بسام درويش / Dec 07, 2006

تحت عنوان، "إسلامي مصري يتعهد باستقبال زكريا بطرس في مصر وتوصيله لبيته" نشرت "العربية" حوارا مع "أبو اسلام أحمد عبد الله" رئيس الأكاديمية الاسلامية لدراسة الأديان والمذاهب تناول فيه النقاط التي أثارها القمص المصري زكريا بطرس في حواره مع "العربية" يوم الثلاثاء 28 – 11 – 2006.

 

قال أبو اسلام: "أُطمئن القمص زكريا بأن يعود، أهلا وسهلا به، واتعهد بأن أكون في استقباله، وإن أصابه سوء، فليصبني معه، وشرطنا أن لا يؤذينا في ديننا ولا في أعراضنا ولا في أخلاقنا."... وتابع: "لا يجب أن يعلق اهاناته الاسلام والمسلمين على شماعة أمن الدولة في مصر، فأنا لا اظن أن له قيمة عندهم أو يشعرون به على الاطلاق، لكنه يستفز المسلمين مما أعطى حقا للمسلمين أمثالي أن يتعدوا كما تعدى لأننا مضطرون للرد، فهو عندما يطعن  قرآني فلابد من الدفاع عن النفس وهذا حق مكفول في كل قوانين العالم."

**************

يتعهّد أبو اسلام للقمص زكريا بأن سوءاً لن يمسّه إذا عاد إلى مصر.. لكنْ.. بشرط!!

والشرط هو أن لا يؤذي زكريا المسلمين في دينهم ولا في أعراضهم ولا في أخلاقهم!..

وإلى الذين لم يفهموا ما يقصده أبو إسلام هذا بشرطه، فإن عليهم العودة معنا للاطلاع على ما يُسمّى بالعهدة العمرية، وهي العهدة التي طالب فيها عمر المسيحيين أن يقطعوا شروطاً على أنفسهم إذا أرادوا الأمان من المسلمين الغزاة.

*************

مما جاء في كتاب سراج الملوك لمحمد بن الوليد الطرطوشي في أحكام أهل الذمة:

روى عبد الرحمن بن غنم، قال:

"كُتِبَ لعمر بن الخطاب حين صالح نصارى أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدايننا ولا حولها ديراً ولا كنيسة ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب منها ولا ما كان فيها في خطط المسلمين في ليل أو نهار وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاث ليال. ولا نأوي في كنايسنا ولا منازلنا جاسوساً ولا نكتم غشاً للمسلمين. ولا نعلِّمُ أولادنا القرآن ولا نظهر شرعنا ولا ندعو إليه أحداً ولا نمنع أحداً من ذوي قرابتنا الدخول في دين الإسلام إن أراد. وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس. ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين. ولا نتكنى بكناهم ولا نركب بالسروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله معنا، ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمور وأن نجز مقادم رؤوسنا ونلزم زينا حيث ما كنا وأن نشد الزنانير على أوساطنا وأن لا نظهر صلباننا وكتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنايسنا إلا ضرباً خفيفاً ولا نرفع أصواتنا في كنايسنا في شيء من حضرة المسلمين ولا نخرج شعانينا ولا باعوثنا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نجاورهم بموتانا ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين ولا نطلع على منازلهم."

فلما أتيتُ عمر بالكتاب زاد فيه: "ولا نضرب أحداً من المسلمين شرطنا ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان فإن نحن خالفنا عن شيء مما شرطنا لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق."

فكتب إليه عمر: امضِ ما سألوه والحق به حرفين اشترطهما عليهم مع ما شرطوه على أنفسهم: "ولا يشتروا شيئاً من سبايا المسلمين، ومن ضرب مسلماً عمداً فقد خلع عهده.".. ..  

*************

ما يشترطه أبو إسلام على القمص زكريا هو بالضبط ما تضمنته عهدة الذل هذه!..  

لكنْ، هناك في شرط صاحبنا "ابو إسلام" هذا، أمرٌ، اقرّ بأنني عاجزٌ عن فهمه!

إنه يشترط على القمص أن لا يؤذيه في دينه وفي أخلاقه، وهذا أمر أفهمه، إذ أن أية كلمة يقولها إنسان يعرّي فيها هذا الدين القذر والأخلاق القذرة التي يعلمها، سوف يرى فيها المسلمون إيذاء لهم، كأن يُقال ـ على سبيل المثال ـ للأعور أنه أعور. الأعور يعرف أنه أعور ولكن أنْ يشير أحدٌ ما إلى عَوَرِهِ ويسميه بالأعور فإنه لمن الطبيعي أن يشعر بالتأذي. ما عجزت عن فهمه هو ما يشترطه "أبو إسلام" على القمص بأن لا يؤذي المسلمين في أعراضهم، وأنا لعمري لا أدري ماذا يعني بذلك!  

 

ليس هناك كالشعب العربي بين شعوب العالم من يتمتع بهذه القدرة الببغائية (وليس البلاغية) على ترديد العبارات الفارغة والتي إن أعملوا رؤوسهم فإنهم لن يجدوا هم أنفسهم معنىً لها.  هذه الجعجعة لا يتميز بها إلا العرب. كيف لا، وكتبهم الدينية التي تسيطر على عقولهم وحياتهم ـ بدءاً بالقرآن ومرورا بالحديث والسيرة وانتهاء بآخر كتاب يصدر عن "مفكّر" مسلم ـ  تزخر بما هب ودب من هذا الكلام الفارغ (يعني: العِلاك الصدِئ، وهو موضوع سنفرد له في المستقبل حديثاًً خاصاً)

إنَّ من يقرأ أو يسمع ما يقوله هذا الرجل لَيَعتقدُ أن القمص قد قال أو فعل شيئا مسيئاً لـ "أعراض" المسلمين.

 

أهي تعاليم القمص التي تقول له إنّ استباحة أعراض الناس أمرٌ حلال، أم انها تعاليم محمد التي تشجّع على سبي نساء الآخرين واغتصابهن؟!.. 

**********

يقول أبو إسلام، إنّ القمص "يستفز المسلمين مما أعطى حقا للمسلمين أمثالي أن يتعدوا كما تعدى لأننا مضطرون للرد، فهو عندما يطعن  قرآني فلا بد من الدفاع عن النفس وهذا حق مكفول في كل قوانين العالم."

 

هنا أيضاً يتحاشى أبو إسلام تفصيل "استراتيجيته" في الرد على ما يسميه بـ "اعتداء" القمص.

تعالوا نفترض أن ما يدّعيه "ابو إسلام" ـ بأن القمّص يعتدي على المسلمين ـ هو كلامٌ سليم!.. ودعونا نتجاهل كل ما يزخر به القرآن وكتب أبو إسلام الأخرى من اعتداءات صارخة على البشر جميعاً.

دعونا نتجاهل نعيق الأئمة في المساجد وهم يعظون المصلين ويدعونهم لقتال كل من لا يؤمن بنبيّهم السفّاح وإلههم الدموي. دعونا نتجاهل أوامر القرآن التي ينفذها المسلمون في مصر وباكستان والعراق وأميركا واسبانيا وبريطانيا وهولندا وإندونيسيا وماليزيا وغيرها، والتي تتبلور بحرق الكنائس وذبح المصلين وسرقة محلات الكفار وقطع رؤوس الصحفيين ورجال الأعمال والراهبات والطلبة الصغار. ندعونا نفترض ما افترضناه ونتجاهل ما تجاهلناه وننظر إلى ماهية "اعتداء" القمص على الإسلام والمسلمين:

القمص يعتدي بالكلام، فبأيّ أسلوب سيردّ أبو إسلام عليه أو يدافع عن نفسه به؟.. هل سيكون ردّه عملاً بما يقوله قرآنه: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم"(البقرة 194)؟؟.. إذا كان رد الاعتداء بمثله، فلعُمْري ولَعُمْر القمص زكريا أن هذا هو جل ما يتمناه العالم كله من المسلمين!.. كلامٌ بكلام، ورسمٌ كاريكاتوريّ برسمٍ كاريكاتوري، وبيتُ شعرٍ ببيتِ شعر..

أم تُرى هذه الآية قد نُسِختْ، ونَسَخت معها إنسانية المسلمين وبالتالي مسخت عقولهم وحولتها إلى غرائز لا تعرف الرد على الكلمة إلا بالركل والعض والقتل والتدمير والحرق والاغتصاب؟!..

 

يطعنُ قرآنكَ؟!.. ما عليك إلا أن تتطعنَ بإنجيله، لكن ما يخشاه هو أن تطعن ظهره أو صدره أو تقطع رأسه كما تعلمك كتبُك!

 

في الواقع، المسلمون لا ينتظرون سماع كلمة "مسيئة بحقهم" كي يقابلوها بالقتل والتدمير. إنهم يعتدون على المعابد وأتباع الديانات الآخرى لا لسببٍ إلا لأن هؤلاء الأتباع يختلفون معهم بالرأي. المسلمون لا يجدون ولن يجدوا راحةً وعزاء إلا في رؤية غيرهم من الشعوب خاضعة ذليلة لهم!   

********      

كلام أبو إسلام هذا هو مجرد "علاك صدئ" لا يعكس إلا خبثَ وصدأ قرآنه وسيرةَ نبيه. وإضافة إلى ذلك، فإن كلامَه أيضاً يعبّر عن قلة ذوق وقلة أدب حيث يقول بأنه لا يظن أن للقمص "قيمة عندهم أو يشعرون به على الاطلاق!"..

ترى هل يعتقد عديم التربية هذا أن هناك في العالم كله من يقيم له هو نفسه أية قيمة؟!..

=================

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط