هشام محمد / Apr 18, 2006

ـ 1 ـ

مع إطلالة عام 1980 استيقظ السعوديون والعالم أجمع على حدث جلل تمثل في احتلال (جهيمان العتيبي) الحرم المكي ومناداته بالبيعة للمهدي المنتظر (محمد القحطاني).  احتاجت الحكومة السعودية إلى أسابيع قليلة قبل أن تقمع هذا التمرد وتستعيد السيطرة على المسجد الحرام.  وبدلاً من أن تعيد الحكومة النظر في استراتيجياتها وسياساتها الآنية والمستقبلية، وتتنبه إلى الخطر الآتي من التطرف الديني، قامت – ويا للعجب – بتسليم مفاتيح البلاد للمؤسسة الدينية والتي ازدادت تضخماً وجبروتاً، مستغلة موقعها كشريك غير منظور مع الحكومة في إدارة البلاد ونصيبها من تدفقات العوائد النفطية السخية.  عندما استرجع بالذاكرة تلك المشاهد، أتساءل باستغراب: هل كانت الحكومة السعودية تشعر بوخز الضمير تجاه مصرع جهيمان وأتباعه؟  أم هل انتهز التيار الديني الفرصة لفرض شروطه واملاءاته على الحكومة مقابل مساندته الدعائية ووقوفه بصفها ضد جهيمان؟

منذ ذلك الوقت، زادت كثافة الخطاب الديني، وصار مصيدة تجتذب يومياً الكثير من المؤمنين والمؤمنات، أو ما يسمون بالملتزمين.  منذ ذلك الوقت، استولى المتدينون على كل شيء تقريباً من الإذاعة المدرسية إلى الإذاعة الحكومية.  وبعدما أخمدت الحكومة أنفاس جهيمان وأنصاره، أخمد المتشددون أصوات نسائية كانت كثيراً ما تضيء ليالينا الرتيبة، فاختفت فيروز ووردة وشادية وأم كلثوم من الظهور على الشاشة الفضية.  منذ ذلك الوقت، دارت حركة مكائن الطباعة لتقذف في وجوهنا عدداً لا حصر له من كتب وكتيبات تتغرغر بقصص الأنبياء وأهوال يوم القيامة وعذاب القبر ودموع التائبات من الفنانات والعائدات إلى زنزانة الحجاب.  منذ ذلك الوقت، غزت اللحى وجوه الكبار والصغار، وبات الحجاب الركن السادس للإسلام.

لا يقصد من هذا أن البلاد قبل ذلك التاريخ كانت تنعم بنسائم الحرية وتتقلب في ربيع الانفتاح كما حظيت بها نسبياً باقي الدول العربية، فالمرجعية الوهابية المتزمتة والمنغلقة كانت تلقي بظلها الثقيل على كل مناحي الحياة.  لكني رغم صغر سني آنذاك، وكما يتذكر من عاصروا تلك الفترة أن حالات التشدد لم تزدد غلظة ودوائر التحريم لم يتسع قطرها كما صارت عليه فيما بعد.  لقد كان الاختلاط العفوي بين الأقارب من الجنسين أمراً مقبولاً ولا يستدعي التذكير بالفتنة والتخويف من حبائل الشيطان كما هو عليه الحال الآن.  وكانت دور السينما رغم قلتها تجتذب العائلات بينما صار من  يتحدث عنها اليوم كأداة تسلية بريئة أو كنشاط تجاري مربح كمن يحوم حول حمى الكفر فيوشك أن يقع فيها!

 

ـ 2 ـ

يخيل لي أن الحكومة السعودية قد استوعبت متأخرة مدى جسامة أخطائها بعدما صار الشباب السعودي عنصراً بارزاً في معظم الأعمال الإرهابية الإجرامية في الداخل والخارج، لدرجة أنه صار من السخافة تحميل جهات خارجية مجهولة مسؤولية صناعة الفكر التكفيري.  لكن مساعي الحكومة لتجفيف منابع الإرهاب، والتخفيف من الغلو الديني، وفتح قنوات الحوار في مجتمع اعتاد أحادية الفكر والرأي اصطدمت ومازالت تصطدم بمخاوف التيار الديني الحريص على الإبقاء على مكاسبه التي حصدها في العقدين الأخيرين.  ومما يصعب الأمور ويزيدها تعقيداً أن الحكومة ـ بافتراض جديتها ورغبتها الحقيقية

 في التغيير ـ  لن تواجه خصماً ملموساً يمكن بسهولة احتواء تمرده وتصفيته بقليل من الخسائر، بل ستواجه تياراً فكرياً متسرطناً في خلايا المجتمع، وممتداً في كل الجهات الأربعة.  هذا التيار الفكري يمتلك فوق طبيعته الإقصائية والإلغائية قدرات زئبقية تتيح له التخفي، والتنصل من صنائعه، وارتداء الأقنعة حسب مقتضيات الحال.

لقد نجح المتدينون ـ وللأسف ـ  طيلة العشرين عاماً فأكثر في اختطاف الشارع السعودي ومن غسل أدمغة الملايين لدرجة أن المرء صار لا يقدم على خطوة قبل أن يستفتي رجل الدين في كل كبيرة وصغيرة، من أحكام التيمم وتفسير الأحلام والمسح على الخفين إلى شراء الأوراق المالية والتبرع بالأعضاء والالتزام بالاتفاقيات والعهود الدولية.  تحول الدين خلال تلك الأعوام إلى أشبه ما يكون بحزب غير رسمي يؤمن لأعضائه منافع اجتماعية ووظيفية مقابل الامتثال لمظاهر شكلانية ساذجة كاللحية والثوب القصير للرجل والعباءة الشرعية والقفازات للمرأة.  يحكي لي أحد الأصدقاء المقربين نقلاً عن صديق له إنّ هذا الأخير كان في يوم ما متشدداً غير أنه ثاب مؤخراً إلى رشده.  يصف هذا الرجل نفسه إبان تلك المرحلة: "كنت مجرد حيوان وهابي، زادي لحية كثة وثوب فوق الكعبين.  كنت أقرأ سطور الكراهية والخوف في عيون الناس فاشعر بمزيد من القوة والنفوذ.  وعندما عاد إلي الوعي اكتشفت أني سحقت في داخلي ذاك الفنان المبدع الصغير.  كم أشعر بسلام روحي وبصفاء ذهني بعدما عدت إلى ألواني وفرشاتي ولوحاتي".  إن استشعار المتدينين بالخوف من فقدان ولو جزء يسير من مكاسبهم التي حصدوها خلال السنوات السابقة لحساب الحركة الإصلاحية ذات الإيقاع البطيء والتوفيقي يكاد يفسر لماذا يحتج المتدينون على قرارات الحكومة ولماذا يقفون في وجه التغيير مهما بدا بسيطاً ورمزياً.  إن التعبير عن مقاومة التغيير والإصلاح لديهم لا ينزلق إلى مستويات العنف المسلح كما انتهت إليه التنظيمات الأصولية المتطرفة ولكنه أسلوب حشوي وإنشائي يقوم على العزف على أوتار دينية يكفي اللعب عليها لتجييش وتأليب البسطاء ممن تربوا لسنوات على مفردات خطاب قطعي يطرح نفسه دوماً على أنه الوحيد الذي يمسك بناصية الحقيقة المطلقة.

 

ـ 3 ـ

إذا كانت جماعات الإسلام السياسي تلوح وبدهاء بشعارها التليد (الإسلام هو الحل) لاستمالة الأتباع وحصد الأصوات، فإن التيار الديني هنا يرفع شعار (الثوابت) للحفاظ على مكاسبه ولتخويف العامة من شر مستطير يتربص بالعباد والبلاد جراء الاقتراب من حمى الثوابت.  الثوابت التي يرفعها التيار الديني على أسنة رماحه تشبه قميص عثمان الملطخ بدماء الشريعة التي سفكها أعداء الدين من الليبراليين والعلمانيين كما يتباكى المتدينون المتوهمون دوماً أن أولئك الذين لا يشبهونهم ليس لهم من هم سوى إطفاء كلمة الله.  إذا كان من المقبول إعطاء بعض الأعذار لأصحاب شعار (الإسلام هو الحل) بما أن هذا الشعار الفضفاض يشتبك مع قضايا معاصرة تتجاوز حدود العقل الفقهي السابح في عوالم منسية فإننا لا نجد العذر اللائق لذوي شعار (الثوابت) بما أن هذا المفهوم منغلق على مسائل ستاتيكية لا تتغير مع الأيام. اعتقد ـ وهذا اجتهاد مني ـ أن الحد الأدنى للثوابت يتمظهر في الأركان الخمسة للإسلام المتعارف عليها، أما حدها الأعلى فيزيد أو ينقص حسب درجة تدين أو تشدد الشيخ أو الفقيه.  قبل أعوام قليلة طرح موضوع إدخال حصة التربية الرياضية في مدارس البنات ربما لجس نبض الشارع الذي يراهن عليه المتدينون ويتفاخرون بوضعه تحت آباطهم.  وبعد مدة من الزمن، خرج أحد المسئولين في الرئاسة العامة للبنات ليفند هذه الفكرة الشيطانية الخبيثة.  لماذا؟ لإنها ـ وبحسب المسئول ـ تتعارض مع الثوابت التي بنيت عليها المملكة السعودية!  ترى هل لو اعتمدت الحصة الرياضية ستتداعى وحدة البلاد، وسيظهر الفساد في البر والبحر، وستحل لعنة السماء؟!

 ومؤخراً قبل أسبوعين تقريباً، استضافت المذيعة (شذا عمر) من قناة ال بي سي اللبنانية كلا من الدكتور المستنير (محمد آل زلفة) والدكتور الشيخ (النجيمي) للنقاش حول التصرفات الهمجية والمشينة التي قام بها المتدينون أثناء الندوات الفكرية التي عقدت بمدينة الرياض على هامش معرض الكتاب السنوي.  الشيخ النجيمي لم ينفك يجترح الأعذار للشباب الوهابي المتحمس الذي يبدو أنه تم الدفع به من كبار مشايخهم لإفساد هذا العرس الثقافي وإفشاله مادام أنه يتيح لوجوه وأصوات مغايرة لم تتتلمذ على أيدي الموتى من ابن حنبل وابن تيمية وابن عبد الوهاب.  ما الذي حدا بهؤلاء كي يتطاولوا بألسنتهم وأيديهم على بعض المتحدثين، أمثال وزير الإعلام السابق (محمد عبده يماني) والوزير الحالي (إياد مدني)؟  الجواب لدى سماحة الشيخ النجيمي: الغيرة على الثوابت والخوف عليها من أعدائها من الليبراليين!  وحمداً لله أن فضيلته قد منّ علينا بمثال شافٍ ووافٍ على بعض من أسرار الثوابت الخافية علينا إلا على الراسخين في العلم.  يقول سماحته أن هذا الشباب الغيور على دينه قد بلغ به الغضب منتهاه وهم يرون التلفزيون السعودي الرسمي، المفترض به أن يعكس مكانة المملكة وخصوصيتها الدينية، قد خرج عن وقاره في السنوات الأخيرة تحت وزارة الدكتور (إياد مدني) بعدما منح النساء السعوديات فرصة الظهور في برامج التلفزيون!  بدوره حذر آل زلفة من خطورة الإفراط في اللعب على (الثوابت) والتي سيؤدي الزج بها في كل قضية إلى شرخ المجتمع إلى نصفين.  ولم يفت آل زلفة أن يشير إلى أن هؤلاء المتباكين على الثوابت إنما يبكون على ثوابتهم هم التي كسبوها في غفلة من الزمن.

 قبل أن أنهي هذه المقالة، دعني أطرح السؤال التالي:  هل تستطيع (الثوابت) التي زرع شجرتها التيار الديني بين اللحم والعظم، وسقى غرسها من تعبه وسهره أن تقف على قدميها دون أن تتعكز على عصي المتدينين وفتاواهم؟  الجواب تجده في اليافطات السوداء المرفوعة على الجسور تدعو للمجيء إلى محاضرات خصصت لمدح النبي محمد والإشادة بمكارم أخلاقه.  الجواب تلقاه في مهرجان الأناشيد والقصائد التي قيلت والكتب التي طرحت بعد أزمة الرسوم الكاريكاتورية.  لمن توجه كل هذه الأعمال؟  لغير المسلمين؟  لا، إنها لنا نحن المسلمين في السعودية!  أما زالوا في شك بعد؟  أو لم يؤمنوا بعد؟ 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط