هشام محمد / Aug 03, 2008

ذكرت في مقالة سابقة بعنوان  "كيف سيكون الإسلام بلا معجزات" أن حنين الخلف المتدفق للماضي (بما يروج له) من انجازات واحداث وبطولات وابطال، قد أسهم وبلا وعي، في تضخيم رجالات الأمس، وفي رفعهم إلى مصاف أعلى من بقية البشر.  وذكرت أن النبي محمد قد مكث في مكة يدعو أهلها للإسلام حوالي ثلاثة عشر عاماً دون أن تسعفه السماء بمعجزة مادية يدفع بها اعتراضات قومه، ويقلب بها كفرهم إلى إسلام.  إلا أنه بعد وفاته، عكف المؤرخون والرواة والملفقون مع مرور الزمن على تدبيج سيرته وترصيع تاريخه بمعجزات أكثر من أن تحصى.  والطريف أن ما يدعى بالمعجزات قد جرت في يثرب، أي بعد أن صار النبي زعيمها المطاع وسيدها المهاب، مما يثير الشكوك حول جدواها في مثل هذا المكان والزمان.

 

أما من اختارته الصدفة الجغرافية والمفارقة التاريخية بأن يسلم، حباً أو كرهاً، أثناء حياة محمد ولو لم يتشرف بالسلام عليه غير مرة، فقد نال قسطاً من اشعاع النبوة، وحجز موقعاً مرموقاً في التاريخ، وعد صحابياً جليلاً مرضياً عنه.  هذا الصحابي، مهما بدا مغموراً ضائعاً وسط الزحام أو حتى سفاحاً مسلطاً على الرقاب، لا يسوى أحدنا في أيامنا هذه - وإن علا ولامس ذرى المجد - غبار نعليه الشريفتين.  بالمناسبة، بعض الاحصاءات تحلق بتعداد الصحابة إلى مائة ألف وأربعة عشر ألف. والملاحظ هنا أننا لو حذفنا الأصفار الثلاثة، سنحصل على نفس عدد سور القرآن(!).  يا الله! إنها إذاً لمعجزة أخرى... سبحان الله!  وكما الحق الخلف بالنبي آلاف المعجزات، فقد نال أصحابه الكرام وحاملو الراية من بعده القدرة على الاتيان بأفعال عجيبة، وعلى اجتراح معجزات مثيرة، يذوب أمامها قلب الحجر قبل البشر.

 

وعلى ما يبدو، فإن الرواة المسلمين الذين تفتقت خيالاتهم عن معجزات مدهشة، ونسبوها لصحابة النبي، كانوا على اطلاع ما بالأسفار التوراتية المليئة بقصص عجائبية وحكايات غرائبية، صاغها محرر التوراة على مدار أكثر من قرن.  حكايات شعبية تمتزج فيها أهداف ومرامي المحرر التوراتي مع خياله الخصب بقصص وملاحم وآلهة وأبطال الأساطير المصرية والسورية والرافدينية المتفوقة آنذاك.  تلك المرويات سرعان ما تتهاوى أمام أدوات النقد التاريخي ومكتشفات البحث الأركيولوجي.  ومن الواضح أنك لو قمت بإزالة القشرة الرقيقة التي تكسو حكايات الرواة المسلمين عن أبطالهم من الصحابة ستجد روحاً يهودية كامنة تشتعل بداخلها.  الفارق البسيط ما بين الحكاية التوراتية والحكاية الإسلامية: أن الأولى قد فقدت زخمها التاريخي، ودروها السياسي في زحزحة الواقع وتوجيهه بما يلتقي مع أهداف واضعيها، بعد أن طالتها الأسئلة التشكيكية والعقلية الانتقادية التي لا توقفها خطوط حمراء ولا تحدها خرافة أصالة التراث النقية.  أما الحكاية الإسلامية النقية بنقاء سيرة مؤلفيها فتشتبك فوقها سيوف حراس التاريخ المزيفين وصكوك ردة رجال الدين المنتفعين.  والويل... ثم الويل لمن يجرؤ على إحداث ثقب في جدرانها السميكة الممتدة فينا ما بين العقل والقلب.  حكايات ملفقة وبطولات مزعومة لم تصب أبداً بصدأ تاريخي ولم تتسلل إليها تجاعيد النسيان، بل على العكس صارت تتجدد... وتتناسل... وتتألق يوماً وراء يوم كلما اطبق علينا ظلام الأصولية، وانهارت مشاريعنا الحضارية، وانتهينا إلى أفق مسدود.

 

دعني انتخب لك من كتاب "الصحابة والمجتمع: السفر الثالث" للشيخ المستنير المرحوم / خليل عبدالكريم خمس معجزات فقط لا غير من مئات، أو ربما، الآف الحكايات السحرية المنثورة على صدر صفحات تراثنا المجيد.  وإذا تاقت نفسك للمزيد، فما عليك إلا ان تكتب "معجزات الصحابة" في محرك البحث المذهل "غوغل" ليطير بك في غمضة عين إلى الوراء البعيد، وتحديداُ إلى خير القرون، وإلى خير الأرض، وإلى خير البشر، لتعيش مع الصحب الكريم لحظات من الدهشة والاثارة والاعجاب المغلفة بطبقة سميكة من الإيمان!

 

الحكاية الأولى: أخرج ابن سعد والبيهقي عن ثابت البناني قال: جاء قيم أنس بن مالك في أرض فقال: عطشت أرضك فصلى ثم دعا فثارت سحابة فجاءت وغشيت أرضه ومطرت حتى ملأت صهريجه وذلك في الصيف فأرسل بعض أهله فقال: انظروا أين بلغت؟ فإذا هي لم تعد (تتجاوز) أرضه.

يعلق الشيخ خليل عبدالكريم على هذه الحكاية الطريفة المدونة في أكثر من مصدر تاريخي معتمد بالقول: "... فبدلاً من أن يأمره بحفر آبار أو نقل ماء إليها من غدير قريب الخ... يتجه إلى السماء ويدعو فتستجيب على الفور لا على التراخي وتأمر سحابة فتمطر على أرضه لا تتجاوزها إلى غيرها فهي سحابة بالمقاس، ولا أدري لماذا لم يشرك أنس جيرته في الدعاء لكي تمطر السحابة على أراضيهم التي لا بد أنها كانت شرقة مثل أرضه. ولعل مسلك أنس بن مالك في الالتجاء إلى السماء وغيره من الصحاب هو الجذر التاريخي للتواكلية وتفويض الأمر إلى السماء في حل مشاكلنا في التافة والمهم من أمور حياتنا...".

 

الحكاية الثانية: أخرج أبو نعيم عن عمير الصائدي قال: اقتحم الناس في دجلة اقترنوا فكان سلمان قرين سعد إلى جانبه يسايره في الماء، قال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم والماء يطمو (يفيض) بهم وما يزال فرس يستوي قائماً إذا أعيى تنشر له تلعة (مكان مرتفع) فيستريح عليها كأنه على الأرض فلم يكن بالمدائن أعجب من ذلك ولذلك يدعى (يوم الجراثيم) لا يعي إلا نشرت له جرثومة (مكان مرتفع من تراب أو طين) يستريح عليها.

يعلق الشيخ عبدالكريم على هذه الحاثة العجيبة بقوله: "مجال آخر لخرق السنن الطبيعية وهو تعطيل خاصية غرق الأشخاص أو الأشياء في الماء وتحويل الأنهار العميقة الغور إلى ممرات ذات ماء وشل (قليل) لا يبل إلا بواطن أقدامهم أو بواطن أخفاف إبلهم أو حوافر خيولهم المباركة".  وأضيف إلى ما قاله شيخنا الكبير أن من صاغ هذه الحكاية غالباً ما كان مبهوراً بأسطورة عصا موسى التي فلقت البحر إلى نصفين لينجي قومه من بني اسرائيل من بطش فرعون الساعي ورائهم بجنده.

 

الحكاية الثالثة: فتح عمر بن العاص مصر سنة عشرين من الهجرة فتأخر فيضان النيل عن موعده حتى مسرى (توافق أغسطس) حتى هم أهلها بالجلاء فلما رأى ذلك كتب إلى عمر بن الخطاب (رض) فكتب إليه عمر...قد بعثت إليك ببطاقة فألقها في داخل النيل إذا أتاك كتابي فلما قدم الكتاب على عمرو وفتح البطاقة فإذا فيها: (من عبدالله أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر – أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الواحد القهار يجريك فنسأل الواحد القهار أن يجريك، فألقى عمرو بالبطاقة في النيل وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها لأنهم لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل فأصبحوا يوم الصليب (يوافق 19 مارس من كل عام) وقد أجراه الله ستة عشر ذراعاً وقطع تلك السنة السوء عن أهل مصر.

 

هكذا وبكل بساطة، بضع كلمات عمرية تفجر الماء في عروق النهر العظيم، وتخضر خدود مصر الشاحبة، قبل أن يهجرها أهلها إلى بلاد الله الواسعة (!) اتساءل لماذا لم يكتب عمر شيئاً كهذا قبل أربعة أعوام، وتحديداً عام الرمادة، حينا هلك الزرع والضرع، وأصاب الناس مجاعة.  أما كان من الأولى أن يكتب عمر عبارة كتلك، ويقذفها في وجه الريح الرمادية، لعل الله يرفع الضر عن عباده؟  أما كيف انتهت فصول عام الرمادة؟ فلا بد لهذا العقل المسحور من معجزة، وإن طال الانتظار.  تذكر المصادر التاريخية أن عمر استسقى بالعباس بن عبدالمطلب (عم النبي).  وتذكر المصادر ذاتها أن العباس ما أن فرغ من دعائه حتى أرخت السماء عزاليها، فجاءت بأمثال الجبال حتى استوت الحفر بالآكام، وأخصبت الأرض، وعاش الناس.  غريب (!) بينما ينجح عمر - وما أدراك ما عمر – في انقاذ مصر من الكارثة، نراه هنا يستنجد بعم النبي لانقاذ يثرب.  هل يوحي هذا بتراتبية هرمية في الدعاء عند التعاطي مع الأزمات الطبيعية؟  ثم ، أين كان العباس كل هذا الوقت؟ هل كان بحاجة لتوسلات أمير المؤمنين ليسوق الغيوم الملبدة بالمطر إلى يثرب المشرفة على الهلاك؟

 

الحكاية الرابعة: عن عروة الأعمى – مولى ابن سعد قال: ركب أبو ريحانة البحر وكانت له صحف وكان يخيط فسقطت إبرته في البحر فقال عزمت عليك يا رب ألا رددت علي إبرتي فظهرت حتى أخذها.

كسر قوانين الفيزياء لا يدهشني مادام أن الأمر متعلق بصحابي.  إنما المدهش أن تجد صحابي يخط في مجتمع يأنف من الكتابة، ويعلي من قدر الثقافة الشفهية، وينظر بعين الخوف والتشكيك لما تحويه الكتب من أفكار ماعدا القرآن طبعاً. وإذا لم تصدق فارجع إلى كتاب "حرق الكتب في التراث العربي" لناصر الحزيمي.  شخصياً، اعتقد أن عروة هذا لم يملك الخيال الكافي (إذا قبلنا أنه صاحب الطرفة هذه).  ولو كنت مكانه، لقلت التالي: فأصاب أبو ريحانة كدر وهم شديدان، فدعا ربه ثلاثاً فلم يستجب لدعائه.  ثم أن الجوع نال منه، فرمى بشباكه في البحر بعد أن ذكر اسم المولى وسمى. وما هي إلا ساعة حتى قعت سمكة في شبكته، فرفع أبو ريحانه شبكته، واخرج السمكة منها، وشق بطنها فوجد فيها إبرته قد ردت إليه. فخر أبو ريحانه ساجداً لله، وحمده وشكره كثيراً.

 

الحكاية الخامسة: بعث سعد بن أبي وقاص إلى أسفل الفرات عاصم بن عمرو فسار حتى أتى ميسان فطلب غنماً وبقراً فلم يقدر عليها وتحصن منه في الأقدان ووغلوا في الآجام ووغل حتى أصاب رجلاً على طف أجمة فسأله واستدله على البقر والغنم فحلف له وقال: لا أعلم وإذا هو راعي ما في تلك الأجمة فصاح منها ثور كذب والله ها نحن أولاء فدخل واستاق الثيران وأتى بها العسكر فقسم ذلك سعد على الناس فأخصبوا أياماً.

هذا ليس بفيلم كارتون، وإنما معجزة من السماء. لا يبدو هنا أن أهل البلاد المفتوحة (!) فقط من كان يتحرق شوقاً لساعة الخلاص من المحتل الفارسي والبيزنطي وعلى يد رعاة الإبل الحفاة القادمين من صحراء العرب، بل حتى الأبقار والأغنام والدجاج هي الأخرى كانت تترقب ميلاد شمس الحرية التي يحملها لهم الفاتحون العرب على رؤوس الرماح. 

ثور يتكلم! ترى ماذا لو جاءت هذه الحكاية في التراث اليهودي أو المسيحي أو الهندوسي؟  كم ستكون سعة ابتسامتك، وأنت تردد بسخرية وتَعالٍ: الحمد لله على نعمة العقل والدين.  قصص مثل هذه وأكثر تفيض بها جنبات تراثنا الديني المعطر، وويمتليء بها تاريخنا المسطر، ولا أحد يجرؤ على الكلام خوفاً من الخطر.  ما الحكمة بالله عليكم من الابقاء على قصص كهذه تصطدم مع العقل والذوق السليم، وتطيل الوقوف على أبواب السماء بلا أمل، وتكرس عبادة السلف.... أجيبوني لعلكم ترحمون!       

     

 

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط