فتوى التماثيل كنموذج
جوزيف بشارة / Dec 04, 2006

تتواصل ردود الأفعال على فتوى تحريم التماثيل الفنية التي أصدرها الشيخ علي جمعة مفتي مصر قبل أسابيع. بنى الشيخ جمعة فتواه على حديث نبوي أورده البخاري ومسلم ذكر أن "الملائكة لا تدخل بيتا به كلاب أو صور". لم تكد تمر أيام قلائل حتى حاول المفتي التخفيف من وطأة الفتوى على المجتمع المصري، الذي يجني نحو ثلث دخله القومي من السياحة الأجنبية القائمة على الآثار والتماثيل والفنون الفرعونية القديمة، إذ أعرب عن إمكانية الابقاء علي القديم من التماثيل ولكن مع عدم جواز انشاء تماثيل أخري جديدة. من جانبهم أعرب المثقفون عن دهشتهم وسخطهم من الفتوى، ونقلت شبكة ال  خبار العربية عن المفكر المعروف محمود أمين العالم وصفه للفتوى بأنها "تندرج في ثقافة الجاهلية"، بينما شدد وزير الثقافة المصري الفنان التشكيلي فاروق حسني على أن التماثيل هي صور مجسمة وإذا تم تحريمها فأن ذلك قد ينسحب على الصور وكافة أشكال ومفردات الفن وعلى الصور التي تنشرها الصحف والمجلات للشخصيات وغيرها. على الرغم من أن الحديث النبوي يشير صراحة إلى عدم الإحتفاظ بالتماثيل والكلاب في البيوت، إلا أن فتوى الشيخ علي جمعة الجديدة إمتدت لتشمل التماثيل الموجودة بالبيت الكبير، مصر، ومن ثم شوارعها وميادينها ومتاحفها، فأصبح وجود التماثيل الفنية وال  أثرية وتلك الخاصة بالزعماء منكراً يتوجب التخلص منه لأنه يمنع الملائكة من دخول مصر.

 

قد يستخلص المتطرفون من الفتوى أن غياب الملائكة عن البيت المصري الكبير وانتشار الجان والشر والفقر والقهر والهم والغم والظلم يعود إلى انتشار التماثيل والكلاب الضالة في شوارع مصر. من ثم فلن يدهشنا قيام احد المتطرفين برفع دعوى أمام القضاء لإزالة التماثيل من الميادين العامة تنفيذاً لفتوى الشيخ جمعة الجديدة! ولن تفاجئنا مبادرة أحد هؤلاء بمحاولة تنفيذ الفتوى بالقوة، فتغيير المنكر بالقوة أصبح من شيم الكثيرين في السنوات الأخيرة! وحيث أن الفتوى تشير أيضاً إلى تحريم تربية الكلاب في البيوت، فلن تدهشنا حملة تطالب بقتل وإعدام الكلاب الأليفة حتى تعود الملائكة إلى البيت المصري الكبير! ولن يضحكنا اقتراح من أحد المتشددين - من أصحاب القلوب الرحيمة – بتزويد الكلاب بعوازل طبية أوحبوب منع الحمل لضمان عدم تكاثرها طبقاً للفتوى الجديدة التي أجازت الإبقاء على القديم مع عدم جواز إنتاج المزيد! وكذلك لن يحبطنا طلب إحاطة لوزير الداخلية المصري بسبب عدم قيام الوزارة بدورهاالمفترض في إزالة التماثيل ومنع البعض بالقوة الإلزامية من اقتناء الكلاب في بيوتهم!

 

إن فتوى تحريم التماثيل تأتي في إطار الوسواس الديني الذي يدفع المرء عادة إلى  اتخاذ الدين محوراً وحيداً تدور في فلكه وتنبع منه كافة اللوائح والشرائع والقوانين التي تنظم أموره الحياتية. يدفع الوسواس الديني المتطرفين إلى تقديس حرفية النصوص، وغض النظر عن روحها، رغبة في الكمال الفرائضي وخشية النقوص الديني، وهو الأمر يحتم اللجوء لاستئصال النصوص من ظروفها الزمنية والتاريخية والسياسية والإجتماعية بغرض مد صلاحيتها لتشمل كافة العصور والأزمنة والظروف. ومن هنا تصبح النصوص الذي جاءت أو قيلت في ظروف معينة قبل مئات السنين قابلة وواجبة التنفيذ - دون ت  كير أو مراجعة أو تمحيص - في كل العصور، رغم اختلاف الظروف. فالوسواس الديني يتعامل مع قوالب جامدة لا مع أناس تتغير وتختلف سلوكياتهم بحسب أزمانهم التاريخية ومواقعهم الجغرافية وأوضاع معيشتهم السياسية والإجتماعية والإقتصادية وغيرها من الأمور التي تسهم في تشكيل شخصية الإنسان.

 

لقد جاء مولد الإسلام حين كانت عبادة الأوثان والأصنام والكواكب والنجوم تسود في معظم أرجاء الجزيرة العربية، ومن ثم فربما لجأ المسلمون الأوائل إلى منع التماثيل مرحلياً بغرض قطع علاقتهم بالماضي الوثني، وبهدف تمييز هوية العقيدة التوحيدية الوليدة عن غيرها من العقائد الوثنية السائدة عندئذ. لقد اندثرت عبادة الأوثان من مصر منذ قرون طويلة حتى من قبل أن يدخل الإسلام مصر، فلم يعد للتماثيل من أهمية سوى التاريخية والتراثية والفنية منها. لا أظن أن الشيخ جمعة يرى بعينيه ممارسة عبادة الأوثان في شوارع مصر وميادينها حتى يفتي بتحريم التماثيل المتناثرة في شوارع وميادين المدن المصرية، فما أعرفه عن المصريين أنهم من أكثر الناس تديناً والتزاماً في محيطنا العربي والإسلامي. لم يصل لمسامعي أن المصريين يخرون ساجدين أمام تمثال أبو الهول العملاق، أو أن الوفديين يركعون أمام تمثال زعيمهم سعد زغلول، أو أن الناصريين يقدمون القرابين لتمثال ملهمهم جمال عبد الناصر. الخوف إذن ينتفي من حدوث ردة عن العقيدة.

 

فتوى تحريم التماثيل ليست الأولى من نوعها التي تتعاطى مع قضايا الحياة من منظور ضيق. قراءة متأنية للعديد من الفتاوى والأحكام الدينية المتشددة التي تصدر هنا وهناك توضح أن بعض رجال الفتوى قد أصبحوا أسرى تسلط الوسواس الديني الذي يلغي العقل ويقيد الفكر ويعقد الحياة. أسفر هذا الأسر عن تحول هؤلاء الرجال إلى التشدد، وتبنيهم فكراً تحريمياً يتمسك بالماضي ويرفض مظاهر التقدم والرقي، فاحتجزوا البشرية سجينة لرؤاهم المتشددة، وسطروا لها خطوط الحياة بين حلالهم وحرامهم، وحشروها بين حقهم وباطلهم.  ومن ثم كان طبيعياً أن تنتفي الوسطية في فهم أمور الدين، وأن تستبدل التسامح بالكراهية، وأن تصبح الإنسانية وحضاراتها وتراثها وفنونها شهداء نفوذ وجبروت قوى التطرف.

 

الغريب في الأمر أن الحكومة المصرية لم تبد اكتراثاً بالفتوى وأثارها التى قد تكون مدمرة على الإقتصاد المصري، اللهم باستثناء وزير الثقافة الذي رفضها كفنان لا كوزير مسئول، فلم يخرج أي مسئول تنفيذي أو شعبي ليطمئن الشعب المصري، وبخاصة العاملين بالسياحة، بعدم تطبيق الفتوى. موقف الحكومة المصرية جاء - كالعادة - في إطار المزايدة على الدين وشئونه التي تمارسها هي ومعظم الحكومات العربية مع المتشددين. الحكومة المصرية لم ترفض الفتوى علناً لأنها بالطبع لم ترد الظهور بمظهر المخالف للشرع والفتاوى الدينية، ولكنها ربما أبدت – سرياً - عدم ارتياحها للمفتي، و  ربما مارست ضغوطاً عليه خلف الأبواب المغلقة للتخفيف من الفتوى، وهو ما يفسر تراجع المفتي عن تحريم ما هو موجود بالفعل من تماثيل.

 

لا أعتقد أن الشيخ علي جمعة كان يجهل التأثير السلبي لفتواه على الحضارة الإنسانية وتطور شعوبنا. لقد كان ينبغي على المفتي أن يفكر في أحوال عشرات الألوف من العائلات التي تعتمد في دخولها على السياحة. الفتوى قد تحيل حياة هؤلاء ليس فقط إلى عذاب البطالة ولكن أيضاً إلى جحيم التردد بين الحلال والحرام. كان ينبغي على المفتي أن يفكر في مصير التراث الحضاري الفرعوني الذي يدهش العالم بعبقريته التي يندر أن يتوافر له مثيل في العالم. كذلك كان ينبغي على الشيخ جمعة أن يفتي بشأن قضايا تقود شعوبنا سنوات إلى الأمام بدلاً من الإفتاء بقضية تعود بهم قروناً إلى الوراء.

 

 

كانت مبادئ الإنفتاح والتنوير والتيسير من أهم الرسائل التعليمية التي حملها رجال الدين المستنيرين في الماضي مثل الإمام محمد عبده والشيخ علي عبد الرازق. ولكن الأمور انقلبت رأساً على عقب في السنوات الأخيرة، فتفرغ بعض رجال الفتوى لإصدار أحكام تعد بجد ممارسة فعلية للإنغلاق والتظليم والتعقيد، فأصبح الفن الجميل وحتى الحيوانات الأليفة ضحايا جدد للتشدد في فهم وتفسير النصوص. إن خطورة فتوى تحريم التماثيل تنبع من أن أثرها سيمتد ليشمل نواح أخرى من مظاهر الحياة  كوضع الزهور أمام النصب التذكارية للجندي المجهول باعتبار النصب تماثيلاُ وأن وضع الزهور أم  مها سلوكاً وثنياً مشيناً. إن القبول بهذه الفتوى يعني أن التحريم لن يقتصر على الفنون المجسمة فقط، ولكنه سيمتد إلى أنواع أخرى من الفنون التشكيلية التي يرى البعض مخالفتها لتعاليم الدين، فقليل من التشدد سيقود إلى مزيد ومزيد من التطرف. إنه الوسواس الديني الذي يقود الفكر التحريمي في مجتمعاتنا المغلوب على أمرها...

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط