بسام درويش / Dec 12, 2009

 

 

"إنّا لله وإنّا إليه راجعون"، عبارة يرددها المسلم عند سماعه بوفاة مسلم آخر أو خلال مراسيم الدفن أو العزاء. أمّا إذا كان الميت زوجاً أو زوجةً، فإن الحيَّ منهما يضيف إلى تلك العبارة دعاءً إلى الله يقول: "اللهمّ أجرني في مصيبتي واخلُف لي خيراً منها... أو منه...!"

*************

كلنا إلى القبر ذاهبون؛ هذا أمرٌ لا جدال فيه على الإطلاق. وعلى الرغم من أن الموت حقيقة لا مفرّ منها فأنا لا أستطيع ولا أحبّ ولا أريد أن أتصوّر نفسي وأنا اقف مودّعاً أيّ إنسان عزيز عليّ الوداع الأخير، وعلى الخصوص شريكة حياتي. مجرد تصوّر كهذا يشلّ قدرتي على التفكير بأي أمرٍ آخر، فكيف بتفكيري في التي سوف تأخذ مكانها أو إذا ما كان الربّ سيتكرّم عليّ بأفضل منها...! 

 لا أستطيع تصوّرَ نفسي وأنا أقف أمام نعش زوجتي، بعد رحلة عمرٍ، طويلةً كانت أو قصيرة، وليس هناك شيء أتمناه في تلك اللحظة إلا أن يبعث لي ربّي بزوجة أفضل منها... لا بل، ولا حتى بزوجة أُخرى!

 أنا أتحدّث عن نفسي، ولكني أيضاً لا أستطيع أن أتصوّر زوجتي تقف أمام نعشي تدعو الله أن يرزقها زوجاً أفضل مني... لا بل لا أعرف إذا كان هناك من زوج أو زوجة من أتباع أي معتقد آخر غير الإسلام لا يخطر بفكره او بفكرها في موقف كهذا إلا دعاء إلى الله بتعويضه بأفضل مما فقد!

أيّ إنسانٍ هو ذاك الذي لا يفكّر وهو يقوم بدفن زوجته شريكة حياته وأم أولاده إلاّ بالأخرى التي سوف تحلّ محلّها، وكأنها سيارةٌ فقدها في حادثة اصطدامٍ، أو محلّ تجاري خسره في حريقٍ، أو بقرة حلوب قضت نحبها فيرفع يديه إلى السماء يطلب من ربه واحدة أخرى تدر له أضعاف الحليب التي كانت تدره الأولى!

 وأية إنسانة هي تلك التي تقف أمام قبر زوجها، تذرف الدموع عليه، بينما يلهج قلبها بالدعاء إلى ربها أن يرزقها رجلاً أفضل منه، وكأنه غسالة يدوية قديمة تعطلت فواتَتْها المناسبة لتطلب من الله أن يعوضها عنها بأخرى أوتوماتيكية!

في الحقيقة، لا يلام المسلم رجلاً كان أو امرأة على هذا التفكير الضحل لأنه نشأ على تعاليم مبنية على المادة ولا شيء إلا المادة، في هذه الحياة كما في الآخرة. محور تعاليم الإسلام في هذه الحياة والحياة الآخرة المال والنساء والغلمان والقناطير المقنطرة من الذهب والطعام والشراب. ليس في الإسلام علاقة روحية بين المرأة والرجل إنما علاقة مبنية على عقد شراء يمتلك الرجل فيه المرأة، ومن ثمّ، فإن المرأة تصبح جارية لدى الرجل يستغني عنها بكلمة واحدة يكررها ثلاثاً ثم يدفع لها ما أملته شروط العقد. الزواج في الإسلام كما في "كتاب الفقه على المذاهب الأربعة" هو عقد تمليك انتفاعٍ بالبضع (أي بفرج المرأة) وسائر بدنها والمقصود في الإسلام من عقد النكاح هذا هو الانتفاع بالمرأة دون الرجل.(1) وتقول الدكتورة نوال السعداوي في كتابها "الوجه العاري للمرأة العربية" ـ وكان الأصح أن تقول "المرأة الإسلامية"ـ: "مؤسسة الرجال تختلف عن مؤسسة النكاح للنساء، وحقوق الزوج غير حقوق المرأة. والحق أنه من الخطأ أن نستخدم اصطلاح حقوق الزوجة لأن الزوجة كإنسانة ليس لها حقوق في ظل نظام الزواج إلا إذا كان العبد له حقوق في ظل الرق أو النظام العبودي، والزواج للمرأة كالرق سواء بسواء."(2)

لذلك، فإذا كانت العلاقة بين الزوج والزوجة خلال الحياة على هذا الشكل فليس غريباً أن تكون كذلك بعد وفاة أحدهما... الرجل يأمل بقطعة جديدة أفضل، والمرأة تأمل بسيد جديد أكثر رحمة.

***********

لا أريد أن أتصور الساعة التي أفارق فيها زوجتي مودعاً إياها الوداع الأخير، لكنّ شعوري في ساعة رهيبة مؤلمة كتلك الساعة لن يكون إلا شعور من فقد جزءاً منه بكل ما للكلمة من معنى. لقد علمتني المسيحية التي ولدتُ عليها أنّ الزواج هو اتحاد روحي بين الرجل والمرأة وأنني بزواجي قد أصبحت وزوجتي جسداً واحداً لا يفرقه إلا الموت... لكنّ الموت لن يغيّر شيئاً من محبتي واحترامي لزوجتي ولا من اعتباري لها بأنها أفضل ما أوتيتُه في هذه الحياة.    

*************

(1) كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، عبد الرحمن الجزيري، دار الكتب العلمية 1990

(2) دكتورة نوال السعداوي، الوجه العاري للمرأة العربية، 1982 ص 61 والاقتباس من المرجع السابق نفسه. 

 

 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط