بسام درويش / May 01, 2001

ربع قرن من الزمن تقريباً مضى على مغادرتي ما كنت أدعوه ذات يوم وطناً. ولكن، وإذ لا زال لي فيه أهل وأصدقاء، فإنني لم أنقطع عن تتبع أخباره، وخاصة تلك التي تتعلق بمجريات الأحداث السياسية والأمنية. والآن وفي عصر الإنترنيت التي قرّبت المسافات وسهّلت الاتصالات بشكل مذهل، فقد أصبحَتْ أخباره في متناول اليد ساعة أشاء، وصار بإمكاني أن أقرأ صحيفة تشرين أو الثورة أو البعث بين أسبوع وآخر أو ربما بين شهر وآخر مع فنجان قهوة صباحي أو مسائي. أقول بين أسبوع وآخر أو بين شهر وآخر، لأنني بالحقيقة لم أجد نفسي في يوم من الأيام قلقاً لعدم تمكني من الإطلاع على هذه الصحف كل يوم، لا الآن وأنا حيث أنا في وطني الجديد، ولا في ذلك الزمن شبه الغابر حين كنت أعيش في ذلك الوطن. فالأخبار التي تنشرها صحفنا هناك هي نفسها تقريباً لا جديد فيها.

 

على أي حال، سواء اطلعت على تلك الصحف مرة كل يوم أو مرة كل أسبوع أو كل شهر، فإن صفحة واحدة منها، أو زاوية من زواياها، لم أعرها هنا أي اهتمامٍ، وهذه الصفحة هي صفحة المحليات. فما حاجتي في الحقيقة إلى أن أعرف من سُرق محلّه في دمشق أو مَن صدم سيارته بسيارة مَن وهو في طريقه إلى عمله، أو من سقط من مؤخرة الباص وهو "يتعمشق" عليه، أو من سقط في حفرة من حفر أمانة العاصمة، أو من اشتكى على من أو من ربح الدعوى أو خسرها وغير ذلك من الأمور.

 

يوم أمس كان يوماً استثنائياً، إذ لا أعرف ماذا دفعني لأن أضغط على زر صفحة المحليات، فكان أول ما لفت نظري هو تعليق لمحرر الصفحة والذي كان على ما يبدو رداً على شكوى من أحد المواطنين تتعلق بأوضاع التموين. وهذا هو نص التعليق كما جاء بحروفه ونقاطه:

 

رز.. في.. ســكّر.. ما في..

 

دمشق‏، صحيفة تشرين‏، محليات، السبت 5 أيار 2001

يصدم المواطنون ويصيبهم الإحباط واليأس لدى مراجعتهم مراكز بيع المؤسسات الاستهلاكية لاستلام مخصصاتهم من المواد المقننة بأجوبة العاملين فيها " رز في ..سكر ما في "، وراجعنا يومياً وباستمرار لأننا لا نعلم متى ترد إلينا مادة السكر وليس هناك من برنامج زمني محدد لوصولها إلينا.‏

يا ترى.. أليس للمواطن من عمل سوى التجوال والبحث طيلة أيام الشهر بين المؤسسات الاستهلاكية للعثور على مؤسسة يستلم منها حصته من المواد التموينية المقننة التي باتت لا تسمن ولا تغني من جوع لضآلة كميتها وخاصة لدى العائلات الكثيرة العدد.

نتمنى على المسؤولين عن تمويننا أن يقوموا بجولات ميدانية على هذه المؤسسات ليطلعوا عن كثب على هذه المأساة الاجتماعية ومعالجة هذه الحالة لتخليص المواطن من معاناة باتت تؤرقه.‏

**************

قبل أن أغادر الوطن بسبعة عشر سنة، أي منذ أن اغتصب حزب البعث العربي الاشتراكي الحكم عن طريق انقلاب عسكري، بدأ شعبنا صراعه اليومي لتأمين لقمة العيش. صحيح أن الأمة قد مرت بظروف سيئة من قبل، ولكن الفساد وسوء الحكم لم يكن في يوم من الأيام على الشكل الذي آل إليه زمن هذا الحزب السيئ الذكر.

 

منذ ذلك الحين، أخذ الناس يتعلمون كيف يتعايشون مع الأزمة تلو الأزمة. كذلك أخذوا يتعلمون كيف يتعاملون معها، فإذا تطلب الأمر صراعاً صارعوا وإذا تطلب الأمر مساومة ساوموا. ولكن دائرة الأزمات توسعت فلم تعد تشمل السكر والأرز والبيض والغاز والإسمنت أو الزيت والصابون وورق التواليت أو حتى دفاتر الورق المدرسية بل أنها تعدّت ذلك لتصبح أزمة ثقافة وعلم وأخلاق، لا بل أيضاً أزمة عدالة!  

 

تركت الوطن آسفاً وغير آسف. تركته آسفاً لأنني تركت ما كان ملكاً لي لا حق لعصابة من العصابات أن تدفعني بعيداً عنه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وتركته غير آسف لا لأنني تعبت من صراعي اليومي للحصول على السكر والأرز، بل لأنني توصّلت أخيراً إلى قناعة بأنه لم يعد بالنسبة لي وطناً. فالوطن ليس خبزاً، وليس أرزاً وسـكّراً وزيتاً وزيتوناً، رغم ما لهذه من أهمية في حياة الناس. الوطن مكان يمارس الإنسان فيه حقوق المواطنة بحرية كاملة وكرامة مصانة. وحين يستطيع الإنسان أن يمارس مواطنيته بحرية ودون خوف، فآنذاك يصبح للخبز والزيت والسكّر والأرز من الثانويات. آنذاك يصبح لهذه المواد طعم آخر. تصبح لقمة يبتلعها الإنسان مستلذاً بطعمها وليس لقمة مغموسة بالدم والعرق أو لقمة تفوح منها رائحة الفساد والغش والبرطيل والاستجداء. وبعبارة أخرى، تصبح اللقمة لقمة كريمة.

 

تركت ذاك الذي كنت أدعوه وطناً مصمماً على عدم العودة إليه ولكني بعد إحدى عشر سنة أخرى وجدت نفسي مضطراً إلى زيارته لأسباب عائلية. إحدى عشر سنة عدت بعدها لأجد الناس لا زالوا يتدافعون على أبواب المؤسسات الحكومية من أجل لقمة العيش. "هذا يوم فيه أرز.. وذاك يوم ليس فيه لا سكر ولا أرز.." ولا أبالغ أبداً إن قلت أني رأيت الوضع أسوأ بدرجات مما كان عليه من قبل.

 

غادرت البلاد للمرة الثانية بعد انتهاء زيارتي والأسى يعمر قلبي. عدت إلى وطني حيث بيتي وعملي وعائلتي وحريتي وكرامتي وحقوقي، وبقيت أتتبع أخبار البلاد حيث لا زال لي فيها، كما سبق وذكرت، أهل وأصدقاء. وهاأنذا الآن بعد إحدى عشر سنة أخرى، أطالع صحيفة تشرين لأقرأ في صفحة محلياتها تعليقاً لمحررها بعنوان: "رز.. في.. سـكّر.. ما في.."

 

تسعة وثلاثون سنة، يا عالم ويا ناس، ولا زال محرر صفحة المحليات يندب السكر والأرز!

تسعة وثلاثون سنة ولا زال محررنا يتمنى على المسؤولين أن يقوموا بجولات تموينية وأن يطلعوه بعد إتمام جولتهم على النتائج!.. وكما يقول المثل العامي: "عيش يا كديش ليطلع الحشيش!"

ربما الذي يتمنى اليوم هو ابن محررنا الذي كان يعمل في الصحيفة قبل تسعة وثلاثين سنة وقد ورث عن أبيه هذه القدرة الهائلة على متابعة التمنّي!

تسعة وثلاثون سنة ولا زالت "هذه المعاناة تؤرق المواطن". ويا له من مسكين هذا المواطن الذي قضى تسعة وثلاثين سنة لم يشبع النوم خلالها بسبب السكر والأرز! 

 

هنا لا بدّ أن استدرك فأقول، إنَّ الأخبار ليست كلها على هذا المقدار من السوء!

الأخبار المحلية لم تكن كلها عن السكر والأرز، إذ كان هناك أخبار أخرى مُسرةً في هذه الصحف نفسها.

لقد قرأت أن حكومة بشار الأسد قد سمحت باستيراد السيارات وبالتلفونات المحمولة اللاسلكية وأيضاً بالإنترنيت..

صحيح أن الحكومة لم تحل أزمة السكر والأرز والزيت والصابون، ولكنها في سماحها بتلك الأمور مدت يد العون للمواطنين بإعطائهم الأجهزة اللازمة التي تساعدهم على التعايش مع الأزمة. لقد أصبح بإمكان المواطن أن يشتري سيارة ليذهب بها إلى المؤسسة الحكومية، وإذا لم يجد فيها ما كان يبحث عنه، فقد أصبح بإمكانه أن ينطلق بسرعة إلى مؤسسة أخرى في مكان آخر من المدينة ومن ثم إلى مؤسسة أخرى وأخرى. وطبعاً، فإن السماح باستيراد السيارات الآن، يعني أن بإمكان كل فرد من أفراد العائلة أن يحصل على سيارة. وبما أن الحكومة قد سمحت أيضاً بأجهزة التلفونات اللاسلكية، فهذا يعني أن عملية البحث عن السكر والأرز أصبحت أسهل بدرجات.. إذ يمكن الآن لكل فرد من أفراد العائلة أن يذهب بسيارته إلى مؤسسة حكومية وحين يجد أحدهم ما يبحث عنه فإنه يقوم بالاتصال مع أفراد العائلة الآخرين ويهتف فيهم هتاف العالم اليوناني أرخميدس: "يوريكــا.. يوريكــا!.. أي: وجدتهــا.. وجدتهــا!.." فتتوقف بذلك عمليات البحث عن السكّر والأرز ويعود الجميع إلى قواعدهم سالمين.

لكن، وإذ أن وجود هذه المواد لا زال من الأمور الصعبة حسب ما تؤكده لنا صحيفة تشرين، فقد سمحت الحكومة الرشيدة بدخول الإنترنيت إلى البيوت، وهكذا لم يعد المواطن بحاجة إلى الكتابة إلى صحيفة تشرين أو الثورة ليشكو ويتذمر، إذ أصبح بإمكان كل مواطن أن يطلع بصفحته الإلكترونية الخاصة ويتذمّر ما شاء له أن يتذمّر وأن يعبّر عن تذمّره بالأحرف الملونة والمتحركة أيضاً: "رز.. في.. ســكّر.. ما في.." ولكن طبعاً بعد عرض محتويات الصفحة على قسم الرقابة في وزارة الإعلام! 

ألا عاشت الثورة ورجالها الأبطال وعاشت كل الأدمغة الاقتصادية عماد حزبنا القائد!

         

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط