محمود كرم / Feb 16, 2010

ليسَ هناك أكثر مأساةً من أن تصبح التفاهةَ في غالبية الأحيان عنواناً للسلوك الأمثل والصورة الناصعة في بعض المجتمعات، وعنواناً للحق والصوت المنافح عن التاريخ والمجد والفضيلة والأخلاق والنظافة والشرف والنقاء، هذه التفاهة الفاضحة لما فيها من غباء وضعف وهشاشة وفراغ وتخلف، إلا إنها تتلبسُ استعراضات القطيع المهولة في التحشيد والصراخ والقدرة والهتاف والشعار والقداسة والقوة، لكي تبقى ناطقة باسم الحقيقة والأمجاد والانتصارات والزهو والكبرياء والنشوة..

 

التافهون ينتصرون دائماً، هكذا يجدون الأمر، ينتصرون بالتفاهةِ  للتفاهةِ، لأنهم ينتصرون دائماً في معركةٍ فارغة، في معركةٍ ليست قائمة، إنهم يقيمونها في الفراغ الأصم من أجل أن يتأكدوا أنهم قد انتصروا، إنهم حتماً ينتصرون، لأنهم يأتون من فراغ الماضويات الهالكة ومن فراغ الاحترابات والتشاحنات ومن النصوص الهادمة للحب والجمال والإبداع، ومن الكتب والمنقولات الهادرة بالغضب والويل والثبور، ومن صراخ المحاريب الضاجّة بالسخط والكراهية والشتائم، إنهم ينتصرون في معركةٍ خاوية، يستفرغون فيها كل ما لديهم من بلادة وغباء وعبث وكراهية وصراخ وعنف وخراب وعُقد وتشوهات، لأن مَن ينتصر هو ذلك الذي  ينتصر للإنسان والعقل والجمال والحب والفكر والعلم والحرية والفن، إنهم لا ينتصرون إلا للتفاهةِ والقتل والكراهية والقبح والدمامة والفراغ والعبث، ينتصرون لكل ذلك من أجل أن يبقوا في نشوة الانتصار مزهوينَ بضجيج التفاهةِ  في معركة الوهم، إنهم لا ينتصرون إلا في معركة التكرار والوهم والإعادة والاستعراض والتلقين والتفسير والقدامة، إنهم لا ينتصرون إلا على فراغ الفراغ، ينتصرون للنص تقديساً للنص، للماضي تثبيتاً على الماضي، للتكرار تأكيداً على التكرار، للتلقين سبيلاً إلى التلقين، للاستعراض طريقاً إلى الاستعراض، للتفاهةِ تعميقاً للتفاهات.. 

 

التافهون يأتون من تخشبات الماضي ومن احتراباته وتخندقاته وتوجساته واحترازاته وتحيزاته وتعقيداته وحمولاته ومنقولاته العدائية، ويبقون أبداً في هذا الماضي، لا يغادرونه إلى أبعد منه بخطوة، الزمن لديهم يقف متخثراً بتقيحاته عند أعتاب القرن السابع، والماضي في أبجدياتهم يشرَّعن بقداساته المتحفية للقمع والاستلاب والمصادرة، الماضي لديهم يقف في الحاضر بكل حمولاته النصيّة الانفعالية والعاطفية والتحيّزية صارخاً في الناس ولاعناً وشاتماً وموبخاً، إنه الماضي الذي يتواجد في الحاضر بعقلية اليقين اللازمني، مرتدياً أثواب الأبدية والنزاهةِ والأخلاق والنرجسية والكبرياء والمجد، ومدفوعاً دائماً بتوجساته التوترية الارتجاجية من المختلف والجديد والمتغير..

 

إنه الماضي الذي يبقى مترعاً دائماً بانفعالاته وشحناته العدائية والاستعدائية والتحريضية ضد الآخر، لكي يبرر من خلال ذلك وجوده الهش والمترجرج في الحاضر، وجوده الذي لا يستقيم إلا بمحاربة المعرفيات الخلاقة وتقويض الانفتاح والحرية والجمال، إنه يبرر وجوده الوهمي بكل ذلك في مقابل وجود الآخر الواقعي المختلف، إنه الوجود المرتعد دائماً من استحقاقات الحاضر ومن جمالياته الإبداعية والفكرية والمعرفية ومن انطلاقاته وتفتحاته وانجازاته ومساهماته في خلق الحياة الناطقة الملهمة والمبهرة والمتطورة والمتغيرة والمتجددة..

 

فالتافهون والفارغون يأتون من فراغ الماضي الذي ما زالوا خائفينَ من تجاوزه ومن القفز عليه، إنهم يبقون مدافعينَ عنه، ليس لأنه يستحق الدفاع عنه، بل لأنه أصبح أقوى منهم، وأقوى من وجودهم وحاضرهم واختيارهم وحريتهم، ولذلك فهو الماضي الذي لا يزال يلزمهم بكل فروضاته وأدبياته وتوجيهاته ويقينياته وحمولاته الثقافية، ويلزمهم بكل تعقيداته وتشوهاته وافرازاته، إنهم يبقون يعايشون هذا الماضي من دون أن يملكوا في ذلك موهبة نقدهِ أو رفضهِ أو تجاوزه، يعايشونه وهم مسلوبو الإرادة والحرية والاختيار والذكاء والرفض والتحديق..

 

إنهم يريدون لهذا الماضي أن يتسيّد ويحكم ويهيمن، لأن الخارجينَ على ماضيهم، خارجون على سيطرتهم وتعاليمهم ونصوصهم وفروضاتهم وعباءاتهم، وذلك يصيبهم بالألم البالغ الموجع، الألم الذي يصيب هيمنتهم واستحواذهم وشرعيتهم بجرح مميت، وهوَ الألم الذي يلحق الشروخ والتصدع والصراخ بالثقة في ماضيهم، تلك الثقة التي في عيون تابعيهم، التي منحتهم وتمنحهم دائماً سلطة الهيمنة والتوجيه والسيطرة عليهم وعلى الحاضر، وليسَ هناك أكثر إيلاماً من أن يفقد الماضويون شيئاً من صلاحية شرعيتهم في الهيمنة والاستحواذ والتوجيه، لأن ما ينتقص من شرعيتهم، ينتقص بالضرورة من وجودهم ومن ماضيهم ومن سلطتهم ومن الثقة بهم..

 

التافهون ينتصرون للقبح والدمامة، إنهم يجدون في ذلك انتصاراً على الجمال، لأنهم لا يستطيعون أن يروا غير صورتهم وأفكارهم وتعاليمهم في القبح الذي يناصرونه ويدافعون عنه، ويدعون إليه، إنهم واهمون حين يعتقدون أنهم ينتصرون على الجمال بالقبح، فالجمال أكبر مَن أن يكون نداً للقبح والدمامة، لأن الجمال ميراث الإنسان في الانجاز والإبداع والروعة والتألق، إنه لا يقوم على نقيض القبح، ولا يتأسس لأن في مواجهته قبح وقباحة، إنه يتأسس في مناخات الجمال نفسه وفي تخلقات ابداعاته وحرياته ومستوياته وتفتحاته وانجازاته وانطلاقاته، فحينما ترى الجمال لا تستطيع أن تفكر في القبح، لأنه لم يأتِ على أنقاض القبح، إنه يأتي دائماً متفرداً بلغتهِ ووجوده وتمثلاته الفلسفية والثقافية، إنه يبني وجوده وفضاءه ومناخه وفقاً لما فيه من جمال وفكر وألق ودهشة، إنه يأتي مساوياً بالضرورة لنتيجته وانجازه وابداعه وتطوره..

 

التافهون لا يجيدون سوى صناعة الكراهية، إنهم يتفننون في صناعتها، لأنهم ينهلون من ميراثٍ يتدافع ازدحاماً بكل أنواع الشتائم والكراهيات واللعنات والبذاءات، هذا الميراث الذي أصبح مهولاً في استعراضاته الكلامية، معتلياً دائماً استفراغاته المنبرية، ولا يستطيع إلا أن يكون مستفرغاً كراهياته وشتائمه وبذاءاته ولعناته، لأنه يجب أن يكون في عيون ونفسيات وأخلاق تابعيه قوياً وصارخاً ومعنفاً وممتلئاً بالصراخ والحقيقة المطلقة، إنه ميراث الكراهية وهو الذي يجب أن ينتصر دائماً، أن ينتصر بتابعيه على تابعيه بالضرورة الحتمية، يسلبهم حقهم في نقده أو رفضه أو التفكير فيه، ويجعلهم في احتياج دائم له، لأنه أصبح أكبر وأقوى منهم، ولأنهم يجدون أنفسهم من غيره بلا معنى وبلا وجود وبلا حقيقة، إنه الميراث الذي يجلدهم بتواجدهِ أبداً في أدبياتهم وأخلاقهم وأسلوبهم وطريقتهم، لأنهم أصبحوا في احتياج دائم إلى التمسك به والدفاع عنه والرجوع إليه والتقوقع فيه والاستبسال في سبيله، فالتافهون لا يعرفون الحب، لأنهم لم يجربوه، ولأنهم أصلاً ليسوا بحاجةٍ إليه، فما حاجة الكراهية إلى الحب، فهل تتراجع الكراهية في مقابل الحب؟ إنها لا تستطيع ذلك، لأنها تستحضر كل تاريخها وكل حمولاتها الاحترابية والثقافية في التأكيد على الكراهية، ولأنها تتواجد وتتوالد في مناخات العدائية والاستعداء والعدوانية، ولأن الكراهية تولد من الضعف، من ضعف الإنسان الذي يستكين خاضعاً للبشاعة والكراهية والقباحة في منقولاته وحمولاته التاريخية والتراثية والثقافية..

 

محمود كرم، كاتب كويتي

tloo1996@hotmail.com