بسام درويش / Apr 02, 2001

في ليبيا عيد يعرف بعيد الثورة. في مصر عيد للثورة. في السودان أيضاً عيد ثورة. كذلك يحتفل اليمن التعيس بعيد للثورة. وطبعاً فللعراق أيضاً عيد ثورة، لا بل إن للعراق كما لسورية، بضعة أعياد ثورة.

 

هل حقاً إنّ ثورةً قد قامت في دولة من هذه الدول التي أتينا على ذكرها؟

 

في ليبيا ركب ضابط صغير مغمور دبابته متفقاً مع شلة صغيرة من الضباط، واتجه معهم إلى قصر الإمبراطور فألقوا القبض عليه وتعمشقوا بعد ذلك على الحكم معلنين بداية عهد جديد أطلقوا عليه عهد الفاتح من أيلول. وأصبح الأول من أيلول، يوم احتلّت تلك الدبابة دار الإذاعة، وحتى اليوم، يوماً للثورة. اختار قائد تلك الثورة لثورته شعارات لا حصر لها، نكتفي بذكر شعار واحد منها وهو الديموقراطية. باسم هذه الديموقراطية لا زال صاحبنا متربعاً على عرش الحكم لفترة زادت عن فترة تربع الإمبراطور السابق على العرش نفسه.

 

في مصر، حصل الأمر نفسه تقريباً، إذ قام عدد من الضباط، واتجهوا إلى قصر الملك  فخلعوه عن عرشه، ثم وضعوه على ظهر سفينة وضربوا له التحية والمدافع، ونفوه خارج البلاد. بعد ذلك بدأ النزاع فيما بينهم، فصُفِّي من صُفِّيَ لينتهي الحكم أخيراً بيد واحد منهم، فجعل اليوم الذي ودّع فيه مع زملائه الملك إلى قصره في أوروبا، يوماً يُحتفل به، دعاه بيوم الثورة. حكم أولهم البلاد واستمر في حكمها إلى أن مات بسكتة قلبية أو ربما مسموماً. وحكم ثانيهم البلاد وبقي في سدّة الحكم إلى أن مات مقتولاً. وحكم ثالثهم البلاد ولا زال يحكمها ما شاءت له الظروف أن يحكم.

 

في العراق توالى على الحكم لص بعد الآخر، يسلب الواحد منهم السلطة من الآخر ويسمي يوم سرقته بيوم الثورة. وانتهى الحكم أخيراً بيد من لا هو بابنٍ للشعب ولا بابنٍ للعسكر، ومع ذلك فقد أصبح بقدرة قادر، زعيماً للشعب وزعيماً للعسكر. هذا الأخير كان أكرم من أسلافه إذ أضاف يوم ميلاده إلى الأيام التي تحتفل بها الأمة فجعله يوماً وطنياً مثل عيد الثورة، لا بل عيداً يضاهي عيد الثورة. ولمَ لا؟.. فلو لم يولَد هو لما كانت هناك ثورة!

 

في السودان، تنازع على الحكم انقلابي بعد آخر إلى أن أمسك بدفته عقل تكونت خلاياه منذ حوالي  أربعة عشر قرناً من الزمن، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، وهو يسعى جاهداً لإعادة البلاد إلى الزمن الذي تكونت فيه خلايا دماغه. هذا أيضاً دعا اليوم الذي سرق فيه الحكم بيوم الثورة!

 

في اليمن الملقّب بالسعيد، قامت ثورة بعد ثورة، ولكن سعادة شعب ذلك البلد أو تعاسته لم تتأثر بشيء. إذ طالما بقي القات متوفراً بين يديه فإنّ شيئاً لن يعكّر صفاءه، سواء قامت ثورة أم قعدت. فكل يوم يلي سهرة تخزين القات هو عند اليمنيين يوم عيد لا بل أفضل من ألف ثورة.  

 

أما في سورية، فلم يعد الشعب هناك يعرف بأي عيد ثورة يحتفل، إذ أنه كلما تناطح عسكريان على الحكم يقوم المنتصر منهما بإعلان اليوم الذي كسر فيه قرن الآخر عيداً للثورة. وحين تمكن آخر هؤلاء من البقاء في الحكم لفترة طويلة، شعر المواطنون بالملل حيث تعوّدوا على سماع المارشات العسكرية بين الحين والآخر، فقام هذا الحاكم الأخير، من فرط محبته للشعب، بثورة على نفسه، وقدم بذلك للأمة يوماً جديداً تحتفل به، سماه بيوم الحركة التصحيحية لمسار الثورة. صحح مسار الثورة بشكل لا تقع فيه مفاتيحها بيد أحد من أعدائها، وهكذا بقيت مفاتيحها في يده إلى أن وثق بأنها ستبقى في يد العائلة فمات آنذاك مطمئن البال على أن الثورة باقية وأنَّ رسالتها خالدة. (ولا بد من الذكر هنا أن سورية لا تزال تحتفل حتى بعيد الوحدة، التي مضى على إعلانها أكثر من ثلاثين سنة، وعلى "انفراط مسبحتها" ثمان وعشرون سنة.)

           

أيُّ ثورةٍ في هذه البلاد تستحق بحق السماء أن يُجعلَ لها يومٌ، أو أن يُطْلَقَ عليها اسم ثورة؟

أهي ثورة حقاً أن يتناطح عسكريان ليسلب أحدهما من الآخر حكماً لا حقَّ أساساً لأي منهما به؟

أهي ثورة أن يقود عسكري دبابته مع شلّة من المنتفعين أمثاله ليستوليَ وإياهم على دار الإذاعة ثم يعلن عبر أجهزتها قيام ثورة شعبية لم يسمع الشعب لا بها ولا برجالها إلا لحظة إذاعة ذلك البيان؟

حقاً إن الحكمَ في بلادنا أشبهُ بعظمة تتخاطفها كلابٌ مسعورة، ولكن أي شعبٍ هو هذا، يحتفل ويرقص في الشوارع، كلما انتقلت العظمة من فم كلب إلى فم كلب آخر؟

أي شعب هو هذا يخرج أبناؤه إلى الشوارع يرقصون ويهزجون ويرفعون آيات التهنئة "لحرامي" سرق إرادتهم وأعلن أنه سيركب على ظهورهم إلى الأبد غصباً عنهم؟

عشرات السنين مضت منذ أن اغتصب كل من هؤلاء الحكم، ولا زال الناس يرقصون ويهللون.

ألعلّ هذه الثورات قد أنجزت للشعب خلال هذه السنين الطويلة ما تستحق اليوم من رقصٍ وتهليل؟

أهي إنجازات للثورة أن يشيّد قائدها لنفسه أربعين قصراً أو أن يعطي مدرسةً أو مصنعاً أو ملعباً للرياضة اسماً جديداً ليجعل الأمة تبدو وكأنها انتقلت في عهده بسرعة البرق من عصر الظلمات إلى عصر النور؟

 

منجزات الثورة ـ وعلى ذلك المقياس ـ هي حقاً ظاهرة في كل مكان وعلى كل ناحية من نواحي حياتنا.

إنّ لها شوارع تحمل اسمها ولها مكتبات وصحف ومستشفيات ومدارس وبحيرات.

لها منظمات لم تعرفها الأمة من قبل ولم تكن لتعرفها لولا تلك القدرة على الخلق والإبداع التي يتمتع بها رجال ثوراتنا العظماء. فهناك أطفال الثورة وجيل الثورة وشبيبة الثورة وحراس الثورة وطلائع الثورة وبراعم الثورة وفتيان الثورة. هناك أيضاً منظمات لا تحب الشهرة لأنها متواضعة وتحب خدمة الشعب غير طامعة بثناء، مثل منظمات لصوص الثورة وتجار الثورة وسماسرة الثورة ومخابرات الثورة.

 

للثورة فرق وملاعب للرياضة.  لها مؤسسات تموينية.  وربما لها في بعض البلاد مساجد تحمل اسمها.  ولها أيضاً فيلات وقصور.. صحيح أنها تدعى فيلات الشعب أو قصور الشعب ولكنها لا تستضيف إلا أبطال الثورة.  

للثورة بصمات وآثار خطوات في كل مكان من بلادنا. منجزاتها  تظهر واضحة في صور قادتها الأبطال على واجهات المحلات وزجاج السيارات. تظهر أيضاً في تماثيلهم التي تزين الساحات العامة ومداخل المنشآت الحكومية.

منجزات الثورة تظهر على وجوه المواطنين القلقة الحزينة وعلى وجوه الأطفال الذين يبحثون  في براميل الزبالة عن لقمة يسدون بها جوعهم.

منجزاتها تظهر في الأغاني التي تمجد الحاكم وتؤلهه والتي أصبحت جزءاً من تراثنا ولوناً من ألوان فنوننا الشعبية  يُعرف الآن بفن أناشيد الثورة.

للثورة في بلادنا فروع مخابرات ومعتقلات أكثر من عدد المكتبات والمستشفيات. 

للثورة في بلادنا كل المقومات والعناصر إلا عنصر واحد، ألا وهو شعب يقوم بتفجيرها!

شعبٌ يقوم بتفجيرهــا؟

وأين لهذا الشعب أن يوجدَ وقد وُضعَ على الاستيراد من الخارج في بلادنا ما وُضِعَ عليه من قيود!

=========

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط