منقول / Jul 12, 2008

عن روز اليوسف: حسن صبرا

 


تنشر روزاليوسف ملخصا لكتاب المسئول الطلابى السابق لحزب الله فى الجامعة الأمريكية فى بيروت رامى علِّيق الذى نشره تحت عنوان «طريق النحل»، واختار له رئيس تحرير الزميلة اللبنانية «الشراع» حسن صبرا الذى قرأه ولخصه عنوان «كنت مسئولا فى حزب الله» وهو عبارة عن سيرة ذاتية للشاب رامى عَلِّيق، (وهو الآن أستاذ جامعة فى لبنان) منذ تفتح وعيه على واقع سياسى واجتماعى وثقافى معين فى جنوب لبنان إلى أن التحق وهو فتى فى إحدى حلقات حزب الله ومقاتل فى صفوفه، ثم مسئول تربوى للحزب فى الجامعة الأمريكية حيث تخرج من كلية الزراعة فيها قبل أن يستقيل من الحزب بعد أن اكتشف داخله تناقضات بين الفكر والسلوك، وتراجع عن وعود واستخدام رخيص للتكليف الشرعى وبيع للحزب ولبنان ومصالحه لحساب النظامين فى سوريا وإيران.


نترك هنا للقارئ أن يكتشف كل هذا وغيره بالوقائع وعلى حلقتين.؟


إذا نظرنا إلى التاريخ القريب ألا نجد أننا فى الجنوب، وفى لبنان كله، كنا ومازلنا وقودا لكل الحروب الدائرة على أرضنا؟ ألم تضع الحروب والنزاعات مجتمعنا فى وضع غير مستقر، يتعرض أهله للاستغلال والتشرد والقتل، وكأن ذلك هو مصيرهم الموروث؟


لماذا نضطر عند كل حرب ومأساة إلى الاصطفاف وراء ساسة لا يجروننا إلا إلى مزيد من الانغلاق والعزلة فى وقت نتوق فيه إلى الانفتاح والتواصل مع الآخر، كما عودنا على ذلك آباؤنا وأجدادنا؟ لماذا جرى إحلال التطرف والانعزال اللذين غذتهما سياسات المحاور الإقليمية محل لغة الاعتدال والانفتاح الدينى التى كانت سائدة فبتنا نشعر بأننا لسنا سوى ضحايا عمليات التآمر علينا، المفبركة بإتقان والمربوطة زورا بتاريخنا الدينى. بعد الفرص والموارد التى أتيحت لنا للعلم والثقافة والإبداع لماذا لا نستغل ذلك كله فى سبيل تحقيق قدر أكبر من الرخاء الاجتماعى والاقتصادى؟ لماذا يلازمنا شعور بالانكفاء عن كوننا جزءا لا يتجزأ من بنية هذا الوطن ومؤسساته على الرغم من توافر كم كبير من الطاقات البشرية الجديدة بيننا؟ ولماذا بقيت مقاليد أمورنا بيد حفنة من الأزلام الفاسدين الذين قدموا أسوأ النماذج فى تمثيلنا فى السلطة؟ ألم نكن نعانى نحن الجنوبيين كغيرنا من اللبنانيين من سطوة الوجود السورى وطغيانه قبل الانسحاب الأخير؟ «ألم يكن وجود العمال السوريين بشكل غير منظم عبئا يوميا على اليد العاملة اللبنانية يتردد صداه بين أفراد أسرنا، لماذا نختار أن نصطف وراء هؤلاء الذين يجروننا إلى المزيد من التطرف فى مواقفهم عبر إطلاق شعارات رنانة تدغدغ عواطفنا؟ لماذا صرنا نتحرك وفق خطاب يحاكى لغة العصور البائدة، فيتم تكريس مقدسات ليست مقدسة ويحل جو من الإرهاب الفكرى محل أجواء النقد الفعال».


هذه التساؤلات وغيرها الكثير طغت على أحاديثنا التى امتدت لشهور، ولاتزال، وقد أعادتنى الذاكرة إلى لحظات مؤثرة مررت بها إبان الانخراط فى العمل الحزبى. لا أنسى لحظة التقيت أحد الأصدقاء المسئولين فى حزب الله منذ أكثر من عقد خلا بعد عودته من دمشق ساخطا، إذ قال بأسى: «وكأنا لم نوجد إلا لنموت فى الجنوب».. تعبيرا عن تأففه من طبيعة الدور الذى يقوم به الحزب فى مواجهة الاحتلال الإسرائيلى. «كذلك لا أنسى حديث مسئول آخر حينذاك عن ضرورة وضع سلاح الحزب فى إطار مؤسساتى حزبى واضح وعدم تركه تحت سيطرة أفراد من العسكر يمكنهم التفرد بقرار استعماله». «ولا أنسى كيف رفع مسئول آخر صوته معترضا على التحالف مع المسئولين السوريين الذين لا يؤمن جانبهم، ولا يتمتعون حتى بالحد الأدنى من الأخلاقية والاحترام فى التعامل مع الآخرين، ولا ينفكون ينهبون ثرواتنا، وغير ذلك مما يصب فى الخانة نفسها». «كفانا ذوبانا فى أولويات الآخرين ومصالحهم بعيدا عن اعتباراتنا الوطنية والاجتماعية، والتى لا يصح إلا أن تأتى من كوننا امتدادا لبعضنا البعض». دون أن نقرأ اسم صاحب هذا الكلام أو نعرف اسم الكتاب الذى ورد فيه أو نعرف صفة مؤلفه السابقة فإن ذهنك يذهب مباشرة إلى كاتب أو إعلامى أو سياسى أو حزبى ينتمى إلى قوى 14 آذار مارس، كتيار المستقبل أو اللقاء الديمقراطى أو القوات اللبنانية أو حزب الكتائب.. ذلك أن ما قرأناه سوية فى هذا المدخل من كتاب «طريق النحل» لمؤلفه رامى علِّيق هو لسان حال قوى انتفاضة الأرز التى ثارت على الوصاية السورية على لبنان التى استمرت نحو 30 سنة التى أيدتها قوى 8 آذار مارس، بل اكتسبت هذا الرقم من تظاهرة الوفاء لهذه الوصاية، وكان من ضمنها عليق نفسه.


لكن، الأهم فى كل ما قرأناه هو قائله.. موقعه السابق، قناعاته التى جسدها فى سيرة ذاتية متعة القراءة، مما يجعلك لا تترك الكتاب المؤلف من 200 صفحة من القطع المتوسط دون أن تكمل كل صفحاته التهاما وإعجابا ودهشة بما تضمنه. طريق النحل مؤلفه قيادى طلابى سابق فى حزب الله، وصل إلى مستوى الصف الأول والمسئول الأول عن طلاب الحزب فى الجامعة الأمريكية فى بيروت. رامى عَلِّيق من بلدة الخيام فى قضاء «مرجعيون» فى الجنوب، والده من بلدة يحمر فى النبطية، من أسرة تعمل فى الزراعة، والده تخرج فى المعهد التابع لوزارة الزراعة، درس فى معهد الهندسة الزراعية فى جامعة دمشق، أرسلته وزارة الزراعة اللبنانية بعد تقديره العلمى الممتاز إلى مصر ليحصل على تقدير ممتاز كاختصاصى فى تنمية المجتمع.. اهتم ضمن اختصاصه عمليا بتربية النحل وتلقى مساعدة مهمة من زوجه فى هذا الحقل. أما والدته فقد ولدت فى بلدة كفر تبنيت المحاذية ليحمر، وهى أيضا من أسرة ريفية تزوجت وهى على وشك إنهاء دراستها الثانوية، وعاشت مع بعلها بعد الزواج فى بلدة «مرجعيون» المسيحية.


أبصر رامى النور فى «مرجعيون» لكنه كان فى الرابعة من عمره حين هجرت عائلته البلدة المسيحية بسبب قربها من فلسطين، حيث الاعتداءات اليومية للكيان الصهيونى على الجنوب وأهله.. فضلا عن انفجار الحرب الأهلية فى تلك الفترة مع ما صحبها من فرز سكانى بين المسلمين والمسيحيين أولا.. وبسبب هذه الحرب تنقلت عائلة رامى بين بلدان يحمر وكفرتبنيت والنبطية وزفتا، وتعددت المعارف والجيران مما لم يترك له «صحبة طفولة». أول صدمة أول صدمة تلقاها رامى فى الطريق إلى المدرسة عندما تعرض مع والده لحاجز لحركة فتح بين قريتى جباع حيث استقر لفترة وعين بوسوار، نتج عن تلاسن حصل بين الأب وعناصر الحاجز، وتم اقتياده إلى مركز مجاور ليعود وبعلم الجميع أن الوالد أشبع ضربا من المسلحين الفلسطينيين. أول درس درس رامى فى صيدا، وتلقى دروسا دينية خلال دراسته الحديثة، وتعلم أداء الصلاة والشعائر الدينية كما يقول على الطريقة «السنية»، ولما كان والده يصلى مسدل اليدين سأله لماذا لا يضم يدا فوق الأخرى كما علمته مدرسته التى كانت ترتدى غطاء الرأس فى مدرسة صيدا. أعطاه والده أول درس فى عدم التفرقة: «ليس مهما كيف تصلى لأن الله يقبل الصلاة بأى من الطريقتين».


الاجتياح والأرز والحلوى

خلال إقامة أسرة رامى فى عين بوسوار حصل الاجتياح الصهيونى عام ,1982 وشعر الطفل والسكان وهم يتفرجون على الطائرات الصهيونية تقصف القرى ومراكز المنظمات الفلسطينية أن الجميع كان يتوق إلى رؤية المسلحين الفلسطينيين يرحلون عنهم بعد أن عاثوا فى الأرض فسادا عبر الاعتداء على حريات الناس، وفرض الإتاوات واحتلال البيوت وإقامة الحواجز المسلحة على الطرقات والتجول بالسيارات العسكرية للمسلحين وإطلاقهم الرصاص بين الناس، ناهيك عن التحكم بمقدرات البلد وسلـب استقـلاله وثروته، وهذا ما يفسر - حسبما كتب رامى علِّيق - ربما مشهد بعض الأهالى ينثرون الأرز على الدبابات الإسرائيلية لدى مرورها بمحاذاة بيوتهم.. وكان الأطفال يتقدمون باتجاه هذه الدبابات ليحصلوا على قطع اللبان والحلوى من الجنود الإسرائيليين.


أمل ثم حزب الله

بعد مرور سنة على الاجتياح عادت أسرة رامى إلى النبطية ليستأجر والده مسكنا فى حارة المسيحيين.. القريبة من المدرسة، فكان معظم أصدقائه من أهل الحارة، عام 1983 كانت حركة أمل تسلمت زمام المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلى بعد أفول نجم المنظمات اليسارية إثر إخراج المنظمات الفلسطينية، وفى الفترة نفسها ظهر حزب الله إلى العلن للمرة الأولى فى تظاهرات جرت فى بلدة جبشيت وفى ضاحية بيروت الجنوبية. يقول رامى: شاهدت صور التظاهرات فى الصحف ومنها صورة لامرأة تغطى نفسها بالكامل بعباءة سوداء، علقت الصورة فى ذهنى؛ لأننى لم أكن قد شاهدت شيئا مماثلا من قبل، وكان لافتا فى تلك التظاهرات وجود نساء بالشادور الأسود، وشعارات تشيد بالثورة الإسلامية فى إيران، الأمر الذى اعتبره معظم الناس ظاهرة غريبة عن مجتمعنا اللبنانى فى الجنوب فى تلك الفترة، كما فهمت من كلام جيراننا وبعض الأساتذة فى المدرسة وبعض رفاقى الذين رددوا ما تناقله أهاليهم.


التفرقة
يكتب رامى: «أثناء اللعب مع أولاد أسر شيعية مقربة من حركة أمل، كنت أسمع عبارات تفيد بأن المسيحيين عملاء للإسرائيليين، كان قسم من هؤلاء الأولاد رفاق صفى فى المدرسة». «وكان لهذا الجو الإعلامى المشحون بالتوتر وأعمال العنف والقتل والتصفية الجسدية للمتعاملين مع إسرائيل، والتى تناقلتها الألسن، ومن تظاهرات ومظاهر مسلحة لعناصر حركة أمل أن دفع بنا إلى إظهار حماسة لما تمثله الحركة على الساحة الشيعية أدت بنا عام 1984 إلى اعتبار إدارة المدرسة الإنجيلية وأساتذتها المسيحيين عملاء لإسرائيل». انعكست هذه الثقافة البدائية على حماس دفع رامى ورفاقه عند نهاية العام الدراسى إلى رشق زجاج المدرسة بالحجارة لتهشيمه وإرعاب من كان داخلها والهرب بعد ذلك لتقييم ما حدث ثم لحضور شريط عن المستضعفين يتناول حياة الإمام الخمينى.


كذبة
يعترف رامى أنه بعد أن جاء مدير المدرسة منذر انطوان إلى والده يشكو له ما فعله غير مصدق، أنه كذب وأنه ظل يعانى عقدة الذنب تجاه هذه الكذبة حتى الآن: «ومع هذا بعد أن علم والدى بالأمر وضربنى صممت على تمسكى بموقفى، يومها كان والداى شديدى الاعتدال، وكنت أنا مشدودا إلى ما يجرى من أعمال عسكرية وعنف وأصوات دوى الانفجارات والمدافع وتشنجات كلامية وفعلية ومفردات لغة الحرب والعنف»، ومع هذا حافظ رامى على صداقاته مع المسيحيين.. إلا أن مظاهر التزامه الدينى فى الملبس وطريقة التعاطى مع الآخرين والتحدث معهم دفعت إدارة المدرسة إلى طرده بعد انتهاء امتحانات آخر السنة. بلغ رامى 13 عاما من عمره فبدأ يقضى أوقاتا متزايدة فى الجامع، تأثر ببعض الأصدقاء دون أن يمنعه هذا من المحافظة على صداقته مع أهل الحارة من المسيحيين، وبدأ نفوره من ممارسات حركة أمل وتجاوزات عناصرها، ومنها إطلاق أحدهم النار على شاب آخر على مسبح الغازية حيث كان رامى مع أهله. بدأ رامى التشدد داخل منزله بمنع المسكرات والاستماع إلى الموسيقى والأغانى بحضوره، وضرب شقيقته ابنة العاشرة بسبب ارتدائها سروالا من «الجينز».


تقليد الخمينى

باكرا قلد رامى عليق الإمام الخمينى كمبدأ شيعى فى تطبيق نظرية ولاية الفقيه، وكان يراجع المشايخ فى أصغر التفاصيل وأدقها. تعلم رامى فى المسجد أن أهل الكتاب مسيحيين ويهودا هم نجسون ويجب تطهير الجسد حالة ملامسة أحدهم.. ومع استمراره فى اللعب مع زملاء مسيحيين فإنه طلب منهم مرة أن يبعدوا عنه بعد أن لمسه أحدهم وأن يلعبوا معه بلا ملامسة. إلى هذا تلقى رامى فى المسجد أن أموال المسيحيين واليهود وأعراضهم مباحة لنا؛ لكونهم من غير المسلمين، فغزا أشجار الأكى دنيا لأنها فى أرض المسيحيين.


زواج المتعة

اقترب رامى من صبايا مسيحيات بقصد زواج المتعة.. مع أى واحدة منهن تنفيسا عن كبت جنسى، ويقول أن ما تعلمه من الجامع أن زواج المتعة هو زواج مؤقت تحدد مدته قبل إجرائه.. وأن المتعة حلال للرجل المسلم مع الفتيات من أهل الكتاب، ومع المسلمات الأرامل أو المطلقات.. لكن هامش زواج المتعة أخذ بالاتساع شيئا فشيئا من أجل إشباع غريزة الجنس عند الشبان والفتيات، كما شاهده رامى من تصرفات العديد من الشباب، وكان المشايخ يوسعون دائرة هذا الزواج حتى طال الفتيات المسلمات من غير الأرامل أو المطلقات أو أهل الكتاب، تعلم رامى أيضا من المشايخ أن تغليب المصلحة السياسية على القيم الأخلاقية ممكن فى إطار ولاية الحاكم الشرعى.. وشرط الحصول على «فتوى» أو إجازة من هؤلاء المشايخ ومنهم مسئولون فى الحزب.


رئيس تحرير مجلة الشراع اللبنانية

المقال منقول عن روز اليوسف

============================

المقالات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط