هشام محمد / Dec 16, 2004

عندما يتحدث عامة السعوديين عن ظاهرة خطيرة وشائكة كالإرهاب.. أسبابه.. نتائجه.. وسبل علاجه، تراهم يشيرون بأصابعهم إلى أرقام البطالة المتزايدة وحالات الفقر المتفاقمة، وما إلى ذلك من صور الأداء الاقتصادي المتوعك. ولكن إلى حد يمكن القبول بتلك الفرضية التي تختزل ظاهرة على درجة عالية من التعقيد والامتداد التاريخي الغائر في تراث المنطقة العربية بأسرها من خلال التلويح بورقة الاقتصاد؟ لا شك أن الترويج لمثل هذا الطرح يشي ـ ولو من بعيد ـ بالتباس مفهوم المواطنة وخوائه من دلالاته الوجدانية. ولا شك لدي أيضاً من دور الحكومة المؤسف في تفريغ مفهوم الوطن من معانيه. فلا هي نجحت في توفير فرص التنمية بشكل عادل ومتكافئ لكل مناطق المملكة، ولا هي نجحت في إشعار المواطن بدوره في صناعة القرار.

لست أكتب هنا بقصد تفنيد وإسقاط تلك الفرضية، ولكني أتعجب وبشدة من طريقتنا في التعاطي مع القضايا الجوهرية التي تمس أمننا واستقرارنا وتطورنا بهذا الاستسهال والتسطيح. ولكنه على ما يبدو، يبقى ذلك جزءاً من ملامح العقل العربي إجمالاً والسعودي خاصة، ألا وهي عدم القدرة على امتلاك الرؤية البانورماية التي تؤهله لقراءة المشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي بكافة أبعاده، والإصرار على الخلط المعيب وغير الحيادي بين الأمنيات والحقائق من خلال تفسير الوقائع كما يشتهيها لا كما يجدها.

إذا كان الاقتصاد مسؤولاً عن إفراز ظاهرة الإرهاب الديني فلماذا لم تتحول بلدان أفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى مراكز تصدير لموجات الإرهاب؟.. ولماذا لم يسهم الفقر والبطالة والجهل والأمية في غرس غريزة الموت وثقافة الكراهية والتدمير في نفوس الملايين من الأفارقة والأسيويين والأمريكيين اللاتيين المشردين والجائعين والعاطلين؟..  ولماذا صار الإرهاب صناعة إسلامية لا تخلو خاصة من التمويل المالي والبشري السخي القادم من بلاد الحرمين الشريفين؟.. ألا تبدو المسألة أكبر من أن يحتويها الاقتصاد أو غيره؟

مرة أخرى، إذا كانت البطالة وتراجع مستويات التنمية الاقتصادية وارتفاع العجز المالي وتآكل القوة الشرائية مولدات لإطلاق مارد الإرهاب الديني من عقاله فلماذا كان ابن لادن بالذات هو عراب الإرهاب ومحوره؟ ألا ينتمي هذا الرجل الكهفي (نسبة إلى كهوف أفغانستان) إلى عائلة ذات ثراء فاحش تمتد مقاولاتها وأعمالها التجارية إلى ما وراء الحدود السعودية؟ ألا ينتمي ساعده الأيمن ومنظر الإرهاب أيمن الظواهري لعائلة برجوازية مصرية، وكان قبل انضمامه للجماعات المتأسلمة المسلحة وتلوث يديه بدماء الضحايا يمارس الطب التي هي أعظم مهنة إنسانية؟ ألم تنحدر تلك الأجساد المفخخة بالموت والمخصية العقول والموعودة بجنان الخلد ومهرجانات الجنس اللذيذة وأنهار العسل والخمر من كل جهات المملكة الأربعة ومن كل المدن والقرى ومن كل طبقات المجتمع العليا والدنيا؟

إذا كان الفقر والبطالة مسؤولة عن احتضان الإرهاب فلماذا لا يكون الغنى وتدفق الثروات مسؤولة عن تفقيس بيوض الإرهاب وتأسيس بناه التحتية؟ ألم تتزامن موجات التدين الوهابي الطقوسي مع تراكم العائدات النفطية في منتصف السبعينات وجزء من الثمانينات؟ ألم يختطف التيار الديني المجتمع بأسره ويصبغ الحياة بألوانه الباهتة الكئيبة طيلة العقود الأخيرة؟ ألم يسكت ما أطلق عليه اسم "الصحويون" كل صوت لا يحمل ملامحهم ويتغرغر بأفكارهم؟ ألم يزرعوا في كل شبر من هذه الأرض.. في فصول الدراسة.. وصالات الانتظار.. ومداخل الأسواق أشرطة الكاسيت المعبئة بالصراخ والكتيبات المزركشة المملوء بأكاذيب فاقعة الألوان؟ ألم يحولوا المجتمع إلى قطعان من حيوانات دينية تأكل من حشائش الفتاوى والمواعظ وتشرب من وعود الآخرة؟
إذن..
لماذا تحمل الناس الاقتصاد وزر "الخوارج الجدد" ولا تجرؤ على وضع الفكر المتأسلم في دائرة الاتهام؟
السبب
ـ في اعتقادي الشخصي ـ تفسيره ببساطة يكمن في:

خوف العامة من مساءلة ومحاسبة التيار الديني بكل عناصره ومفرداته من مناهج.. وتنظيمات.. وأفراد.. وممارسات.. الخ. لقد نجح التيار الديني الأوحد في زرع أصولي صغير داخل نفس كل مواطن. يتولى هذا الأصولي الصغير حماية كل مواطن من خوض مغامرة التفكير وإشعال قناديل الأسئلة، وتعنيف الآخر ممن تسول له نفسه الأمارة بالسوء من الاقتراب من "التابو" الديني. لقد أصبح نقد "الفكر الديني" لا الدين ذاته من المحرمات التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. إن الإقدام على تفكيك النص الديني، ودراسته باستخدام مناهج البحث النقدية البعيدة عن التقديس المفرط والتعصي الأعمى ليس بالأمر الممكن مادام أن هناك حراساً غلاظ يقفون على باب الدين. هؤلاء الحراس الغلاظ هم "الكهنوت الوهابي" الذين نالوا فسحاً إلهياً يخولهم صلاحيات واسعة من امتلاك الحق المطلق بتفسير النص، والتدخل السافر في طرق التفكير ومناهج العيش والسلوك، وربط عجلات البلاد بجنازير الثوابت والمسلمات والتاريخ الزائف والحؤول دون انضمامها إلى مجتمعات أكثر حداثة واحتراماً لحقوق الإنسان والمرأة.

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط