح على أدوات النقد النصي للكشف عن ما يشتعل في أحشاء التوراة من تناقضات نصية يسهل على من لا يقف على أرضية تاريخية صلبة وضع أصابعه على تباينات النص والتي تؤكد على مساهمات بشرية على مر الزمن في كتابة التوراة. كما يوظف السواح المدخل الأركيولوجي لتقشير الخرافات الملتفة على التاريخ القديم مستعيناً بالاكتشافات الأثرية التي برهنت على قيام الكهنة اليهود بتأميم أساطير الهلال الخصيب لخدمة أغراضهم السياسية والدينية. سأورد في الجزء المتبقي من المقالة بعض من الانتقادات الواردة في الكتاب المذكور أعلاه والتي تكفي لنسف مشروع المملكة اليوتوبية اليهودية من جذوره.

1 ـ لسوء حظ المؤرخ التوراتي الذي كتب السفر متأخرا قروناً طويلة أنه قد اختار القرن العاشر قبل الميلاد إطاراً زمنياً لسليمان دون أن يعي أن هذا القرن قد شهد تدفق للمد الامبريالي الأشوري العسكري باتجاه الشام لدرجة أن الممالك الآرامية القوية لم تستطع الصمود أمام العاصفة الأشورية العاتية. إضافة إلى ذلك، أن السجلات الأشورية التاريخية أعطت معلومات تفصيلية لكل الممالك والدول المجاورة دون أن تشير ولو بالتلميح لوجود مملكة سليمان الغرائبية. لا يقف الأمر هنا عند الأشوريين، بل أن الوثائق المصرية ذات الصلة بالقرن العاشر قبل الميلاد لا تورد هي الأخرى أي معلومات تذكر. هل يا ترى أن المؤرخين قد تواطأوا على إسدال ستار الصمت على هذه المملكة السليمانية؟
2 ـ لم تستطع التنقيبات الأثرية في أورشليم التي قامت بها المنقبة البريطانية كاثلين كينون في القرن الفائت أن تجد ولو لبنة واحدة من العصر السليماني المفترض. إن أقدم سور كان يطوق المدينة يعود إلى حوالي عام 1800 قبل الميلاد أما أحدث سور فيعود تاريخه إلى حوالي عام 587 قبل الميلاد، أما ما بينهما فلا أثر له تماماً. وبالطبع فإن هذه النتيجة العلمية تتنافى مع ما شهدته أورشليم زمن سليمان من ثورة عمرانية ساهمت العفاريت بسهم وافر في بنائها!
3 ـ تذكر التوراة أن سليمان قد تزوج بابنة فرعون مصر، ثم اسكنها في قصر لا مكان له إلا في حكايات ألف ليلة وليلة. لم يذكر المؤلف التوراتي اسم ملك مصر (منعاً للإحراج على ما أظن!) لكنه كان يجهل التقاليد الفرعونية العريقة التي لا تقبل بتاتاً بتزويج الأميرات المصرية للأغراب حتى لو كان العريس ملك الملوك. وفي هذا الصدد، يذكر الدكتور فراس السواح أن القصر الفرعوني قد اعتذر لأحد ملوك السلالة الكاشية في بابل الذي طلب المصاهرة رغم أن العلاقات بين الجانبين كانت أكثر من سمن على عسل. ولما زاد إصرار الملك الكاشي لم يجد البلاط المصري من بد إلا إرسال فتاة جميلة من أصل غير ملكي على أنها ابنة فرعون.
4 ـ مرة أخرى يقع المؤلف التوراتي الجاهل بالأحداث التاريخية في خطأ لا يغتفر، فيصف كيف سمعت ملكة سبأ (لا تذكر أسمها، وأغلب الظن أنها بلقيس) بحكمة سليمان فتحملت مشقة السفر من اليمن إلى أورشليم لسماع حكمة سليمان. الغريب أن المملكة السبأية تأخر ميلادها إلى القرن الرابع قبل الميلاد، أي أن بينهما ما بين خمسة إلى ستة قرون!
5 ـ يكثر السفر التوراتي في امتداح سليمان ورجاحة عقله وحكمته لدرجة أن ملوك الأرض (تخيل!) كانت تأتي من كل حدب وصوب ليفوزوا بشرف سماع ولو حكمة واحدة من سليمان. غير أن المؤرخ التوراتي فشل في أن يأتي بأكثر من مثال واحد على حكمة سليمان، وصفه الدكتور فراس السواح بالساذج. تتلخص الحكاية التي يسوقها السفر كدليل على حكمة سليمان في أن امرأتين احتكمتا إلى سليمان بشأن طفل بينهما، إذ أن كل منهما تدعي أنه طفلها. عندما عجز سليمان في معرفة أيهما على حق، طلب منشار أو سيف ليقسم الصبي إلى نصفين مناصفة بين المرأتين. هنا صرخت إحداهما وقالت: هذا ليس ابني، إنه ابنها. عرف سليمان بفطنته أن المرأة التي جزعت هي أم الصبي حقاً لإنها خافت عليه الموت، فحكم لها بأخذه وعاقب الأخرى الكاذبة!

ـ 4 ـ

على الرغم من دور الإسهامات العلمية في دحض الأوهام وفي إذابة طبقات الخرافة التي احتلت الخلفية الثقافية والدينية والاجتماعية ما قبل الإسلام إلا أن العقل العربي بقي محصناً ضد التغيير وعاجزاً عن استقبال نتائج الكشوفات العلمية وكأنه يعيش فوق كوكب آخر. هذا العجز لا يعزى إلى ضعف قدراته ومداركه العقلية ولكنه الخوف مِمّا سيجره الصدام بين الدين بنزعاته الغيبية والتسليمية والعلم بتوجهاته التجريبية والعقلانية. إن خلق حواء من ضلع آدم، وصراع قابيل وهابيل، وناقة النبي صالح، وبناء إبراهيم وإسماعيل الكعبة، وفلق موسى البحر بعصاه، وابتلاع الحوت النبي يونس (يونان)، وجيوش داود، وعفاريت ونمل وهدهد سليمان، وولادة عيسى وكلامه في المهد، وغيرها من القصص والحكايات لا تعتبر من قبيل الخرافات والأساطير والرموز بل إنها أحداث ووقائع حقيقة جرت بمساندة إلهية لا سبيل لإنكارها والتشكيك فيها من منظور ديني بحت. أليس اكتمال إسلام المرء مرهون "بالتسليم والإيمان" بالأنبياء وما نزل عليهم من كتب وما جرى على أيديهم من معجزات؟ هل جرب أحدكم يوماً أن يسخر أو يغمز ولو من بعيد بهؤلاء الأنبياء المزعومين؟ إن من يفعل ذلك لن يعرض نفسه لتهم جاهزة كالزندقة والماسونية والكيد للإسلام والحقد عليه وعلى أهله فحسب، بل إنه كمن يضع حبل المشنقة حول رقبته. أليست محنة العقل الحقيقية أن يطلب منك في مجتمعات تحركها غرائزها الدينية البربرية أن تقمع المعرفة في داخلك وتسجد للخرافة؟