محمود كرم / Nov 01, 2008

من دون مقدمات أستطيع القول أن غالبية الثقافات والعادات والاعتقادات والأديان والمذاهب والأيديولوجيات والنصوص والشعارات، كل هذه الأطر والمسلكيات والمرجعيات والمفاهيم والتصورات من غير مبالغة، لا تحترم منطق الإنسان ولا عقله، ولا تحترم وجوده وكيانه، ولا تهتم بمعاناتهِ وصراخاته واعتراضاته وتأوهاته وشكوكه وحيرته وغضبه وسخطه ورفضه، ولا تعيره اهتماماً يذكر، لأنها ليست معنية به، بقدر ما هي معنية باخضاعهِ لها، والسيطرة عليه، وكل تلك الثقافات والمفاهيم لا تقبل النقد، وتنتفض في وجه الإنسان إذا ما حاول أن ينتقدها أو يرفضها، وإذا ما حاول أيضاً أن يكشف سذاجتها وهزالتها وعدم منطقيتها، فتعتبره على الفور عدواً يجب نبذه ومحاربته والقضاء عليه، ولذلك تفشل العقلانية والمنطقية في مواجهة الثقافات والعادات والاعتقادات والأيديولوجيات والشعارات والمذهبيات الدينية، لأنها تريد من الإنسان أن يقبل بها فقط وليس عليه في المقابل أن يفهمها، وأن يتحمّس لها من غير أن يفكر فيها، وأن يرضى بها دائماً وليسَ عليه أن يحاورها أو يجادلها، وأن يؤمن بها من دون أن يهتم بنتائجها عليه، وأن يسير في ركابها من غير أن يملك في الوقت نفسه حق الرأي فيها، وتريد من الإنسان أيضاً أن يكون حاملاً لها ومدافعاً عنها من غير أن يعرف ما تتضمنه وما تحتويه..

 

وفي معظم الأحوال لا تقبل الأيديولوجيات والنصوص والاعتقادات والمذهبيات، النقد الذي يستند إلى المنطق والعقل والسؤال، لأن كل ذلك يثير فيها الفزع والانكماش والمخاوف والتوجسات، ويثير فيها أيضاً الحقد والحنق على كل مَن لا يقبلها أو ينتقدها، وعادةً ما تخشى وتتوجس من ذلك الإنسان الذي يحاول أن يضعها دائماً تحت النقد والتفكير والتساؤل، لأن المنطق حين ينتصر، والعقل حين يسود، والتفكير حين يعمل، والنقد حين يفكك، والسؤال حين يتوالد، فإن تلك الثقافات لا تعدو أن تكون مجرد أوهام وحماسات وخرافات وتهويمات وأقنعة الهدف من وجودها هو الوصاية والتوجيه والتحكم والفرض والاستلاب..

 

وأغلب الثقافات الانغلاقية والمذهبيات والاعتقادات والأيديولوجيات والنصوص المشبّعة بالفروضات التوجيهية والأوهام والوصايات والممنوعات والتحذيرات والتأثيمات، نجدها إلى اليوم حاكمة وطاغية ومسيطرة على عقول الناس، رغم ما تتسم به من جمود وتصلب وانغلاق وتخلف، ورغم ما تحتويه من وهم وسطحية وخرافة، لأنها تقوم وقائمة في الأساس على انفعالات عاطفية، ودفاعات حماسية شعورية، ومنقولات شفاهية وتلقينية، وفنتازيا تخيلية، وقداسات مؤسطرة، ويقينيات هلامية، وخطابات تحيزية وهوياتية وشعاراتية، ومنقولات ماضوية مشحونة بالنفس العدائي والحماسي العاطفي، ولو كانت قائمة على المنطق والعقلانية والتساؤل، فإنها تقبل أن تكون خاضعة للنقد والبحث والتشريح والسؤال والتغيير والتبدل والتطور.. 

 

إنها الاعتقادات والمذهبيات والثقافات والأيديولوجيات التي تبعث الموتى من قبورهم، حاكمينَ على الأحياء، ومتسلطينَ على عقول البشر، ومتفضلينَ على الناس ببركاتهم وأنوارهم ومكانتهم وقداستهم، فهل هناك ثمة منطق أو عقلانية في أن تكون للقبور سلطة توجيهية وحاكمية مطلقة على الحياة والناس، إنها العاطفة والصنمية والتبعية الكاملة، فليسَ هناك أكثر تغييباً للعقل في أن يكون شغوفاً ومبتهجاً ومشتغلاً ومفاخراً في استحضار أصنامه الموتى لكي يمنحهم سلطة التوجيه، واعتماد الوصاية، وشرعية التحكم، وصلاحية الرأي والوجود، إنه ذلك الإنسان الذي يسير في متاهة التعصب والانفعال والعاطفيات والتهويمات والانغلاق والتحيز، وإنه الإنسان الذي يتمتع مسروراً وراضياً بالعقل العاجز، بعقلهِ العاجز تماماً عن صناعة الحياة الحاضرة، والعاجز عن صناعة كيانه ووجوده ومقوماته، والعاجز أيضاً عن دفع الضرر عنه، ضرر الانسياق خلف اعتقاداته ومذهبياته الاستلابية، التي تسلب منه القدرة على التحرر من أصنامه القابعة والمترسبة والرابضة في ذاته، وهي الاعتقادات نفسها التي تحاول دائماً أن تنزع منه أي بارقة للتساؤل والتمرد والرفض والنقد..

 

وأكثر تلك الاعتقادات والثقافات والمذهبيات والشعارات والنصوص إنما تجد نفسها في التكرار والتلقين التراكمي، وتستمر بالانفعالات والحماسات العاطفية، وتتجذر بثقافة الغيبيات، وتتكرس بالاستعراضات الطقوسية، وتتواصل بينها بالبرمجة التلقائية المعلبة، وتتضخم باليقينيات التهويمية، وكل ذلك يحولها إلى أطر ومفاهيمَ ومسلكيات وتصورات ثابتة ويقينية ومطلقة، ترفض النقد والتغيير، وتتعالى على السؤال والاستفسار، وتحارب المنطق والعقل والفلسفة، لأنها تصبح بفعل التراكم والعاطفة واليقين والتلقين والغيبيات والاستعراض من أشد الثقافات دفاعاً عن أخطائها وتعصباتها ومزالقها، لأنها راضية عن حالتها التي وجدت نفسها فيها دائماً، لا تريد تغيير حالتها أو اصلاحها أو التفكير في نسفها، قابلةً وقانعة بما هي عليه، وتجد في البقاء على حالتها تلك نصراً لثوابتها وتعزيزاً لمكانتها، فالثقافات الجامدة والاعتقادات الاستلابية لا تفكر في اجتراح سبل الحياة وطرائقها انطلاقاً من تبني الاحتمالات الكثيرة والمعرفيات الابداعية، بل تحاول أن تبقى بعيدة عن التأثر بتلك الاحتمالات والمعرفيات المتجددة، لأن تبنّي احتمالات الحياة المتغيرة والمفتوحة والانفتاح والتفكير في المعرفيات الابداعية قد تضع الإنسان في تناقض مستمر مع اعتقاداته ومذهبياته ونصوصه وأيديولوجياته وبرمجياته التي انتظم واندرج فيها طويلاً، فهل هناك ثمة منطق في كل ما يحدث للإنسان تحت هذه الثقافات، المنطق الذي عليه أن يحترم عقل الإنسان ووجوده وتفكيره وإرادته وحريته وقراره واختياره..

 

وليس من المبالغة القول أن السائرينَ في ركاب الثقافات التخديرية والاعتقادات الاستلابية والمذهبيات والشعارات والنصوص التراثية، لا يستطيع العقل أن يهزمهم، ولا تستطيع العقلانية والمنطقية أن تقنعهم بشيء ما، لأنهم لا يريدون أن يفكروا، ولا يريدون أن يخرجوا من حالتهم التي وجدوا أنفسهم فيها، ولأنهم يجب أن يؤمنوا دائماً بالاعتقادات والعقائد التي تكون أقوى منهم بكثير، تُرهبهم بأسطوريتها وسطوتها وتوعداتها وقداستها وتتحكم بهم وتسلبهم الرغبة والإرادة والقرار، إنهم لا يستطيعون أن يقتنعوا بالمنطق والأدلة العقلية الواقعية، لأن ذلك يتطلب منهم أن يمتلكوا عقلاً شجاعاً ومتحرراً ومنعتقاً، لكي يستطيع أن ينتقد ويفكر ويستنتج ويصل، وإنهم لا يتغيرون بالأساليب المنطقية والعقلانية، لأنهم في هذه الحالة يصبحون ضد ما يؤمنون به، وضد ما اندرجوا عليه زمناً طويلاً، فلا يستطيعون أن يكونوا مع المنطق ضد سلطة التراثيات الماضوية المهيمنة، ولا يستطيعون أن يكونوا مع العقل ضد الغيبيات التي أراحتهم من جهد التفكير والبحث والنقد والتساؤل، ولا يستطيعون أن يكونوا مع الواقع ضد اليقينيات التهويمية التي أمدتهم دائماً بأوهام الصفاء والنرجسية والأفضلية والحاكمية..

 

وكيف يعرف الإنسان أن عليه أن يتغيّر، وعليه بالتالي أن يخرج من حالة التعصب الاعتقادي ومن حالة الاختناق بالأيديولوجيات والثقافات المقيدة والمعيقة والمكبلة، إنه لا يستطيع أن يعرف كل ذلك، حينما لا يتمتع بحس الاحتياج إلى ذلك، لأن احتياجه إلى التغيير يجب أن يكون مساوياً في الرغبة والإرادة لاحتياجه إلى الانعتاق والتحرر، ولأن احتياجه إلى التغيير يجب أيضاً أن يكون مساوياً في الفعل والمسعى لاحتياجه إلى التفكير والنقد في ما هو عليه من حالةٍ معينة، ولأن الاحتياج إلى التغيير يعني دائماً الاحتياج إلى الجديد المنفتح كلياً على رحابة الحياة والتفكير والتأمل والاستنطاق والعقل، ولأن الاحتياج إلى التغيير هو بمثابة صناعة حالةٍ تفكيرية بأدوات ذاتية يستحضرها من أعماقة المتوقدة بتوهجات الفكر الحر، فالإنسان لا يعرف أن عليه أن يتغيّر عندما يكون واقعاً بالكامل تحت الثقافات السالبة والاعتقادات التعصبية والشعارات والمذهبيات والنصوص والأيديولوجيات الاستلابية، لأن كل هذه المرجعيات والأطر والأسيجة المانعة والخانقة تقتل فيه حس الاحتياج إلى التغيير، تريده أن يكون راضياً وقانعاً وقابلاً ومنتشياً بالحالة التي هو فيها وعليها، لا تريده أن يفهم أن هناك ربما آفاقاً أرحب وأقوى وأمتع وأجدى وأنفع من اعتقاداته وشعاراته وتعاليمه ونصوصه ومذهبياته، ولا تريده أن يفهم أن العالم يسير وفق قانون الاختلاف والتنوع، ولا تريده أن يفتح نوافذَ عقله على الأضواء التي تشع بها تموجات الفكر الإنساني المنعتق من رواسب الأسبقيات اليقينية، والمتحرر من فروضات المرجعيات الثقافية الإلزامية القاتلة، فهل هناك ثمة منطق في أن تحبسَ هذه الثقافات الإنسانَ في حالةٍ اعتقادية وشعورية وثقافية ونفسية لا يستطيع الخروج منها، ولا يستطيع الفكاك منها أبداً .؟ ولا يعرف أساساً أن عليه الخروج من أسوارها، وهل هذه الثقافات تحترم عقل الإنسان حينما تقتل فيه حس الاحتياج إلى التغيير والتطور والخلق .؟

 

إنها الثقافات والنظريات والمذهبيات والأيديولوجيات والنصوص التي تريد أن تنتصر لنفسها وتنتشي بهذا النصر ارضاءً لغرورها ونزعتها التسلطية من خلال الإنسان نفسه، إنها ترى في الإنسان وسيلة وأداة لتحقيق أقصى حالات النصر المزعوم لوجودها ولأدبياتها ولترسانتها النقلية والتلقينية، إنها لا تشارك الإنسان رأيه أو منطقه أو سلوكه أو إرادته، وحتى إنها لا تهتم بذلك، بل تريده أن يكون ناطقاً لرأيها ومدافعاً عن أسلوبها، ومتوافقاً مع سلوكها، ولا تعامله انطلاقاً من كونهِ كياناً انسانياً يمتلك حقاً كاملاً في أن يفرض عليها مسؤولية أو واجباً أو حقاً أو تعهداً تجاهه، بل تعامله على أن ينفذَ ما تطلبه منه بتفان وخشوع وقبول تام، لأنها تريد أن يكون رأيها حاكماً وناجزاً ونافذاً وليسَ رأيه هوَ، ولأنها تريد أن تكون ظروفها هي الحاكمة به وليسَ ظروفه التي يجب أن تكون حاكمة، ولأنها تريد منه أن يؤمن بفضلها عليه وبامتنانه لها وليسَ فضله عليها، ولأنها تريده أن يكون منزوعاً من رغباته واشتهاءاته وإراداته وتطلعاته وقدراته، لكي يصبح أداةً منفذة فقط في منظومتها الحاكمة، فهل هناك ثمة منطق في كل هذه الثقافات تحترم وجود الإنسان وعقله ومنطقه وإرادته وقراره وحريته وكيانه.؟

 

محمود كرم، كاتب كويتي

tloo1@hotmail.com               

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط