بسام درويش / Oct 27, 2005

مرة أخرى، خلال هذا الشهر، نسمع من وسائل الإعلام العربية حديثاً عن ضرورة تحاشي "إيذاء مشاعر المسلمين". لكن، هذه المرة، الحديث لا يتعلق بموضوع الأكل أو الشرب أمام المسلمين الصائمين، إنما بخصوص بناء كنيسة للمسيحيين المتواجدين في دولة قطر!

تحت عنوان "وسط مخاوف من اثارة غضب القطريين.. أمير قطر يتبرع بأرض لبناء أول كنيسة في البلاد" جاء  في موقع قناة "العربية" ما يلي:

(قال محام قطري إن أبرشية إنجيلية تخطط لبناء أول كنيسة في قطر "ما قد يتسبب بإثارة المسلمين في قطر خاصة إذا لم يتم استشارتهم وقبولهم بهذا الأمر". وأوضح نجيب النعيمي أنه "فيما يرى بعض القطريين أن بناء الكنيسة هو إشارة لازدياد التنوع الديني في قطر إلا أن المجتمع المسلم سوف يشعر بالإهانة"، بحسب ما ذكرت صحيفة "غلف نيوز" الإماراتية.

وشدد النعيمي على أن القطريين: "يحترمون الأديان الأخرى ولكن فرض ذلك عليهم كأنما يقال لهم أنكم لستم بعد الآن دولة مسلمة سيؤذي مشاعرهم".

من جانب آخر، اعترف الأسقف الإنجيلي كليف هانفورد أن الكثير من المسلمين في قطر غير متحمسين حول خطة بناء هذه الكنيسة علما أنه لا يوجد كنيسة في قطر منذ القرن السابع الميلادي.

وتعد الكنيسة الإنجيلية المزمع بناؤها، والتي تصل كلفتها إلى 7 مليون دولار، واحدة من أربع كنائس تم التخطيط لإقامتها حسب الأسقف هانفورد الذي أشار إلى أن الكنيسة سوف تبنى في بداية العام 2006 على قطعة أرض تبرع بها أمير قطر.

ويشير النعيمي إلى وجود خطر في هذه العملية نظرا لوجود "قلة من القطريين سوف يتقبلون خطوة التبرع بالأرض لكي يتمكن المسيحيون من بناء الكنيسة". وتساءل النعيمي: "هذه مسألة تتعلق بمجموعة من الأجانب أتوا إلى هنا بشكل مؤقت فلماذا يتم التبرع لهم بالأرض؟". وتابع "لا أعرف كيف ستكون ردة الفعل".

وقال هانفورد إن أبرشيته لم تواجه تمردا حتى الآن ولكن سوف تتخذ تدابير وقائية ولن تزخرف الكنيسة برسوم الصليب. وأشار هانفورد إلى  وجود حوالي 70 ألف مسيحي في قطر منهم 7 آلاف إنجيليين و50 ألف من الرومان الكاثوليك. وقد سمحت بعض البلدان الخليجية ببناء الكنائس مثل الكويت والبحرين والإمارات.)

**********

تحت عنوان "رمضان.. حيث يبلغ النفاق ذروته"، كتبت منذ أسبوعين معلقاً على بيان اصدرته السلطات السعودية تحذر غير المسلمين من إيذاء مشاعر المسلمين الصائمين بالأكل او الشرب أمامهم، وتنذرهم بالطرد من البلاد أو بالعقاب إن هم خالفوا هذه التعليمات.

 

تساءلت آنذاك عن معنى هذا الصيام الذي يصومه المسلم، والذي يُفترض به أن يكون رياضة روحية يجري خلالها ترويض النفس على احتمال الآخرين، وأيضاً على معرفة معنى الجوع والفقر والحرمان.

 

واليوم، تنقل لنا وسائل الإعلام خبراً يبعث على الأمل بغدٍ أفضل يقول أن امير دولة إسلامية قد تبرع بقطعة أرض لبناء كنيسة للمسيحيين في بلده. لكنّه أملٌ سرعان ما عكّرت صفاءه ردة الفعل التي تحدث عنها الخبر نفسه. وهكذا، أجد نفسي أعود للتساؤل مرة اخرى: كيف يمكن لأيّ إنسان أن تتأذّى مشاعره برؤية مكانِ عبادةٍ لأناسٍ آخرين، لا لسبب، إلا لأنهم لا يشاركونه عقيدته؟!

 

أقرّ بأنني أقف عاجزاً عن فهم تركيبة عقل المسلم!

إنه لَيَسهلُ على المرء أن يفهم مشاعر الآخرين بشكل أفضل حين يعاني ما يعانونه، أو حين يمر في حياته بتجربة شبيهة بتلك التي مروا بها؛ لكن هذه النظرية لا يعقل أن تتفق مع حالة كهذه!.. وحيث أنني لست مسلماً، ولم أكن من قبل مسلماً، كما وأنني لست مستعداً لأن اضحّي باحترامي لنفسي في أن أصبح مسلماً حتى ولو على سبيل التجربة، فإني أقرّ بعجزي عن فهم هذه العقدة التي يتميز بها المسلم دون غيره من بني البشر. لا بل ربما سأعجز عن فهمها حتى ولو بلغ بي الجنون حد القيام بتجربة كهذه، إذ لا شكّ في أنّ المسلمين يتوارثونها بالولادة لتنمو معهم وينموا هم تدريجياً معها!

 

ما عدا الشعور بالفضول، لا أذكر أن شعوراً آخر قد خطر بفكري وأنا أمرُّ في يوم من الأيام أمام أمكنة عبادة على اختلاف أجناسها. فضولٌ كثيراً ما دفعني إلى زيارة هذه الأمكنة، سواء كانت خالية من روادها لاستكشافها كطرازِ بناءٍ وفنّ وغير ذلك، أو وهي ممتلئة بالمصلين لغاية التعرف عن كثبٍ على عقائدهم وطرق عبادتهم. مشاعر مختلفة خبرتها بعد زيارتي لكل مكان من هذه الأمكنة، لكنّ وصفاً واحدا لهذه المشاعر يمكنني أن أؤكّد أنّه لم يخطر بفكري هو "التأذّي" أو "الشعور بالإهانة" لما سمعت أو ما رأيت فيها.. .. باستثناء المساجد!!

 

المسجد هو المكان الوحيد بين كل أمكنة "العبادة" الذي شعرت فيه بـ "التأذّي" وبـ "الإهانة"، لا كإنسان ينتمي إلى مجموعة دينية أو فكرية معينة، إنما فقط كإنسان.

إنه المكان الوحيد الذي لم أرَ فيه مكان عبادة إنما مدجنة لتفريخ الإرهابيين ومدرسة لتعليم الكراهية.

لا بل إنه المكان الوحيد الذي أرى فيه خطراً على مستقبل الإنسانية جمعاء.

هو المكان الوحيد الذي سمعت فيه الواعظ يطلب من إلهه أن يرمّل النساء وييتّم الأطفال ويقطع نسل الرجال ويشرّدهم، ويدعوا المصلين لقتال الذين لا يؤمنون بدينهم..

وهو المكان الوحيد الذي وجدت فيه أناساً أعمياء البصيرة يردون كالببغاوات على أدعيةٍ كتلك بكلمة "آمين" دون احتجاج ولا اعتراض.

مكان كهذا المكان هو وحده الذي يجب على الإنسان المؤمن بإنسانيته أن يتأذّى من وجوده وأن يشعر بالإهانة لمجرد رؤيته.

*****

يذكر الخبر أن هناك حوالي سبعين ألف مسيحي في قطر، ويتساءل المحامي عن جدوى بناء كنيسة لهؤلاء السبعين ألف إنسان لأنهم حسب وصفه ليسوا إلا "مجموعة من الأجانب أتوا إلى هنا بشكل مؤقت!!"

هل يعني بكلامه أنه ليس من حق هؤلاء إذا كانوا في قطر بشكل مؤقت أن يكون لهم مكان عبادة؟.. وإذا كان وجودهم مؤقتاً فحتى متى؟.. وهل سيغادرون وتفرغ البلاد منهم دون أن يأتي غيرهم؟..

من ناحية أخرى، يقول الأسقف هانفورد ـ تفهماً منه لـ "مشاعر!" المسلمين ـ أن الكنيسة لن تُزَخرَف برسوم الصليب!!.. 

*****

"المجتمع المسلم سوف يشعر بالإهانة"؟؟!! تقول الصحيفة الإماراتية..

لا بل، "المجتمع المسلم يجب أن يشعر بالخجل!" أقولها أنا.. ويقولها معي كل إنسان يشعر بالإهانة والتأذّي من تعاليم الإسلام!

*************     

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط