محمود كرم / Aug 01, 2005

أحد أكثر العناوين خداعاً وسذاجةً في أدبيات الفكر الديني هو تحذير وتخويف العامة من المسلمين من ظاهرة (الغزو الثقافي) الذي تسعى إليه العولمة في عصرنا الحالي والتي تهدف من خلاله تخريب الموروثات الثقافية الدينية وتدنيس المعتقدات الفكرية وتمييع الشباب المسلم بأفكار غريبة (شاذة) وهي اللافتات الكبيرة التي لا ينفك يرفعها أصحاب الفكر الديني..

وفي الوقت الذي تتجه فيه البشرية نحو صناعة الحياة الإنسانية التي تتجاوز أطر المفاهيم الفكرية الضيقة وتتجاوز الانتماءات المذهبية السياسية والدينية المحدودة عبر تواصل الثقافات الحضارية فيما بينها وامتزاجها وتداخلها الفكري ضمن سياقاتها الثقافية الخلاقة نجد أن أصحاب الفكر الديني يتخذون موقفا ً عدائيا ً وانهزاميا ً من الأطراف التي تتشارك في صناعة الأفكار الكونية التي تتفاعل بروح ديناميكية مع ضرورات الواقع وروح العصر..

وفي الوقت الذي نجد فيه جماعات الفكر الديني يقبلون على الاستفادة القصوى من نتاجات العولمة العصرية في مجالات التكنولوجيا وتقنية وسائط الاتصال وغيرها ولكنهم في الوقت ذاته يشنون حربا ً عنفية ضد العولمة الفكرية دون أن يفكروا في التنافس الفكري معها وكما يقول الكاتب السياسي (أمير طاهري):

(إن الرفض اللفظي المجرد للعولمة وفي الوقت ذاته قبول جميع ضروراتها وقواعدها في الممارسة ليس سوى دليل على الكسل الفكري فمحاولة تحديها بأفعال العنف من دون التنافس معها في ميزان الأفكار يصل إلى مستوى الشكلية المتدهورة التي رأينا مثالا ً لها في الهجمات التي شنتها جماعة القاعدة ضد الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر)..

ولو رجعنا إلى زمن الحضارة الإسلامية (الكلاسيكية) نجد أن المسلمين قد أخذوا كثيراً من علوم وأفكار الحضارات التي كانت تساهم في بناء المشهد الثقافي العام وتفاعلوا معها دون أن يرفع المسلمون في تلك الأيام لافتات (الغزو الثقافي) ولكن بعد أن انتكست الحضارة الإسلامية ودخل المسلمون ظلمات التعصب الديني والانغلاق الفكري وكراهية الآخر وبالتالي لم تستطع ثقافتهم المصابة بداء الانغلاق أن تساير التطور المذهل في شتى مجالات الحياة الإنسانية وتقوقعت داخل اتجاهين لا ثالث لهما (اللغة والفقه) فتحولت إلى ثقافة متخشبة عرجاء لا تملك أسباب التطور والنقد الذاتي وآليات التجديد الفكري وامكانيات التفاعل الثقافي مع الآخر فكان أن رفع أصحاب الفكر الديني لافتة الغزو الثقافي ورددتها من خلفهم الجموع الساذجة التي لم تسأل نفسها سؤالاًً واحداً عن خطورة الانغلاق الفكري والاكتفاء بالعلوم اللغوية والفقهية فقط والدوران في حلقة مفرغة من الأفكار التي لم تستطع تجديد نفسها أو حتى مجرد التفاعل مع ثقافات الغير وكان أن حكمت المسلمين ولعقودٍ طويلة وإلى الآن عقدة (الأفضلية) على كل الأقوام والجماعات والأديان الأخرى وتصدرت هذه العقدة مجمل التفكير الديني عند أغلبية العاملين في الحقل الإسلامي..

ولا يزال التعاطي مع مفاهيم الفكر (الجهادي) في المناهج التعليمية الحالية يتم وفق المنظومة (الزمكانية) المولدة لها والتغاضي كلياً عن مناقشة جدوى ملاءمتها للعصر الذي نحيا فيه..

ولم يستطع (الفقه) الذي يعتبر الثقل المحوري في الاتجاه الديني أن يستوعب المتغيرات الهائلة في حركة الحياة الراهنة وعجزَ عن الانسجام مع تطورات الفكر البشري فكان أن توقفَ عند نقطة الاجترار الفقهي لكل المسوغات الفقهية التراثية الموغلة في القدم والبدائية..

وفي دائرة وهم (الغزو الفكري) الخانقة استطاع المفكر (علي حرب) في كتابهِ الثري (حديث النهايات) أن يتناول أبعاداً مهمة تشكل حجر الزاوية في فهم المتغيرات من حولنا..

وصاغ من خلال طرحه رؤية ثاقبة ومغايرة للأحداث والحقائق والمشغولات الفكرية وركزَ في جزءٍ مهم من كتابه على أن الفكر الحي هو القادر على خلق الحدث وانتاجه وصياغته فيقول:

(أن الفكر الحي هو صلته المنتجة بالحقيقة، بقدر ما هو قدرته الفعالة على قراءة الحدث وصوغه.. إنه اعتراف بقوة الحقائق من أجل المساهمة في صناعة الأحداث.. ولذا فالذي يفكر بصورة منتجة وخلاقة إنما يعيش في قلب المشهد ويكون على مستوى الحدث، بحيث يهتم بمعرفة ما يجري بقدر ما يراهن على ما يمكن أن يحدث.. ورهاني أن أخرج من الدائرة الخانقة والتصنيفات العقيمة التي تسجن العقل داخلها بحيث أعمل بفكري على خرق السقف واختراق الحواجز بجعل وطني أوسع من مساحته الجغرافية أو لممارسة هويتي الثقافية بصورة علنية)..

ويتعمد أصحاب الفكر الديني عدم الإشارة إلى ضرورة الانفتاح على الأفكار والثقافات الأخرى التي تتداخل بشكلٍ حيِّ وخلاق في مجالات الانتاج الفكري والإبداع الثقافي خشية أن تنكشف أفكارهم وثقافتهم على حقيقتها المقيدة بالماضوية والجامدة وغير القادرة على التطور والابتكار والانتاج وفي فصل مهم من كتابه انتقدَ (علي حرب) ما تطرحه توجهات الفكر الديني بخصوص الحديث الساذج عن أن الغزو الفكري هو ما تهدف إليه العولمة فيقول:

(والأهم أن قراءة العولمة بلغة الهوية ومنطق الغزو، لا تخلو من الخداع والسذاجة..

ذلك أن الذين يحدثوننا عن الغزو الثقافي، يتغافلون عن كون الثقافة الحية والمتجددة المزدهرة والفعالة إنما هي قدرتها على الانتشار والتوسع والاختراق، على سبيل الخلق والإنتاج أو الإبداع والابتكار.. هذا شأن الثقافات الخلاقة والمنتجة على ما نعرف.. إنها فتوحات وكشوفات، تتجلى في ابتكارات ومنجزات تقنية وفنية، أو علمية ومعرفية أو قانونية ومؤسسية، أو اجتماعية وسياسية)..

أن الثقافة تعني فيما تعنيه (الذاكرة) المشبعة بتحولات الأزمنة فعليها أن تبقى ذاكرة لها القدرة على التفاعل مع حضارة اليوم التي ترتكز على استنطاق المكان والحاضر في ارتقائها وتكاملها أما إن بقيت الثقافة منعزلة بذاكرتها عن التجاذبات في المنظومة (الزمكانية) المعاصرة فهي ثقافة ميتة كما هي عند تيارات التزمت الديني وبذلك تغدو عملية اجترار مقولات الغزو الفكري من قبلهم مجرد استهلاك محلي تكشف مدى العقم الثقافي في منظومتهم الفكرية..

والثقافة الخلاقة تعني القدرة التواصلية على إنتاج الرمزيات والنصوص الحية في مماحكة دائمة مع عالم الثقافات المتغير والغزير أما أن بقيت الثقافة عاجزة عن الإنتاج خوفاً من التشظي المعرفي بسبب هشاشتها الداخلية فهي ثقافة عليها أن تبقى حبيسة الماضي ورهينة الفكر المحدود الضيق كما هي عند أصحاب الفكر الديني فلذلك كان الضرب الدائم على وتر الغزو الفكري إحدى مهمات الفكر الديني..

والثقافة في أحد أهم اتجاهاتها المعرفية تؤمن بتعددية التنوع اللوني وليست مصبوغة بالأبيض والأسود فقط فهي على هذا الأساس ثقافة تتشكل وتزدهر بالتنوع الفكري وقادرة على التفرد الخصب حتى على المستويات الفردية وقادرة على الإبداع والخلق لأنها ثقافة غير محكومة للون ٍ واحد أو اتجاه واحد وغير خاضعة لنمطٍ فكري واحد بل مفتوحة لفهم المتنوع من الثقافات والتداخل معها بهدف الانتاجية الفكرية والإبداع الثقافي أما إن بقيت طاردة للتنوع الثقافي وتحت سيطرة الفكر الأحادي ومجبولة على التعصب الفكري فهي ثقافة مصيرها الانزواء في زوايا معتمة تفتقر إلى الضوء والهواء النقي الذي يجدد الخلايا والأنسجة كما هي ثقافة أصحاب الفكر الديني ولذلك كان لابد من أن يرددوا ويرفعوا لافتات الغزو الفكري..

tloo1@hotmail.com

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط