بسام درويش / Apr 01, 1993

على إحدى اللصاقات التي غالباً ما نراها على مؤخرات السيارات، قرأت العبارة التالية:

"عندما تخليت عن الأمل، شعرت براحةٍ عظيمة"

 

قرأتها وشعرت أنا أيضاً براحة عظيمة، إذ وجدت فيها جواباً على سؤال ما فتئت أبحث عنه حتى هذه الساعة. وجدت فيها حلاً لمعضلة لو عملت به شعوبنا العربية لخطت أولى خطواتها على طريق الخلاص منها.

 

أحلام أمتنا العربية كثيرة، منها ما لا بد له ذات يوم أن يتحقق، ومنها ما لا بد لأمتنا أن تدرك صعوبة تحقيقه فتستيقظ منه وتنفضه عنها.  

 

لقد كان الحلم في تحقيق الوحدة العربية هو الأمل الوحيد والأعظم للوصول بأمتنا إلى أهدافها التي تصبو إليها. وكانت الجماهير العربية ترى في هذه الوحدة المنشودة النبيَّ المنتظر الذي سيقود شعبه إلى طريق الخلاص.

 

طال الانتظار والنبي لم يأتِ!

النبي لم يأتِ ولكن الأمل لم يتبخَّر. وبانتظار مجيئه ظهر مبشرون يمهدون الطريق لمجيئه، ثم رحل المبشرون وفرطت سبّحتهم، ورغم ذلك لا زالت الجماهير تنتظر ظهور النبي، أو بالأحرى، لا زال قادة الأمة يطبلون ويزمرون معلنين اقتراب عهد النبي.

 

قامت الوحدة بين سورية ومصر فهللت الجماهير معتقدة أن الوحدة الكبرى على قاب قوسين أو أدنى. وكان استمرار عهد الوحدة لفترة ثلاثة أعوام ونصف العام أعجوبة بحد ذاته، لأنها  منذ البدء قد بُنيت على أساسات خاطئة. بعدها جاء حكم من لُقِّبوا بالانفصاليين والذين قاموا هم أيضاً يدعون إلى الوحدة على أساسات سليمة.

 

ولم يطل العهد بحكم الانفصاليين الداعين للوحدة، إذ جاء من أطاح بحكمهم تحت شعار الوحدة والحرية والاشتراكية، ثم ليبتعد أصحاب الحكم الجديد هؤلاء بدورهم، أميالا وأميالا عن طريق هذه الوحدة، لا بل أصبحوا عثرة على طريق الوحدة.

 

تزعزع الأمل بالوحدة، ورغم ذلك بقي هناك من يؤمن بحتمية وضرورة تحقيقها.

 

تزعزع الأمل آنذاك أيضاً حين حاولت مصر فرض الوحدة على اليمن بالقوة بعد انقلاب السلال على نظام الإمامة، وكانت النتيجة مقتل عشرات الآلاف من اليمنيين والمصريين. ورغم ذلك بقيت الجماهير تؤمن بأن الوحدة هي الأمل الوحيد للخلاص وأنها لا بد آتية.

 

وشهد العالم العربي الأحداث تلو الأحداث التي إن دلت على شيء فليس إلا على أن الوحدة هي حلم يشبه حلم إبليس بدخول الجنة.

 

حشود عسكرية على الحدود بين ليبيا ومصر، وليبيا وتونس، والجزائر والمغرب، وليبيا و السودان،  وسورية والعراق، والأردن وسورية، والسعودية واليمن، والعراق والكويت. إلى درجة بلغ فيها عدد الحشودات العربية العربية، أكثر بكثير من عدد الحشودات العربية الإسرائيلية.

 

هذا عدا عن الأحداث الداخلية والمصادمات بين الأخوة في الوطن الصغير الواحد أو عن الصراعات بين الفلسطينيين وأنظمة الحكم العربية أو بين المنظمات الفلسطينية نفسها.

 

ومؤخراً، اصطدم الأمل في تحقيق الوحدة العربية بصخرة الواقع، خلال حرب العراق مع إيران، وبوقوف أنظمة عربية مع إيران الأعجمي ضد العراق العربي، وبغزو العراق للكويت، ثمَّ بعد ذلك بتحالف القوى العربية مع القوى الأجنبية ضدَّ دولة عربية،  فأثبت العرب أنَّ قدرتهم على توحيد مواقفهم مع الغرباء أعظم من قدرتهم على توحيد المواقف فيما بينهم!

 

ومع تحطم الأمل وتناثر شتاته من المحيط إلى الخليج لا زال هناك من ينادي بأمة عربية واحدة من محيطها إلى خليجها. والمضحك المبكي أن أولئك الذين لا زالوا ينادون بهذه الوحدة كانوا هم السباقين إلي تحطيمها.

 

لقد بُني الأمل في وحدة العرب على مقوِّمات وغايات خاطئة، جلّها إن لم نقل كلها، غوغائية وعاطفية وبعيدة عن الواقع. وسيبقى هذا الأمل أملاً ما بقيت المقومات نفسها، وما بقيت الغاية المنشودة من الوحدة هي نفسها أيضاً.

 

لقد آن للحالمين بالوحدة أن يدركوا بأنه ليس هناك دين واحد يجمع العرب، هذا إذا افترضنا جدلاً أن الدين يصلح لأن يكون من مقومات الوحدة. هناك مذاهب إسلامية متعددة أثبت التاريخ القديم والحديث عدم تفاهمها مع بعضها، إضافةً إلي تواجد نسبة كبيرة من المسيحيين تفرض وجودها على الواقع العربي ولا تقبل بأن يكون الدين أساساً للوحدة. وهنا ربما يقول البعض أن هذه المشكلة الأخيرة سهلة الحل إذ ستنتهي بعمليات تصفية أو تهجير لا يبقى بعدها مسيحي يعارض الأساس الديني للوحدة. وإذا اعتقد البعض حقا بهذا الحل، وهناك حقاً من يعتقد به، فما على الأقليات الأخرى، من  شيعة ودروز وعلويين وإسماعيليين ووهابيين ويزيديين وغيرهم إلاَّ أن يبشروا خيراً!

 

أما عن اللغة، فبين فرنسا وبلجيكا أو دول أميركا اللاتينية تفاهم لغوي أكثر مما هو بين الجزائري والسوري أو العراقي والتونسي أو السوداني واللبناني أو الأردني والموريتاني أو الفلسطيني وأهل جزيرة القمر (كوموروس التي أصبحت بقدرة قادر عضوا في جامعة الدول العربية وبذلك تكون أيضاً قد انضمت إلى فرقة الوحدة الغنائية الشعبية). رغم هذا ، فلم تسعَ شعوب أميركا اللاتينية إلى الوحدة على أساس أن نسبة كبيرة منها تتحدث اللغة نفسها. ولم يسعَ الشعبان البلجيكي والفرنسي إلى وحدة أساسها الدين الكاثوليكي أو اللغة الفرنسية.

 

وعن اختلاف العادات والتقاليد، فحدِّث ولا حرج! فهي إذا اختلفت من مدينة إلى أخرى ومن قرية إلى قرية ومن حي إلى آخر، فماذا عن اختلافها بين الجزائر وسورية وبين السودان والعراق أو غيرهم. ربما ولأجل الحقيقة نقول، إن هناك عادة واحدة تجمعنا وتصلح لأن تكون أساساً للوحدة، ألا وهي التعصُّب الأعمى!

 

هذا الأمل سيبقى يصطدم بصخرة الواقع إلى أن يتحطم ويتفتت نهائياً ثم يختلط فتاته بمياه الخليج والمحيط اللذين طالما تغنى بوحدتهما الموحدون. وهذا الأمل سيبعث من جديد، حين تعترف كل دولة عربية بسيادة واستقلال وذاتية الدول الأخرى، متخلية عن أطماعها الإقليمية وأحلامها التاريخية ومقلعةً عن سياسة التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى،  قانعة بالأمر الواقع الذي لا مفرَّ من الاعتراف به.

آنذاك، ربما تفرض الوحدة نفسها على دول وشعوب المنطقة كما فرضت نفسها على دول أوروبا، دون أن تجعل من الدين أو اللغة أو العادات والتقاليد قاعدةً لها، بل مصلحة شعوبها  فقط!

=================

نشرا في بيروت تايمز # 344 – 1  أبريل 1993 وفي 14 مارس 2002

وفي جريدة "آخر خبر" 30 نوفمبر 1997

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط